الثلاثاء، 27 يناير 2026

فيتنام تجدد لأمين عام حزبها الحاكم، وتنتظر الجديد


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

منذ انتصار فيتنام الشمالية على فيتنام الجنوبية وسقوط عاصمة الأخيرة ، سايغون (حاليا مدينة هو تشي منه) بأيدي ثوار الفييتكونغ الشيوعيين، وبالتالي توحيد شطري البلاد وقيام "جمهورية فيتنام الإشتراكية" رسميا في 30 إبريل 1975، وهذه البلاد في قبضة الحزب الشيوعي الفيتنامي الذي يحتكر كل السلطات وحده ويدير البلاد وفق الأيديولوجية الماركسية اللينينة وفكر زعيم الأمة "هو تشي منه" (1890 ــ1969).، وعلى الرغم من تبني الحكومة الفيتنامية فكرة الإنفتاح الاقتصادي، أو ما أطلقت عليه إسم (Doi Moi) في عام 1986، وقيامها مذاك بإطلاق سياسة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، التي تحول بموجبها اقتصاد فيتنام من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد مختلط قريب من اقتصاد السوق، وهو ما سمح بنمو اقتصادي متسارع وتدفق الاستثمارات الأجنبية والاندماج في الاقتصاد العالمي .. على الرغم من كل هذا، فإن البلاد لم تشهد أي انفتاح سياسي يرافقه تغيير في آليات الحكم والسماح بتشكيل الأحزاب السياسية وإطلاق حرية التعبير وترسيخ مباديء حقوق الانسان بأشكالها المعروفة في الغرب الرأسمالي.

وبعبارة أخرى تقتفي فيتنام إلى اليوم النموذج السياسي والاقتصادي المعمول به في الصين، رغم حالة العداء الصامت بين البلدين الجارين، أي سيطرة سياسية مطلقة مع اقتصاد منفتح شبه رأسمالي.

نقول هذا، مع بدء أعمال المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي الحاكم (ينعقد كل خمس سنوات) الذي سيستمر حتى الخامس والعشرين من يناير الجاري، لإنتخاب مائتي عضو في اللجنة المركزية للحزب الحاكم التي تختار بدورها 19 عضوا في المكتب السياسي للحزب الذي سيجدد للأمين العام أو يختار بديلا له. وقد جدد المؤتمرون بالفعل  ولاية الأمين العام الحالي "تو لام" لفترة جديدة مدتها خمس سنوات وقت كتابة هذه المادة. 

ما تردد طويلا هو أن تو لام (انتخب أمينا عاما ورئيسا للدولة في عام 2024) يتطلع إلى تعزيز قبضته على جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقيادية، ليغدو رأسا للدولة ورئيسا للحكومة وقائدا للحزب الحاكم. كما تردد أن تطلعات الرجل ربما تصطدم بمعارضة أجنحة حزبية غير موالية له من تلك التي تمثل الجيش، حيث لاحظ المراقبون في الآونة الأخيرة ما يشبه وجود تنافس وحرب خفية داخل أروقة الحزب بين فصيلين، أحدهما يعارض أن تتحول فيتنام إلى بلد يسيطر شخص واحد على كل مقدراتها وسياساتها كي لا ينفر منها المستثمرون الأجانب الذين تحتاجهم البلاد بشدة، والآخر، الذي يقوده تو لام، يسعى من خلال نفوذه إلى إخفاء الانقسام وإسكات الأصوات المعارضة بكل الوسائل. أما الدليل على صحة ما ذكره المراقبون فقد تمثل في نشاط غير مسبوق وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي قادها ما يعرف بـ  "القوة 47"، وهي وحدة الحرب الإلكترونية التابعة للجيش الفيتنامي.  وبطبيعة الحال لم يستطع "تو لام" أن يتدخل لإسكات صوت القوة 47، كما فعل مؤخرا مع إثنين من مستخدمي الإنترنت الفيتناميين تعرضا له بالانتقاد، حيث استخدم ضدهما مادتين قانونيتين تعاقبان كل من يتعرض لرأس الدولة بالانتقاد.

من المهم الإشارة هنا إلى أن ما سعت إليه القوة 47 تحديدا وهو الضغط  على المؤتمر الرابع عشر للحزب الحاكم من أجل انتخاب عضو المكتب السياسي ونائب الأمين العام للجنة العسكرية المركزية وزير الدفاع الجنرال "فان فان جيانغ" بديلا لتو لام في منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي. حيث تمّ الترويج له باعتباره قائدا مخلصا للشعب والوطن على الطريقة الهوشي منية (نسبة لهو شي منه). والمعروف أن الجنرال فان فان جيانغ برز مؤخرا في وسائل الإعلام الأجنبية من خلال لقاءات ومحادثات أجراها مع نظرائه الصيني والأمريكي والتركي والآذري.

توقعت الناشطة الفيتنامية المعروفة والعاملة في مجال تمكين المرأة وحقوق الإنسان "نغوين نوك نهو" حسم الأمر لصالح تو لام لأنه "حقق زخما سياسيا من خلال سيطرته على أجهزة الدولة والحزب" خلال السنوات الماضية. وأضافت أن نقطة ضعفه هو خلفيته الشرطية (كان ضابط شرطة لأربعين عاما وشغل لسنوات منصب وزير الأمن العام) التي لا توحي بالثقة لدى المستثمرين الأجانب وأصحاب رؤوس الأموال، أي أنه على العكس من صورة رئيس الوزراء الأسبق "نغوين تان دونغ" المعروف باسم "الرفيق X"، والذي شغل المنصب من عام 2006 إلى 2016، وكان محبوبا لدى المستثمرين الغربيين بسبب اصلاحاته الاقتصادية وتبنيه نهج السوق، والتي حققت بدورها تدفقا هائلا للإستثمارات متعددة الجنسيات.

نخالة القول أن تو لام، لن يستطيع جذب استثمارات جديدة لبلاده، إذا تطلع إلى محاكاة الزعيم الصيني شي جينبيغ لجهة إدارة بلده بقبضة حديدية، لكنه سينجح حتما إذا ما تعاون مع واستفاد من خبرات الحرس القديم الذين حققوا لفيتنام نهضتها الإقتصادية الراهنة.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يناير 2026م

الثلاثاء، 20 يناير 2026

الصراع الأمريكي الصيني ينتقل من آسيا إلى أمريكا اللاتينية

 


بقلم: د. عبدالله المدني*

فاجأت واشنطن العالم في 3 يناير الجاري، بعملية عسكرية خاطفة في فنزويلا، نجحت خلالها في أسر الرئيس الفنزيلي "نيكولاس مادورو" ونقله مقيدا مع زوجته إلى نيويورك لمحاكمتهما. هذه العملية، التي اختلفت تفاصيلها عن بقية تدخلات واشنطن في أمريكا اللاتينية، والأولى منذ تدخلها في بنما سنة 1989، كان لها صدى قويا في عواصم العالم، ولاسيما في عواصم الدول التي نسجت شراكات مع نظام مادورو وسلفه "هوغو شافيز"، وبالأخص الصين.

كان رد الفعل الصيني قويا قولا، وضعيفا فعلا، فهي لئن شجبت العملية وعدتها انتهاكا فاضحا لسيادة الدول ومباديء القانون الدولي، إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عن القيام بمساعدة حليفتها الفنزويلية. ولعل ما أثارها وأقلق مضاجعها أكثر من العملية نفسها، هو ما تلاها على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إحياء مبدأ مونرو، وإعادة تسميتها بمبدأ دونرو، وهذا يعني أن نصف الكرة الغربي مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة، وأن أي تمدد للصين أوغيرها فيه يُعد تهديداً للأمن القومي الأمريكي. وبعبارة أخرى أدركت بكين أن الرسالة موجهة لها، ومفادها الأوضح هو أن ما تسعون إليه من نفوذ في أمريكا اللاتينية، كما في فنزويلا،عبر الدبلوماسية والاستثمار والشراكات يمكن القضاء عليه في إغماضة عين بالقوة العسكرية، خصوصا وأن عملية فنزويلا، التي تمت بنجاح ودون وقوع ضحايا، أثبتت للعالم القدرات المذهلة للجيش الأمريكي وللمخابرات المركزية الأمريكية في التخطيط والتنفيذ والمراوغة والسرية. 

والمعروف أن الصين بدأت منذ التسعينات بنسج علاقات وشراكات مع الأنظمة اليسارية المعادية لواشنطن في أمريكا الجنوبية، حتى صارت مع مرور الوقت الشريك التجاري الأول والأكبر لهذه الدول. وكان المثال الأبرز في فنزويلا التي استثمر الصينيون فيها وحدها نحو 68 مليار دولار منذ عام 2007، كان معظمها في قطاع الطاقة ومصافي النفط، وذلك على أمل أن تتجه نسبة 90% من النفط الفنزويلي إلى موانئها بحلول عام 2026. على أن فنزويلا بالنسبة للصين كانت أكثر من مجرد شريك نفطي، إذ شكلت جزءا من استراتيجيتها للتمدد وتأمين حاجتها من المواد الخام والموارد الاستراتيجية من مناطق غير خاضعة للهيمنة الأمريكية من أجل إستدامة صعودها الصناعي والتكنولوجي، وخلق موطيء قدم نادر لبكين في أمريكا اللاتينية، الحديقة الخلفية لخصمها الأمريكي. وهو ما خسرته الآن بوقوع فنزويلا في القبضة الأمريكية، مع خسارتها أيضا لما كانت تصفه بـ "الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع فنزويلا البوليفارية الصديقة"، هذا ناهيك عن ثبوت أن دبلوماسيتها القائمة على مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى" تواجه مأزقا وامتحانا. غير أن الزميل الدكتور أحمد قنديل المتخصص في الشؤون الآسيوية يرى أن بكين استفادت من سابقة العملية الأمريكية في فنزويلا. فبحسب قوله: "إذا سمح المجتمع الدولي لواشنطن بفرض حصار بحري على ميناء فنزويلي وتغيير نظام حكمها بالقوة بحجة "مبدأ دونرو"، فما الذي يمنع بكين مستقبلاً من تبرير إجراءات مماثلة بشأن تايوان"

يمكن إعتبار ما حدث تحولا للصراع الأمريكي الصيني من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن بحر الصين الجنوبي إلى البحر الكاريبي، وفي الوقت نفسه يمكن اعتباره صراعا مفتوحا انتقل من الرسوم الجمركية وميزان التبادل التجاري إلى الصراع والتنافس على امتلاك مفاتيح القوة المتمثلة في التكنولوجيا وسلاسل التوريد والمواد الاستراتيجية كالنفط والمعادن النادرة المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية. ذلك أن فنزويلا لم تكن فقط مجرد دولة فاشلة ذات نظام ديكتاتوري شمولي يحكمها رئيس مشكوك في شرعيته ومتهم بالاتجار في المخدرات وغسيل أموال التنظيمات المارقة، وهي ليست دولة تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (نحو 303 مليار برميل) فحسب، وإنما أيضا بلد يحتوي على مخزون هائل من الذهب والألماس والبوكسيت والحديد، علاوة على المعادن الإستراتيجية النادرة التي لم تستغل إلى حد كبير والمقدر حجمها بنحو 300 ألف طن متري، علما بأن هذه المعادن ارتفعت قيمتها بسرعة لتتحول من موارد جيولوجية خاملة إلى أصول استراتيجية ذات أبعاد جيوسياسية. ولهذا لا تحاول واشنطن، بتدخلها في فنزويلا، السيطرة على هذه الثروات فقط وإنما أيضا ضمان عدم وصولها إلى أيدي خصومها من الصينيين والروس، خصوصا مع علمها بأن نظام مادورو عمل طويلا مع شبكات إجرامية لتهريب هذه الموارد النادرة إلى كولومبيا أولا ومنها إلى الشركات الصينية.

كل هذا، بالإضافة إلى موقع فنزويلا الإستراتيجي المطل على ممرات شحن تجارية في البحر الكاريبي، جعلت من هذا البلد بؤرة حساسة للصراع والتنافس بين القطبين الامريكي والصيني، بينما شكلت الأحداث الأخيرة خنقا لسياسات التوسع الصينية، ونجاحا لأمريكا في استعادة نفوذها القديم في فنزويلا.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يناير 2026م


 


الثلاثاء، 13 يناير 2026

الصين تدخل في معركة سياسية وقضائية مع هولندا


 بقلم: د. عبدالله المدني*

المعروف أن الصين قامت في أواخر عام 2018، ومن خلال شركتها "وينغتيك تكنولوجي" بالإستحواذ على حصة معتبرة من أسهم شركة "نيكسبيريا" الهولندية التي تعد من أهم الشركات المنتجه للرقائق البسيطة منخفضة التكلفة من تلك التي تدخل في صناعة كل الأجهزة الكهربائية تقريبا، بدءا من الهواتف الخليوية، ووصولا إلى السيارات، وذلك مقابل مبلغ 3.6 مليار دولار، 

وعلى اثر ذلك قامت الصين بتعيين مواطنها "تشانغ شيويه تشينغ" على رأس نيكسبيريا كمدير تنفيذي. غير أن الولايات المتحدة، التي تخوض حربا تجارية معلنة مع الصين، لم يعجبها الأمر بطبيعة الحال، فوسعت في أواخر سبتمبر 2025 نطاق قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات لتشمل شركة وينغتيك تكنولوجي الصينية، للحيلولة دون تعاون نيكسبيريا معها بسبب مخاوف من انتقال تكنولوجيا الرقائق الحساسة إلى الصينيين، وهو ما حدا بالحكومة الهولندية في أكتوبر 2025 للتدخل الإداري بإيقاف مدير الشركة الصيني عن العمل، وتعيين المدير المالي للشركة الهولندي "ستيفان تيلغر" مكانه، لتفادي أي خلافات مع واشنطن، ومنعا لخضوع "نيكسبيريا" بالكامل للتوجهات الصينية. 

وقتها وصف وزير الشؤون الاقتصادية الهولندي "فينسنت كاريمانز" القرار بأنه كان ضروريا، بينما نظرت بكين إلى القرار بأنه تدخل هولندي حكومي سافر في الشؤون الداخلية لشركة نيكسبيريا، قد ينجم عنه أزمة عالمية في سلاسل توريد الرقائق وأشباه الموصلات، تتحمل مسؤوليتها هولندا لوحدها. وبالفعل أثار النزاع مخاوف كثيرة، ولاسيما لدى شركات السيارات العالمية التي تعتمد بشكل كبير على شرائح نيكسبيريا الأساسية، من احتمال تعطيل الانتاج العالمي للسيارات.

من هنا نشأت أزمة سياسية ودبلوماسية وتجارية آخذه في التصعيد بين الحكومتين الصينية والهولندية، لاسيما مع اقتراب موعد قرار اتخذته "نيكسبيريا" بنقل عملياتها من الصين إلى ماليزيا. 

والجدير بالذكر في هذا السياق أن البلدين عقدا اجتماعات في نوفمبر لحل خلافاتهما، على الرغم من اتهام وزارة التجارة الصينية لهولندا بأنها متقاعسة ولا تظهر أي شعور بالمسؤولية تجاه أمن صناعة أشباه الموصلات وسلاسل توريدها وتقليل الاحتكاكات. هذا ناهيك عن اتخاذ بكين خطوات استفزازية تمثلت في تقييدها صادرات منتجات الرقائق الإلكترونية المصنعة في الصين من قبل شركة نيكسبيريا، ردا على أيقاف الشركة لشحناتها من رقائق السيليكون إلى مصنعها في دوينغقو الصينية بسبب عدم سداد الصينيين لمستحقات الشركة.

ومع نفاذ صبرها، إرتأت بكين أن تتعامل مع القضية بالوسائل القانونية بدلا من الطرق الدبلوماسية، فأرسلت إشعارا بالنزاع إلى الحكومة الهولندية تتهمها فيه بانتهاك إتفاقية عام 2001 بشأن تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين الصين وهولندا. وكان من نتائج هذا الأسلوب في التعاطي مع القضية أن وعدت هولندا بأن الأزمة سوف تحل وديا على مستوى الشركات. غير أن شركة وينغتك تكنولوجي أكدت في 28 نوفمبر الفائت أن هولندا أخلت بوعودها ولم تسمح لها باستعادة سيطرتها على شركة نيكسبيريا الأم. كما أكدت وينغتك تكنولوجي أن نيكسبيريا ماضية في خططها لإستثمار أكثر من 300 مليون دولار أمريكي لبناء مصنع جديد لها في ماليزيا بهدف نقل حوالي 90 بالمائة من طاقتها الانتاجية إلى خارج الصين بحلول منتصف العام الجاري. وهذا إنْ حدث فمعناه إخراج الصين من سلاسل توريد رقائق نيكسبيريا واستبدالها بماليزيا، وهو يعني أيضا أن وحدة نيكسبيريا في الصين سوف يقتصر عملها على تلبية الطلب المحلي فقط، بينما سيتم نقل معظم الطاقة الانتاجية إلى الخارج.


وأشارت مصادر حكومية صينية إلى أن الهولنديين خططوا منذ وقت طويل لزيادة الانتاج بشكل كبير من ماليزيا، بدليل أنهم سعوا للحصول على تفويض قضائي لمدة عام لضمان سيطرتهم الكاملة على شركة نيكسبيريا وايقاف مديرها التنفيذي الصيني عن العمل كيلا لا يعرقل خططهم. ويقول المراقبون أنه حتى لو سمحت هولندا لشركة وينغتك تكنولوجي الصينية بعد عام باستعادة سيطرتها على نيكسبيريا، كما تطلب بكين، فإن سلسلة التوريد الماليزية ستكون جاهزة وقتذاك.


في مثل هذه المنازعات بإمكان الصين من خلال شركتها "وينغتيك تكنولوجي" أن تلجأ إلى التحكيم الدولي، لكن مثل هذا الإجراء سوف يستغرق عدة سنوات. ومن ضمن الحلول الأخرى أن تطالب الصين بتعويضات عن خسائرها تصل إلى 8 مليارات دولار، مضافا إليها المبلغ الذي دفعته شركة وينغتيك للإستحواذ على نيكسيبيريا (3.6 مليار دولار).


وفي حال رفض هولندا الإستجابة، يمكن للصين أن تصادر الأصول الهولندية الموجودة على أراضيها، خصوصا وأن القانون الصيني يسمح لها بذلك، وتكبد هولندا خسائر كبيرة كون الصين أكبر سوق في العالم للرقائق الإلكترونية وأحد المتحكمين البارزين في سلاسل توريدها على مستوى العالم. 



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يناير 2026م




الجمعة، 9 يناير 2026

لماذا يريد دونالد ترامب الاستيلاء على جزيرة جرينلاند؟


بقلم د زهير الخويلدي


مقدمة

في سياق السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة، يبرز اقتراح الرئيس دونالد ترامب بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند كواحد من أبرز التحديات الجيوسياسية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تتبع إدارياً مملكة الدنمارك مع درجة عالية من الحكم الذاتي، وتمثل نقطة تقاطع حاسمة بين الجوانب الأمنية، الاقتصادية، والتوسعية. منذ إعادة انتخاب ترامب في 2024، تصاعدت مطالبه بشراء أو الاستحواذ القسري على الجزيرة، وصولاً إلى تهديدات علنية بالقوة العسكرية في يناير 2026، بعد نجاح عملية عسكرية أمريكية في فنزويلا. هذه الرغبة ليست مجرد نزوة شخصية، بل تعكس رؤية استراتيجية تندرج تحت شعار "أمريكا أولاً"، حيث يرى ترامب في جرينلاند أداة لتعزيز الهيمنة الأمريكية في القطب الشمالي. ستستعرض هذه الدراسة الأسباب الرئيسية لهذه الرغبة، مستندة إلى التحليلات الجيوسياسية والتاريخية، مع التركيز على التداعيات المحتملة على العلاقات الدولية.


الخلفية التاريخية للاهتمام الأمريكي بجرينلاند

يمتد الاهتمام الأمريكي بجرينلاند إلى عقود مضت، مما يجعل اقتراح ترامب جزءاً من تقليد توسعي أمريكي. في القرن التاسع عشر، اقترح وزير الخارجية ويليام سيوارد شراء الجزيرة كامتداد لصفقة ألاسكا في 1867. خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت جرينلاند قاعدة حيوية للقوات الأمريكية، وفي 1946، عرض الرئيس هاري ترومان شراءها بـ100 مليون دولار ذهبياً، لكن الدنمارك رفضت. تم تجديد الاقتراحات في 1955 و2019، وأصبحت أكثر إلحاحاً في 2025 بعد إعادة انتخاب ترامب.في 2019، أثار ترامب الجدل بوصفه جرينلاند "صفقة عقارية كبيرة"، مما أدى إلى رفض دنماركي قاطع. بعد 2024، أعاد طرح الفكرة بقوة، معلناً أن "الملكية والسيطرة على جرينلاند ضرورة مطلقة للأمن القومي والحرية العالمية". في يناير 2026، بعد النجاح في فنزويلا، صعد ترامب من لهجته، مهدداً بـ"الطريقة السهلة أو الصعبة"، مشيراً إلى أن روسيا والصين قد يستوليان عليها إن لم تفعل الولايات المتحدة ذلك. هذا التصعيد يعكس تحولاً من الاقتراحات الدبلوماسية إلى التهديدات العسكرية، مما يهدد بانهيار حلف الناتو إذا تم تنفيذه.



الأسباب الاستراتيجية العسكرية

يُعتبر الأمن القومي الدافع الأبرز لترامب. تقع جرينلاند في موقع جيوستراتيجي حاسم بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، مما يجعلها نقطة مراقبة مثالية للنشاط الروسي والصيني. مع ذوبان الجليد الناتج عن تغير المناخ، تفتح طرق بحرية جديدة مثل ممر الشمال الغربي، مما يزيد من أهميتها العسكرية. يؤكد ترامب أن "جرينلاند محاطة بسفن روسية وصينية"، وأن السيطرة عليها ضرورية لمنع تهديدات محتملة. بموجب اتفاق دفاعي أمريكي-دنماركي من 1951، تمتلك الولايات المتحدة حق الوصول غير المحدود إلى قاعدة ثول الجوية، التي تستخدم للكشف عن الصواريخ والمراقبة الفضائية. ومع ذلك، يرى ترامب أن الملكية الكاملة ضرورية لتجنب الاعتماد على الدنمارك، خاصة مع تزايد النشاط الروسي في المنطقة. ذوبان الجليد يفتح آفاقاً لنشر صواريخ دفاعية إضافية، مما يعزز القدرات الأمريكية في مواجهة التهديدات من كوريا الشمالية أو إيران. هذا الجانب يجعل جرينلاند جزءاً أساسياً من استراتيجية الولايات المتحدة للسيطرة على القطب الشمالي، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ.


الأسباب الاقتصادية والموارد الطبيعية

تكمن جاذبية جرينلاند أيضاً في ثرواتها الطبيعية الهائلة، التي تقدر بتريليونات الدولارات. الجزيرة غنية بالمعادن النادرة مثل الليثيوم والنيوديميوم، بالإضافة إلى اليورانيوم، النفط، والغاز. مع ذوبان الجليد، تصبح هذه الموارد أكثر سهولة الوصول، مما يجعلها حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية. يرى ترامب، كرجل أعمال سابق، في جرينلاند فرصة اقتصادية هائلة، حيث يمكن للولايات المتحدة تقليل اعتمادها على الصين، التي تسيطر على 74% من إنتاج المعادن النادرة العالمي.


في سياق التنافس العالمي، تسعى روسيا والصين للاستثمار في المنطقة، مما يدفع ترامب إلى الإسراع في السيطرة. اقتراحات مثل دفع مكافآت مالية لسكان جرينلاند (حوالي 57 ألف نسمة) بقيمة تصل إلى 100 ألف دولار لكل فرد لدعم الانفصال عن الدنمارك تعكس الجانب الاقتصادي لهذه الاستراتيجية. هذا النهج يجمع بين الضغط الاقتصادي والسياسي، محاولاً تحويل الجزيرة إلى أصل أمريكي يعزز الاستقلال الطاقي والتكنولوجي.


التأثير الجيوسياسي والتنافس الدولي

يندرج اهتمام ترامب بجرينلاند ضمن سياسة مواجهة روسيا والصين في القطب الشمالي. يحذر من أن "إذا لم نفعل ذلك، فسوف تستولي روسيا أو الصين عليها"، معتبراً الجزيرة جزءاً من "النصف الغربي" الذي يجب أن يخضع للسيطرة الأمريكية. هذا الرأي يعكس رؤية إمبريالية، حيث يرى ترامب في الاستحواذ فرصة لتعزيز النفوذ الأمريكي، خاصة مع الاتفاقات العسكرية الحالية التي تمنح الولايات المتحدة حضوراً قوياً.ومع ذلك، يثير هذا الاقتراح مخاوف دولية واسعة. رفضت جرينلاند والدنمارك الفكرة بشكل قاطع، محذرين من أن أي استيلاء عسكري سيؤدي إلى نهاية الناتو، حيث ينتهك مبادئ السيادة والتحالف. قادة أوروبيون يرون في ذلك تهديداً للنظام الدولي، مقارنينه بغزوات روسية سابقة. كما أن الضغط على سكان جرينلاند، الذين يميلون نحو الاستقلال لكن يعتمدون على الدعم الدنماركي، قد يؤجج التوترات الداخلية. في النهاية، يمثل هذا النهج تحولاً في السياسة الأمريكية نحو التوسع الإقليمي، مما قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للقطب الشمالي.


خاتمة

رغبة دونالد ترامب في الاستيلاء على جرينلاند تجمع بين الدوافع العسكرية، الاقتصادية، والجيوسياسية، مستمدة من تاريخ أمريكي طويل في النظر إلى الجزيرة كأصل استراتيجي. في ظل تغير المناخ والتنافس الدولي المتزايد، أصبحت جرينلاند أكثر أهمية، لكن اقتراح ترامب يحمل مخاطر كبيرة، بما في ذلك تفكك الناتو وانتهاك السيادة الدولية. على الرغم من الاتفاقات الحالية التي توفر وصولاً عسكرياً، إلا أن ترامب يصر على الملكية الكاملة كـ"ضرورة نفسية واقتصادية". هذا النهج قد يعزز النفوذ الأمريكي قصير الأمد، لكنه يهدد بالتصعيد الدولي طويل الأمد، مما يطرح تساؤلاً حاسماً: هل ستكون جرينلاند خطوة نحو هيمنة أمريكية جديدة، أم مصدراً لصراع عالمي؟


كاتب فلسفي 

الأربعاء، 7 يناير 2026

نتائج تدخل بيونغيانغ في الحرب الأوكرانية

 


بقلم: د. عبدالله المدني*

بانتهاء عام 2025 يكون قد مرّ أكثر من عام على إرسال كوريا الشمالية الآلاف من جنودها إلى روسيا للقتال إلى جانب القوات الروسية في حربها ضد أوكرانيا، وذلك في خطوة هي الأولى من نوعها لجهة التدخل الواسع في صراع عسكري خارجي منذ انتهاء الحرب الكورية سنة 1953م. هذا إذا ما استثنينا مشاركة بيونغيانغ الخجولة في حرب فيتنام في ستينات القرن الماضي.

الخطوة الكورية تلك، والتي جوبهت بتنديد عالمي وأممي خوفا من توسعة رقعة الحرب الأوكرانية، اكتنفها الكثير من الغموض حول مسائل عديدة مثل العدد الفعلي للجنود المرسلين، وطبيعة عملهم، وأماكن تمركزهم، ووسائل نقلهم، وكيفية تفاهمهم واندماجهم مع زملائهم الروس، وذلك كنتيجة طبيعية للصمت الذي إلتزمت به موسكو وبيونغيانغ حيال الموضوع، بل نفي العاصمتين للخبر جملة وتفصيلا لمدة طويلة، قبل أن تترشح الأنباء وتظهر الأدلة وتنتشر المعلومات عن التواجد الكوري الشمالي في ساحات القتال الروسية ــ الأوكرانية من مصادر أوكرانية وأوروبية وأمريكية، علاوة على مصادر مخابراتية في كوريا الجنوبية، التي راحت تتقصى الأمر مبكرا وتطرح الكثير من الأسئلة حول الأسباب والمآلات والنتائج، معطوفة على جملة من الفرضيات والاحتمالات الخاصة بوقوع جنود بيونغيانغ في الأسر، وكيفية التعامل معهم بموجب القانون الدولي، وكيفية تلبية رغباتهم في حال رفضهم العودة إلى ديارهم وتفضيلهم الإستقرار في كوريا الجنوبية.

والحقيقة أن سيئول كانت أولى العواصم التي تحدثت عن هذا الموضوع، وهي التي قدرت مخابراتها عدد الجنود المرسلين إلى روسيا بنحو 11 ألف عنصر، وهي من أشارت إلى أن وجودهم على الأراضي الروسية ليس سوى تفعيل للمادة الرابعة من اتفاقية الشراكة الإستراتيجية والدفاع المشترك الموقعة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الكوري الشمالي في بيونغيانغ في يونيو 2024. علما بأنه سبق هذه الاتفاقية قيام موسكو في عام 2014 بشطب 90% (11 مليار دولار) من ديون كوريا الشمالية لروسيا المستحقة من الحقبة السوفيتية.

أما اهتمام سيئول بالأمر، والتقصي عن تفاصيله، ومتابعة مستجداته الميدانية يوما بيوم، فهو نابع من رغبتها في التعرف على الطرق والتكتيكات وأساليب القتال والعقيدة الحربية التي تم غرسها في الجندي الكوري في الكليات العسكرية الشيوعية في الشطر الشمالي. وعلى الرغم من مخاوفها من احتمال أن يخرج الجنود الكوريون الشماليون من مشاركهم في الحرب الأوكرانية بدروس عملية تشجعهم على خوض الحروب ضد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، إلا أن الأمر بدا لسيئول وكأنه ساحة لإختبار المواهب القتالية لقوات الخصم، ومدى جاهزيتها وصمودها.

وقد صدقت توقعات المراقبين من أن قوات بيونغيانغ لا تملك جاهزية القتال خارج حدودها، وفي ظل أوضاع وظروف بيئية غريبة عليها، وبالاشتراك مع قوات أجنبية لا تجمعهم بها لغة تفاهم مشتركة، بدليل سقوط 3000 مقاتل كوري ما بين قتيل ومصاب حتى الآن، ولا سيما في معركة منطقة كورسك (غرب روسيا) التي استولت عليها القوات الأوكرانية في عملية مفاجئة سنة 2024، وكان الكوريون الشماليون حطبها.

من جانب آخر، تحدثت المصادر الكورية الجنوبية وتمنت أن يستغل جنود بيونغيانغ فرصة تواجدهم خارج بلادهم للإنشقاق على نظام آل كيم الحديدي، حماية لأرواحهم وتخلصا من حياة الفاقة والإذلال وسعيا لمستقبل أفضل. ومن أجل هذا أعلنت سيئول أنها ترحب بالجنود المنشقين وستتفاهم مع كييف حول سبل نقلهم إلى كوريا الجنوبية في حال وقوعهم أسرى في يد الجيش الأوكراني، مع التعهد بعدم كشف هوياتهم كي لا يتعرض ذووهم للإعتقال والايذاء في كوريا الشمالية. وقد كشفت الأحداث والتطورات اللاحقة، من واقع من انشقوا بالهروب من الجبهة وتسليم أنفسهم للقوات الأوكرانية، أو من واقع من تم أسرهم أحياء، أن بعض الجنود الكوريين أبدوا رغبتهم فعلا في الانتقال إلى كوريا الجنوبية لبدء حياة جديدة هناك، وأن البعض الآخر فضل الإقامة في أوكرانيا بدلا من العودة إلى بلده حيث تنتظره تهمة الخيانة ومخالفة تعليمات "قائد الأمة العظيم المبجل" كيم جونغ أون، وعقوبتها الإعدام رميا بالرصاص. إلى ذلك لوحظت حالات الانتحار في صفوف الجنود الكوريين بمجرد شعورهم بقرب وقوعهم في الأسر، وذلك تطبيقا لتعليمات متطرفة تم تلقينها لهم، وامتثالا لمبدأ التضحية بالنفس فداء لقائد الأمة العظيم الرفيق كيم جونغ أون.

ففي حادثة وقعت في 2024، وبينما كان الجنود الأوكرانيون يواصلون فحص الجثث، اكتشفوا جنديا كوريا شماليا ما زال على قيد الحياة، وعندما اقتربوا منه فجر نفسه بقنبلة يدوية كان يخفيها. وطبقا لأحد الجنود الكوريين الشماليين المنشقين لدى أوكرانيا فإن الموت بهذه الطريقة هو "الخيار الأفضل لحماية الشرف والعائلة بدلا من العودة إلى الوطن حيث ينتظر الواحد منا مصيرا أسوأ من الموت".



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يناير 2026م





الاثنين، 5 يناير 2026

أستراليا والألتزام بالقانون الدولي: لا ينبغي لأستراليا أن تتواطأ مع ديكتاتورٍ وقحٍ مثل ترامب

 


ترجمة عباس علي مراد

 

إن هجوم الرئيس ترامب السافر على فنزويلا يُعد انتهاكًا لأقدس قواعد القانون الدولي، وهي الحظر المفروض منذ قرابة قرن على استخدام القوة العسكرية ضد أي دولة أخرى. ويعيد هذا الهجوم الأمريكتين إلى حقبة دبلوماسية السفن الحربية التي مارسها أمراء الحرب الإمبرياليون.

 

يُعتبر هذا الهجوم استخدامًا خطيراً  للقوة لدرجة أنه يرقى إلى مستوى "هجوم مسلح" بموجب ميثاق الأمم المتحدة، مما يمنح فنزويلا حقًا قانونياً في الدفاع عن النفس.

 

قد يتحمل القادة السياسيون والعسكريون الأمريكيون المسؤولون المسؤولية الشخصية عن جريمة العدوان الدولية.

 

كل روح فنزويلية تُزهق نتيجة عدوان غير شرعي تُعدّ انتهاكًا لحق الإنسان في الحياة من قِبل الولايات المتحدة.

 

يُمثل اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس انتهاكًا آخر للقانون الدولي. فليس من حق أي دولة أجنبية "اعتقال" أي مشتبه به جنائيا" دون موافقة حكومته. وبصفته رئيسًا للجمهورية، يتمتع مادورو أيضًا بالحصانة من الملاحقة الجنائية أمام المحاكم الأمريكية.

 

لا شك أن شرعية حكومة مادورو الاستبدادية محل شك، نظرًا للتزوير الانتخابي الخطير وسجلها الحافل بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

 

ومع ذلك، لا يسمح القانون الدولي بتغيير الأنظمة بالقوة بناءً على نزوة حكومة أخرى. كما أن مكافحة تهريب المخدرات أو ما يُسمى بـ"إرهابيي المخدرات"، أو الاستيلاء على موارد النفط الأجنبية في إطار شبه استعماري، ليست أسبابًا مشروعة لاستخدام القوة. يُعلي القانون الدولي، بحق، قيمة السلام والاستقرار وحماية الأرواح البشرية على الانتهازية الإمبريالية العنيفة والهيمنة الإقليمية.

 

يُمثل الهجوم الأمريكي ذروة حملة استمرت عامًا كاملًا لزعزعة استقرار فنزويلا، بما في ذلك الحصار غير القانوني الأخير لناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، والهجوم على أحد الموانئ، والعمليات السرية التي نفذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والإدراج المُضلل لعصابات المخدرات الفنزويلية على قائمة "الإرهابيين"، بما في ذلك عصابة "كارتل لوس سوليس" التي زعمت الولايات المتحدة أن مادورو نفسه كان يرأسها.

 

يرتبط الهجوم أيضاً ارتباطاً وثيقاً بالهجمات العسكرية الأمريكية غير القانونية على 35 سفينة يُزعم أنها تُستخدم في تهريب المخدرات في أعالي البحار بالقرب من فنزويلا، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 115 مدنياً خارج نطاق القانون. لا تستند هذه الجرائم الجماعية بدم بارد إلى أي أساس في القانون الدولي.

 

قوبلت معظم هذه الانتهاكات بصمت مطبق من الحكومات الغربية. فبدلاً من إدانة الغزو الأمريكي الأخير بشدة والدفاع عن القانون الدولي، ردّت بعض الحكومات الغربية بتردد محاولةً استرضاء الرئيس ترامب. بل إن بعضها ألمح إلى أن فنزويلا تستحق ما حدث لها نظراً لسجلها السيئ في مجال حقوق الإنسان.

 

ويُعدّ التناقض صارخاً مع إدانة الغرب للغزو الروسي لأوكرانيا. فالنفاق والانتقائية في تطبيق القانون الدولي يُدمّرانه ويُشجّعان الأنظمة الاستبدادية في كل مكان. في العام الماضي، دعمت بعض الدول، بما فيها أستراليا، العدوان الأمريكي على البرنامج النووي الإيراني، مما زاد من تآكل القانون الدولي، بينما غضّت دول أخرى الطرف عن آلاف الضربات غير القانونية التي شنّتها إسرائيل في سوريا وإيران ولبنان في السنوات الأخيرة.

 

يُعاني القانون الدولي لأنه في أدنى مستوياته منذ عقود، لا سيما بعد الفظائع واسعة النطاق في غزة. واستعادة احترامه تتطلب رفع كلفة الخروج عن القانون. يجب على الكونغرس الأمريكي المُذعن والمحاكم الأمريكية المُنهكة أن تُعيد تأكيد دورها، وعلى أفراد الجيش الأمريكي رفض الأوامر غير القانونية.

 

 

يتعين على الدول الأخرى، ولا سيما حلفاء الولايات المتحدة، القيام بدورها، بدءاً من احتجاج دبلوماسي قوي وإدانة في الجمعية العامة. وقد تشمل الإجراءات الأكثر صرامة تعليق تجارة الأسلحة والتعاون العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وفرض عقوبات مالية وسفرية على غرار اتفاقية ماغنيتسكي على المسؤولين الأمريكيين المعنيين، بمن فيهم الرئيس الأمريكي ووزير الحرب والقادة العسكريون الأمريكيون.

 

على دول مثل أستراليا أن تُدرك حقيقة من تتعامل معه في الولايات المتحدة. فقد وصف الرئيس ترامب أعضاء الكونغرس الذين شككوا في شرعية الهجوم بـ"الضعفاء الأغبياء". إنه يُظهر ازدراءً للقانون، وللمؤسسات الأمريكية، وللدول الأخرى، وللأمم المتحدة. إن استرضاءه يُشجعه على ارتكاب ما هو أسوأ، كما يتضح من الحملة المتصاعدة ضد فنزويلا والتي قوبلت بصمت عالمي مدوٍّ.

 

كان رئيس الوزراء السابق مالكولم تورنبول مُحقاً عندما قال إن الرئيس الأمريكي يجب أن يُقابل بالقوة، لا بالخوف والتملق والاسترضاء. على أستراليا أن تُعيد النظر بجدية في مدى التزامها بتحالفها الأمني وتحالف أوكوس مع دولة تُطيح بشكل غير قانوني بحكومات أجنبية، وتختطف قادتها، وترتكب مجازر جماعية بحق المدنيين في البحر، بغض النظر عن سجلها المحلي في مجال حقوق الإنسان. على أستراليا أن تُبادر، لا أن تتراجع وتُساير دكتاتوراً عديم الضمير.

 

وحدها الدول التي تعمل معاً تملك القدرة على وقف هذا التجاوز المُتزايد للقانون الدولي من قِبل أقوى دولة في العالم. يُعدّ احترام السيادة، وعدم استخدام القوة، وعدم التدخل، والتسوية السلمية للنزاعات، أمورًا أساسية للحفاظ على السلام وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

الكاتب بن سول

بن سول هو المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، ويشغل كرسي تشاليس للقانون الدولي في جامعة سيدني.

عنوان النص الأصلي الذي نشر في صحيفة سدني مورننغ هيرالد في 4/1/2026

Australia should not lie in bed with a shameless dictator like Trumpعضاء الكونغرس الذين شككوا في شرعية الهجوم بـ"الضعفاء الأغبياء". إنه يُظهر ازدراءً للقانون، وللمؤسسات الأمريكية، وللدول الأخرى، وللأمم المتحدة. إن استرضاءه يُشجعه على ارتكاب ما هو أسوأ، كما يتضح من الحملة المتصاعدة ضد فنزويلا والتي قوبلت بصمت عالمي مدوٍّ.


كان رئيس الوزراء السابق مالكولم تورنبول مُحقاً عندما قال إن الرئيس الأمريكي يجب أن يُقابل بالقوة، لا بالخوف والتملق والاسترضاء. على أستراليا أن تُعيد النظر بجدية في مدى التزامها بتحالفها الأمني وتحالف أوكوس مع دولة تُطيح بشكل غير قانوني بحكومات أجنبية، وتختطف قادتها، وترتكب مجازر جماعية بحق المدنيين في البحر، بغض النظر عن سجلها المحلي في مجال حقوق الإنسان. على أستراليا أن تُبادر، لا أن تتراجع وتُساير دكتاتوراً عديم الضمير.


وحدها الدول التي تعمل معاً تملك القدرة على وقف هذا التجاوز المُتزايد للقانون الدولي من قِبل أقوى دولة في العالم. يُعدّ احترام السيادة، وعدم استخدام القوة، وعدم التدخل، والتسوية السلمية للنزاعات، أمورًا أساسية للحفاظ على السلام وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

الكاتب بن سول

بن سول هو المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، ويشغل كرسي تشاليس للقانون الدولي في جامعة سيدني.

عنوان النص الأصلي الذي نشر في صحيفة سدني مورننغ هيرالد في 4/1/2026 

Australia should not lie in bed with a shameless dictator like Trump