الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

هل فشل ترامب في اخماد الحريق التايلاندي ــ الكمبودي؟


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

بينما تتعثر محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحقيق السلام في كل من غزة وأوكرانيا، لم تحقق محاولته لإخماد فتيل الحرب بين تايلاند وجارتها كمبوديا نجاحا صامدا. فمنذ إعلانه في 26 أكتوبر المنصرم عن توصل بانكوك وفنوم بنه إلى اتفاق سلام تحت رعايته وبمساعدة ماليزية، لم يتوقف التراشق العسكري بين البلدين الآسيويين، بل راح يتوسع وتزداد ضحاياه من مدنيين وعسكريين، بينما  كل جانب يلقي اللوم على الآخر، أو ينفي تعهده لواشنطن بوقف القتال، والرئيس ترامب يردد أنه تحدث إلى زعيمي البلدين وتوصل معها إلى اتفاقية سلام، وكان آخره وقت كتابة هذه السطور.

والمعروف أن النزاع بين البلدين قديم، يعود تاريخه إلى حقبة الاستعمار الفرنسي لكمبوديا، ويدور حول السيادة على أراض حدودية ومعابد بوذية أثرية، ناهيك عن شكوى بانكوك الدائمة من أعمال التهريب وغسيل الأموال وتجارة البشر التي يمارسها الكمبوديون عبر الحدود المشتركة الممتدة على طول 817 كيلومترا.

أما التدخل الأمريكي في النزاع، فيُعزى إلى حرص واشنطن من جهة على المحافظة على أمن واستقرار وازدهار تايلاند باعتبارها حليفة استراتيجية للغرب ودولة آسيوية شريكة لحلف الناتو من خارجها، وحرصها من جهة ثانية على علاقة تعاون ناشئة حديثا مع كمبوديا المعروفة تقليديا بدورانها في الفلك الصيني/الروسي، ورغبتها من جهة ثالثة في قطع الطريق على الصين لجهة استغلال الوضع المتأزم في تحقيق طموحاتها التوسعية في المنطقة، خصوصا في ظل الاهتمام المتزايد من قبل بكين بقاعدة ريام البحرية الكمبودية الواقعة في خليج تايلاند، وقيام الصينيين بتحديثها وتطويرها (تخشى واشنطن أن تحصل بكين على امتيازات خاصة في قاعدة ريام، وأن يمنحها ذلك جناحا استراتيجيا في الجنوب تفتقر إليه، فتستخدمه ضدها في حال اندلاع حرب بينهما حول تايوان أو تفاقم الصراع في بحر الصين الجنوبي).

ما يهمنا هنا هو أن الحرب بين تايلاند وكمبوديا التي بدأت بتراشق محدود عبر الحدود البرية المشتركة في  مايو المنصرم، ثم تجددت وتوسعت في يوليو الفائت، تحولت اليوم إلى صراع خطير امتد إلى الحدود البحرية في "خليج تايلاند" المشترك. ففي ديسمبر الجاري اعلنت البحرية الملكية التايلاندية ذات التدريب الامريكي الحديث عن استعدادات طارئة لايقاف جميع السفن العاملة في خليج تايلاند في مجال نقل الوقود والامدادات إلى كمبوديا، بما في ذلك اعتراض وتفتيش السفن التايلاندية المبحرة تحت أعلام وسجلات أجنبية، وذلك في قرار وصفه الكثيرون بما يشبه فرض حصار بحري على كمبوديا، بعد أن لاحظت بانكوك استخدام سفن محلية وأجنبية كثيرة للخليج في الابحار إلى سنغافورة لنقل الوقود والإمدادات منها الى كمبوديا. بل حمل البيان التايلاندي تهديدا صريحا مفاده أن شركات الشحن التايلاندية التي تسهل رحلات السفن، وملاكها، وموردي الوقود والمؤن وغيرهم من ذوي العلاقة سوف يحاسبون حسابا عسيرا.

وطبقا لبعض المراقبين، فإن ما دفع السلطات التايلاندية إلى مثل هذه الاجراءات ليس تهريب النفط والمؤن فحسب، وانما أيضا قيام فنوم بنه، التي تفتقد سلاحا جويا فعالا لمواجهة سلاح الجو الملكي التايلاندي المعزز بأحدث المقاتلات والحوامات الأمريكية، بنشر طائرات مسيرة صينية المنشأ فوق خليج تايلاند لتهديد منصات النفط التايلاندية، أو قصفها عند الضرورة، هذا علما بأن بكين هي المزود الرئيسي للجيش الكمبودي بالأسلحة، بل زودتها بأسلحة لم تبعها إلا لعدد محدود من الدول مثل منظومة صواريخ PHL-03 بعيدة المدى القادرة على ضرب أهدافٍ على بُعد 130 كيلومتراً.

والمعروف أن "خليج تايلاند"، أكبر من الخليج العربي، وتبلغ مساحته 123550 كيلومترا مربعا، ويشكل ممرا مائيا هاما في غرب المحيط الهادي، وتحده تايلاند وكمبوديا وفيتنام وماليزيا، وتنتشر فيه جزر مأهولة بالسكان من تايلاند وكمبوديا ومنشآت بحرية ومنصات نفطية تديرها شركة شيفرون الأمريكية لحساب الحكومة التايلاندية. والمعروف أيضا أن الأسطول الأمريكي السابع يستخدم هذا الخليج عندما ترسو حاملات طائراته وسفته بالقرب من بانكوك.

وإزاء هذه التطورات، عاد ترامب ليصرح أنه سوف يتحدث مرة أخرى إلى رئيس الحكومة التايلاندية "أنوتين تشارنفيراكول" وزعيم كمبوديا القوي "هون سين"، ليحثهما على وقف التصعيد والإلتزام باتفاقية السلام التي أشرف عليها شخصيا في أكتوبر الماضي، قائلا: " أعتقد أنني أستطيع فعل ذلك بسرعة. أعتقد أنني أستطيع اقناعهم بوقف القتال. من غيري يستطيع فعل ذلك؟"، وقد نفذه بالفعل وتوقف القتال، لكن يبقى السؤال إلى متى؟ 

إن فرص ترامب في النجاح هذه المرة كسابقتها من وجهة نظرنا، إلا إذا قرر الرئيس الامريكي استخدم أدوات ضغط تجارية أو عسكرية تمتلكها واشنطن، مثل التهديد بفرض تعرفات جمركية عالية على صادرات البلدين الى الولايات المتحدة، أو تهديد كمبوديا بالتراجع عن رفع الحظر المفروض على مبيعات الاسلحة لها، وإلغاء المناورات العسكرية المشتركة معها، والمتفق على إجرائها في عام 2026.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: ديسمبر 2025م 

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

بانكوك تتحرك ضد غسيل الأموال وشبكات الاحتيال/ د. عبدالله المدني


لطالما إشتكى العالم من تحول تايلاند إلى بؤرة آسيوية للإحتيال الدولي والعصابات الإجرامية. وهذا الوضع، بطبيعة الحال، لا دخل لنظامها السياسي والإداري فيه، بقدر ما هو ناجم عن جغرافيتها السياسية، أي وقوعها بين دولتين معروفتين بعدم الاستقرار والانفلات الأمني وضعف السلطة المركزية.

ويبدو أن الأمور قد بلغت الزبى ولم تعد الحكومة التايلاندية بقيادة رئيس الوزراء "أنوتين تشارنفيراكول"، قادرة على تحمل ما يوجه لها من انتقادات. ودليلنا هو  الأخبار الواردة من بانكوك حول القبض على زعماء عصابات ومصادرة أموال قذرة ومساءلة مصارف محلية منخرطة في عمليات غسيل الأموال. ولا يستبعد أن تكون هذه الحملة خطوة استباقية من قبل الحكومة لتجنب احتمال تعرضها لغضب الرئيس دونالد ترامب، وبالتالي التعامل معها على طريقة تعامل ترامب مع حكومة مادورا الفنزويلية، مع فارق الحالة طبعا.

ففي مطلع ديسمبر الجاري، تم الإعلان في بانكوك عن أن السلطات التايلاندية صادرت أكثر من 300 مليون دولار أمريكي في حملة ضد مجرمين دوليين كانوا يغسلون الأموال عبر مصرفين محليين، انطلاقا من مراكز احتيال إليكتروني في كل من كمبوديا وميانمار المجاورتين. 

أعقب ذلك خروج رئيس الوزراء للإعلان بنفسه عن أن تحقيقات مكثقة وطويلة كشفت أن شبكة احتيال خطيرة مكونة من العديد من الأشخاص مارست أعمالا إجرامية، وأنه ألقي القبض على ثلاثة من زعمائهم الرئيسيين، وصودرت مبالغ نقدية تصل إلى عشرة مليارات بات.

غير أن المزيد من التفاصيل ظهر في تقرير للشرطة تم توزيعه على وسائل الإعلام، وجاء فيه توجيه التهمة رسميا بالتآمر وإدارة عصابة إجرامية والإحتيال العام وغسل الأموال إلى المقبوض عليهم، والتأكيد على أن أكثر من 12 شخصا من كبار المشتبه بهم لا يزالون طلقاء، وأن من بين هؤلاء الطلقاء المدعو "يم ليك" الذي يترأس شبكة مالية في كمبوديا تدعى بيك (BIC)، ويشتبه في قيامه بجلب أموال إجرامية قذرة إلى تايلاند لأغراض غسلها أو استثمارها تجاريا، من خلال حسابات وهمية في مصرفين تايلانديين. 

في تقرير لاحق للشرطة الوطنية تمت الإشارة إلى أن تحقيقات إضافية أدت إلى تحديد هوية 42 مشتبها، ألقي القبض على 29 منهم من خلال حملة قادها فريق "اقتلاع المحتالين العابرين للحدود الوطنية" الذي تم تأسيسه حديثا بعد أن تضاعفت الضغوط الاقليمية والدولية على تايلاند، ولاسيما من قبل واشنطن بموجب "قانون تفكيك شبكات الإحتيال الأجنبية" الذي طرح على الكونغرس الأمريكي في سبتمبر الفائت، وهو قانون استهدف إنشاء فرق عمل مشتركة بين الوكالات الأمنية في الدول الصديقة ومثيلاتها في الولايات المتحدة لتفكيك وإغلاق شبكات الجريمة العابرة للحدود الوطنية، من تلك التي تمارس عمليات احتيال جماعية عبر الانترنت ضد الأمريكيين (طبقا لتقديرات حكومية أمريكية، خسر الأمريكيون في عام 2024 وحده ما لا يقل عن 10 مليارات دولار بسبب عمليات الإحتيال في جنوب شرق آسيا، بزيادة قدرها 66% عن العام السابق).

والجدير بالذكر أن تعاونا من هذا النوع بين واشنطن وبانكوك جدير بالتبني، وسينجح حتما مثلما نجح تعاون وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مع قيادة عمليات الأمن الداخلي التايلاندية زمن الحرب الباردة في قمع ومطاردة الشيوعيين وأشباههم. بل أنه قد يرعب السلطات في كمبوديا وماينمار، فيدفعها إلى ضبط حدودها مع تايلاند، وتشديد رقابتها على الأنشطة القذرة ومطاردة الشبكات الإجرامية.

والحقيقة التي يجب على السلطات في تايلاند وكمبوديا وميانمار خصوصا، والسلطات في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا عموما إدراكها أن هناك تعاون دولي آخذ في التنامي والتوسع لمحاصرة كل أشكال الجرائم الاقتصادية وشبكاتها، وبالتالي فإن الأعين باتت ترصد أكثر من اي وقت سابق. ويكفي أن نشير أن ما حرك المياه في تايلاند ضد العصابات المذكورة كان مجرد حصاة ألقاها الصحفي السنغافوري المعروف بملاحقة الفضائح حول العالم "توم رايت" في فعالية عقدت في نوفمبر المنصرم بنادي المراسلين الأجانب في بانكوك، حينما قال ما مفاده أن تايلاند تستخدم بكثافة كمركز لغسيل الأموال، وأن مبالغ نقدية ضخمة توضع في أكياس وتحمل على متن طائرات خاصة مقلعة من بنوم بنه إلى مطارات تايلاندية مختلفة، و"أنك إذا سمحت بذلك دون تدقيق او تحقيق فسوف تخسر بلدك وتصبح سيادتك موضع شك". لم يكتف رايت بذلك بل أشار إلى إسم واحد من أكبر المتورطين وهو غاسل الأموال الجنوب أفريقي "بنيامين ماوربرغر" صاحب العلاقات والارتباطات المشبوهة بعدد من القادة والمستثمرين التايلانديين والكمبوديين.

وتقول منظمات حقوق الإنسان الدولية أن مراكز إحتيال يدير معظمها صينيون تستغل أكثر من 120 ألف شخص من دول عدة ككمبوديا وميانمار وباكستان للعمل لديها بعد اختطافهم وتدريبهم واجبارهم على الإحتيال الألكتروني.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: ديسمبر 2025م 


الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

الاتحاد الماروني العالمي یقدم التعزیة للجالیة الیھودیة في استرالیا


واشنطن في 16 كانون الاول 2025

بعد الھجمة البربریة، التي جرت على شـاطئ بونداي في سـیدني اسـترالیا والتي راح ضـحیتھا عدد كبیر من المـدنیین من الجـالیـة الیھودیـة ھنـاك والـذین كـانوا یحتفلون بـأول ایـام عیـد الأنوار الیھودي، نـددت الجـالیـة اللبنانیة المارونیة بھذا الھجوم الارھابي حیث اصـــدر ســـیادة المطران شـــربل طربیھ مطران اســـترالیا للموارنة بیانا معتبرا الھجوم "مأســاة انســانیة" ھزت المجتمع الأســترالي في وقفة تضــامنیة مع "الأخوة الیھود" الذین استھدفوا بھ.


من ھنا یقدم الاتحاد الماروني العالمي، الذي یمثل الموارنة المنتشرین حول العالم، التعزیة للجالیة الیھودیة في اســترالیا وســائر دول العالم بما فیھا دولة اســرائیل، ویتضــامن مع الموارنة في اســترالیا، ذلك البلد المضـــیاف الذي ســـاھم باســـتقرار الكثیر من اللبنانیین، في مشـــاعر التندید بالھجوم الارھابي. كما یرفع الصــلوات للرب في زمن المیلاد لیخفف على أھالي الضــحایا خســارتھم في ھذا المصــاب الألیم، ویلھم الجمیع التخلي عن مشـاعر الكراھیة واسـتغلال الدین لنشـر العنف وتوزیع الحقد بین البشـر. كما یطلب من ّذ على الكراھیة، ومن بینھا حزب الله المسـؤولین في دول العالم ملاحقة التنظیمات التي تبشـر بالعداوة وتحف في لبنـان وبقیـة تشــــكیلات الحرس الثوري حول العـالم، والتي تعمـل على بـث التفرقـة واعتمـاد العنف، و ھـا ھي تمنع لبنان من اسـتعادة عافیتھ والتخلص من منظومة السـلاح ھذه لیتفرغ لاعادة الاسـتقرار والاعمار ورفض مشاریع التوسع التي ینادي بھا نظام الملالي راعي الارھاب في العالم.


كما یعتبر الاتحاد الماروني العالمي بأن التعرض لأي انسـان بسـبب معتقده أو لونھ أو انتھمائھ ھو جریمة بحق البشــریة وإن نشــر نظریات الحقد والتفرقة التي تقود إلى التشــدد والانغلاق وتنتج العنف والارھاب وسـیلة للسـیطرة ھي مرفوضـة من أسـاسـھا وغریبة على فكر اللبنانیین المنتشـرین بین شـعوب الأرض كافة یسعون للرزق بالجھد وعرق الجبین لا بالنمیمة والاستزلام أو بالغش وتجارة الممنوعات.

الأربعاء، 10 ديسمبر 2025

كوريا الجنوبية تقترب من عرش الذكاء الاصطناعي

 


بقلم: د. عبدالله المدني*

المعروف أن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية والصين تتربعان اليوم على عرش الذكاء الإصطناعي، لكن كوريا الجنوبية تحاول جاهدة أن تصبح الدولة الثالثة في هذا المجال، وتتربع على عرشه جنبا إلى جنب مع أمريكا والصين، بدليل أن رئيسها "لي جاي ميونغ" أعلن مؤخرا في خطابه أمام البرلمان حول الموازنة السنوية لعام 2026 تخصيص 7 مليار دولار من أجل هذا الهدف.

فبعد أشهر قليلة من إعلان شركة انفيديا (Nvidia) الأمريكية، الأعلى قيمة على مستوى العالم بأكثر من أربعة ترليون دولار أمريكي، والمحرك الرئيسي للذكاء الإصطناعي عالميا عن خططها، دعت حكومة كوريا الجنوبية إلى عقد أول إجتماع لمجموعة العمل المشرفة على التوسع الجذري للبنية التحتية والتقدم في مجال الذكاء الإصطناعي بالبلاد.

وكان الرئيس ميونغ قد أطلق في شهر سبتمبر الفائت بصورة رسمية مجموعة العمل هذه تحت إسم "اللجنة الوطنية لإستراتيجية الذكاء الإصطناعي" للإشراف على تنفيذ أنشطة الذكاء الإصطناعي في كوريا الجنوبية وتنسيق عملها مع مختلف الجهات الحكومية الاقتصادية والمالية والأمنية والدفاعية من حيث البيانات والتطبيقات والآليات والمهارات والتعاون الدولي، بما في ذلك إحداث تغييرات تشريعية وقانونية لتسهيل نشر الذكاء الإصطناعي كنهج داعم للتنمية وجسر للحاق بالآخر المتقدم في المجال. وقتها، وكدليل على طموحاته ودعمه القوي للذكاء الإصطناعي، قال ميونغ: "تقف كوريا اليوم عند منعطف تاريخي عظيم. إن أمامنا خيار أن نكون تابعين ومعرضين لخطر التخلف، وأمامنا أيضا فرص لا حدود لها إذا تقدمنا بجرأة نحو المستقبل من خلال نشر  الذكاء الإصطناعي الذي هو المفتاح لتطوير هيكل صناعتنا، وتحسين جودة حياة شعبنا، ودخةل كوريا عصرا جديدا من الرخاء". 

ويترأس اللجنة وزير العلوم والتكنولوجيا وتضم في عضويتها مسئولين تنفيذيين كبار من شركات "سامسونغ للإلكترونيات" و"هيونداي موتور" و"إس كي تيليكوم" و"نافر كلاود" (مشغل مركز البيانات فائقة السرعة) وغيرها من مؤسسات القطاعين الخاص والعام، 

ويأمل ميونغ أن تترجم اللجنة وفرق عملها المختلفة طموحاته وطموحات شعبه في أن تجاري كوريا الجنوبية  الولايات المتحدة والصين وتنافسهما في الذكاء الإصطناعي. وذلك من منطلق أن التقدم في هذا المجال سوف يطلق شرارة نمو جديد وقوي للإقتصاد الكوري الجنوبي ويعوضه عن الإضرار التي لحقت به مؤخرا جراء الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الصادرات الكورية إلى الأسواق الأمريكية، وجراء الإستثمارات القسرية في الولايات المتحدة.

والجدير بالذكر أن نمو الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية كان متذبذبا خلال السنوات الماضية، وأقل بكثير من حقب سابقة. فطبقا للبيانات الرسمية، بلغ 1.4 بالمئة في عام 2023، و2 بالمائة في 2024، و1 بالمائة في 2025، وهذا بطبيعة الحال لا يرضي الكوريين الذين يطمحون للعودة إلى زمن تربعهم على عرش "النمور الآسيوية"، بل الذين يأملون في منافسة الاقتصادين الياباني والصيني.

ذكرت وسائل الإعلام الكورية أن المشاركين في الإجتماع الأول لمجموعة العمل المذكورة ناقشوا منظومة الذكاء الاصطناعي في البلاد، ومشروع نشر نحو 260 ألف وحدة معالجة بالتعاون مع شركة انفيديا، وذلك بهدف زيادة سعة وحدات المعالجة إلى خمسة أضعاف. ويُذكر أنه خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادى (APEC) المنعقد في أكتوبر المنصرم بمدينة جيونجو الكورية الجنوبية، أعلنت شركة انفيديا أنها تعمل على توسيع البنية التحتية للذكاء الإصطناعي في القطاعين العام والخاص في كوريا الجنوبية عبر نشر 260 ألف وحدة معالجة رسومية (GPU) لوزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وشركتي سامسونغ وهيونداي وغيرهما.

ويأمل مسؤولو إنفيديا في أن تثمر تعاونها مع كوريا الجنوبية في وضع الأخيرة في قلب الثورة الصناعية للذكاء الاصطناعي، وتحويلها إلى منتج ومصدر رئيسي للذكاء، مثلما كانت ملهمة ورائدة في صناعة وتصدير السفن والمركبات والرقائق والأجهزة الإلكترونية المتطورة.

وإذا ما استعرضنا أمثلة عن شكل ومدى عمل انفيديا وتعاونها مع كبريات الشركات الكورية الجنوبية، نجد أن شركة سامسونغ العملاقة تبني مصنعا للذكاء الإصطناعي وأشباه الموصلات مزودا بنحو 50 ألف وحدة معالجة من انفيديا، وتستخدم تقنيات الأخيرة في تحسين ريبوتها المنزلي "بالي". كما نجد أن شركة هيونداي موتر توسع تعاونها مع انفيديا في مجالات الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية داخل مركباتها، علاوة على تعاونهما في مجال الروبوتات الذكية من خلال مصنع يضم 50 ألف وحدة معالجة، وتعاونهما مع الحكومة الكورية لبناء مجموعة وطنية للذكاء الإصطناعي المادي. أما مجموعة "إس كي" الكورية فإن تعاونها مع انفيديا يتجلى في تصميم مصنع للذكاء الاصطناعي قابل للتوسع ليشمل 50 ألف وحدة معالجة ممكن اسخدمها في تصميم الذاكرة عالية النطاق الترددي، وتحسين الانتاجية، وتطوير مصانع أشباه الموصلات، وصناعة الروبوتات للشركات الناشئة والهيئات الحكومية.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: ديسمبر 2025م 




الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

الحكم باعدام حسينة لن يوفر الاستقرار لبنغلاديش


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

الحكم الصادر يوم 17 نوفمبر الماضي بالإعدام ضد رئبسة الحكومة البنغلاديشية المعزولة الشيخة حسينة واجد المقيمة حاليا في منفاها الإختياري بالهند من قبل محكمة هي أنشأتها في عام 2009 لملاحقة المتورطين في القتل خلال حرب الاستقلال، لن يساعد إطلاقا على توفير الأمن والإستقرار في هذا القطر المنقسم على نفسه إيديولوجيا منذ عدة عقود، بل هو يثير المتاعب ويعزز الانقسام والتوتر داخليا، كما أنه يزعزع الاستقرار في شبه القارة الهندية بسبب تعقيدات العلاقة بين بنغلاديش المنحازة، في ظل حكومتها الانتقالية الحالية إلى باكستان والصين، على حساب جارتها الهندية الكبرى. فكما أن للمتهمة خصوم كثر في صفوف السلطة الحالية بقيادة البروفسور محمد يونس وصفوف "الحزب الوطني البنغلاديشي" بقيادة البيغوم خالدة ضياء، فإن لها أيضا أنصار ونفوذ سياسي واسع ومتجذر كونها إبنة ووريثة أبو الاستقلال ومؤسس دولة بنغلاديش المستقلة الشيخ مجيب الرحمن، ناهيك عن أنها تزعمت البلاد لفترات طويلة، حققت خلالها لمواطنيها الكثير من المنجزات التنموية والصناعية، وتخلصت أثناءها من أحزاب وتنظيمات أصولية متطرفة كانت تنشد طلبنة بنغلاديش.

وهاهي العاصمة دكا تعود إلى ما يشبه ساحة حرب بين أنصارها وخصومها، بمجرد أن أصدرت "محكمة الجرائم الدولية" البنغلاديشية المؤلفة من ثلاثة قضاة برئاسة القاضي محمد غلام مرتضى مزمدار، حكما بإعدام الزعيمة السابقة بعد إدانتها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في إشارة إلى قيامها بقمع تظاهرات طلابية ضد نظامها في يوليو وأغسطس من عام 2024، ما أدى إلى مقتل 1400 شخص طبقا لتقارير المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان، وهكذا، فبدلا من أن تسعى الحكومة الحالية إلى لملمة الجراح واستعادة الوحدة والأمن والإستقرار بعد أعوام من الفوضى والمماحكات السياسية، وتشرع في إقامة نظام ديمقراطي جديد يلبي طموحات الملايين من السكان في النهوض والتنمية المستدامة، فقدت البوصلة وغلبت عليها النزعة الانتقامية.

لا يعني هذا الكلام الانتصار للشيخة حسينة والمطالبة بتبرئتها، فهي لها ما لها وعليها ما عليها، وجزء من سياستها القمعية كان ردة فعل لسياسات خصومها الذين حرضوا ضدها وأشعلوا الشارع بالإضرابات والاعتصامات والحرائق خلال العام المنصرم. وإنما الأمر يتعلق بضرورة الاحتكام إلى العقل والمنطق واللجؤ إلى خيارات تطفي الحرائق ولا تزيدها إشتعالا. فالمتهمة في أول تعليق لها من منفاها الهندي على حكم إعدامها، نفت أنها أصدرت أوامر بقتل الطلبة المتظاهرين قائلة: "لا أنا ولا أي من القادة السياسيين أصدرنا أوامر بقتل المتظاهرين" وواصفة المحكمة التي حاكمتها بأنها صورية وأحكامها صادرة عن شخصيات متطرفه تكن لها الضغائن وتتبع حكومة مؤقتة وغير منتخبة دستوريا، وذات دوافع وخلفيات انتقامية.

ينقسم المراقبون والمتخصصون في الشأن البنغلاديشي حول حكم الإعدام غير المسبوق بحق زعيمة سابقة للبلاد، فبعضهم يراه حكما عادلا طال انتظاره للتخلص من "سيدة عاثت فسادا وارتكبت أخطاء جسيمة في إدارة البلاد ومقدراتها"، والبعض الآخر يراه حكما خطيرا مغلفا بدوافع انتقامية لن يؤدي إلإ إلى المزيد من المتاعب والإنقسامات الحادة.

وما بين هذا وذاك تراقب حكومات دول الجوار (الهند وباكستان والصين) المشهد دون تعليق حتى لحظة كتابة هذا المقال. والمعروف أن الدول الثلاث معنية بتطورات الأحوال السياسية في بنغلاديش، كون الأخيرة تمثل رقما مهما في المعادلات السياسية والجيواستراتيجية في شبه القارة الهندية والمحيط الهندي. فالهند، التي ساعدت البنغلاديشيين في تأسيس دولتهم المستقلة عن باكستان على إثر "حرب البنغال" سنة 1971، تعتبرها ضمن نطاق مصالحها الاستراتيجية، وهي حريصة في الوقت نفسه على وجود حكومة علمانية غير متطرفة في دكا، لا تعاديها ولا تضر بمصالحها. بينما تسعى باكستان إلى استعادة روابطها القديمة مع بنغلاديش، التي كانت جزءا من كيانها المسلم منذ 1948 وحتى 1971، والتحالف معها لمواجهة عدوتها الهندية اللدودة. أما الصين، التي تتودد لها حكومة يونس الانتقالية من أجل المساعدات، فتحاول التواجد بقوة في بنغلاديش خدمة لمخططاتها وطموحاتها المتمثلة في مبادرة الحزام والطريق، وخدمة أيضا لباكستان ونكاية بخصمها الهندي.

والحقيقة أن تواجد الشيخة حسينة في الهند تحت حماية حكومتها أزعج حكومة يونس في دكا، وقد تشهد العلاقات الهندية ــ البنغلاديشية احتقانات لا تستطيع دكا التعايش معها فيما لو طلبت الحكومة البنغلاديشية من نظيرتها الهندية تسليمها الشيخة حسينة لتنفيذ حكم الإعدام فيها، وكان رد نيودلهي هو الرفض. 

وبعيدا عن جدلية الصواب والخطأ في الحكم الصادر ضد حسينة، فإن الحكم يرسي سابقة خطيرة وهي أن القادة السياسيين مسؤولون جنائيا عن سلوك قوات الأمن أثناء الإضطرابات المدنية.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: ديسمبر 2025م