الأربعاء، 25 فبراير 2026

سيدة المفاجآت تعزز قبضتها على السلطة في اليابان


 بقلم: د. عبدالله المدني*

لنعود إلى الوراء قليلا ونروي كيف كان المشهد السياسي في طوكيو في سبتمبر 2025، بُعيد الإستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة السابق "شيغيرو إيشيبا" قبل أن يكمل عامه الأول في السلطة. كان الانقسام في الشارع وفي البرلمان وداخل أرقة الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم هو سيد الموقف، وسط تجاذبات واصطفافات ودعوات إلى إجراء انتخابات عامة جديدة أو إختيار زعيم شاب قوي يعيد الوهج للبلاد بسياسات حكيمة ويضمن لها الإستقرار الطويل، ويعالج الاقتصاد من تراجع قيمة الين، وتفاقم معدلات التضخم، وضغوط التعريفات الجمركية الترامبية، ويجد حلولا سريعة لملفات داخلية شائكة مثل الضرائب والهجرة والعمالة الأجنبية ومعدلات الشيخوخة.

في النهاية تقرر أن يُجرى تصويت برلماني لإخيار زعيم جديد للبلاد، ففازت السيدة القومية المتشددة "ساناي تاكائيتشي"، لتصبح هذه الإمرأة الستينية أول زعيمة لليابان في تاريخها، وسط ذهول العالم كون المرأة اليابانية لا تحظى عادة بمكانة رفيعة في المشهد السياسي الذي يسيطر عليه الذكور بإحكام.

وقتها قلنا أن المقام لن يطول بها في السلطة، وسوف تحارب بضراوة من عواجيز الحزب الحاكم الذين كثيرا ما وضعوا الدواليب في طريق الوجوه السياسية الشابة من الجنسين، خصوصا في ظل افتقاد الحزب الحاكم آنذاك للأغلبية المطلقة في البرلمان، وبالتالي حاجته لحليف موثوق لتمرير أجندته. هذا ناهيك عن مفاجأة فجرها وقتذاك "سايتو تيتسو" زعيم حزب كوميتو البوذي الصغير بإعلانه عدم تجديد إئتلافه مع الحزب الحاكم.

ووقتها قلنا أيضا أن تاكائيتشي لن تجد حلا لهذه المعضلة إلا بالدعوة إلى  انتخابات عامة مبكرة، ووصفنا هذا الحل بالحل الانتحاري الذي قد يُخرج حزبها  من السلطة، خصوصا مع تآكل شعبيته بسبب فضائح مالية.

غير أن ما حدث كان أيضا مفاجئة للكثيرين. إذ سرعان ما أبرزت تاكائيتشي عن مواهبها السياسية في إيجاد الحلول للأزمات، وعزمها على أن تثبت لليابانيين أن المرأة اليابانية قادرة على قيادة البلاد بصورة أفضل من الرجال، فعقدت تحالفا مع "حزب التجديد الياباني" ذي التوجهات اليمينية القومية والمعروف أيضا بإسم "نيبون إيشن لو كاي"، وذلك لضمان الأغلبية البرلمانية لحزبها ولتأمين بقائها في السلطة.

في نوفمبر الماضي، ألقت تاكائيشي، التي تعتبر سيدة بريطانيا الحديدية مارغريت تاتشر قدوتها، قنبلتها الأولى حينما قالت في كلمة برلمانية بأن "أي هجوم صيني على تايوان لضمها بالقوة إلى السيادة الصينية سوف يعتبر تهديدا لبقاء اليابان، ما قد يبرر ردا عسكريا". هذا التصريح غير المسبوق لزعيم ياباني، وبهذا القدر من الوضوح، أشعل غضب بكين التي تعتبر تايوان من أكثر القضايا حساسية في علاقاتها الخارجية، بل تعتبر تايوان جزءا من أراضيها وتكرر إصرارها على إعادتها إلى سيادتها بالقوة إنْ لزم الأمر. غير أن وقع الخطاب داخليا كان ايجابيا بحكم ما تمثله تايوان لليابانيين من ذكريات تاريخية، وبحكم العلاقات المتوترة مع بكين بسبب رواسب قديمة وخلافات حول السيادة على الأراضي والمياه، دعك من تنافسهما اقتصاديا وجيوسياسيا.

ويبدو أن تاكائيتشي لاحظت، بعد خطابها هذا، ارتفاع شعبيتها داخليا، فقررت أن الوقت مناسب للدعوة لإنتخابات عامة مبكرة. وبالفعل جرت الإنتخابات في فبراير الجاري، وظهرت نتائجها النهائية في الثامن منه، لتفاجيء العالم مجددا بأنها سيدة المفاجآت. إذ حقق حزبها مع حليفه "حزب التجديد" فوزا ساحقا، هو الأول له منذ سنوات طويلة، بحصوله على 316 مقعدا من أصل 465 مقعدا من مقاعد مجلس النواب. وبهذا ضمنت الزعيمة اليابانية لها ولحزبها أغلبية الثلثين، بعد أن كانت تسيطر على 198 مقعدا فقط، ولقنت تحالف المعارضة بقيادة الحزب الديمقراطي الدستوري درسا بتراجع عدد مقاعده من 172 إلى 49 مقعدا فقط. وهو ما يعني أنها باقية على رأس السلطة بقوة، على الأقل، خلال السنوات الأربع القادمة. وهذا بدوره يمنحها الحرية لتنفيذ أجندتها دون قلق أو صداع أو حذر، وعلى رأسها تعديل الدستور لتحرير الجيش من قيود عدم التسلح، وتعميق التحالف مع واشنطن، وتمرير تشريعات حول تعليق ضريبة الاستهلاك، وتنفيذ برنامج انفاق حكومي ضخم.

ونختتم بتساؤل البعض عن سر انجذاب الناخب الياباني دوما إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي، وتفويزه للبقاء في السلطة منذ أنتهاء الحرب العالمية الثانية وتدشين الديمقراطية التعددية، وتأسيس الحزب سنة 1955؟ لو حدث هذا في دولة من دول العالم الثالث، لقلنا أن هناك تزوير أو استخدام للمال السياسي أثناء الانتخابات، لكن في اليابان لا يوجد  شيء من هذا القبيل، وإنما هو تقدير ووفاء واعتزاز بحزب كان وراء نهضة واستقرار البلاد، والحفاظ على هويتها الخاصة، وفق رؤية سلمية وسياسات حكيمة بعيدة عن الغوغائية والشعارات.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

التاريخ: فبراير 2026


الاثنين، 16 فبراير 2026

أعيدوا إلينا معتقلينا… ارحموا دموع الأمهات، فنحن لا نريد إلا السلام

 




بصوتٍ يختلط فيه الوجع بالأمل، وجّه أهالي وعائلات المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية نداءً إنسانيًا عاجلًا إلى الجهات المعنية ورؤساء الدول، مطالبين بالكشف عن مصير أبنائهم وإطلاق سراحهم، بعد سنوات طويلة من الغياب القسري والغموض القاتل.

هذا النداء المؤلم نُقل عبر المحامية بهية أبو حمد، التي تسلّمت الملف من العائلات، ليكون شاهدًا على معاناة إنسانية ثقيلة ما زالت تنزف صمتًا.

وفي بيانٍ مؤثر، أكدت أبو حمد أنها تسلّمت هذا الملف بكل فخر ومسؤولية، قائلة:

«إنه ملف يفيض بالألم والظلم، ودموع الرجاء لا تفارقه. تأثرتُ كثيرًا بما سمعته عن أوضاع المعتقلين والظروف القاسية التي قادت إلى اعتقالهم، وبما اطّلعت عليه من وثائق مسجّلة تُجسّد حجم المأساة».

وأضافت بحسرة:

«كفى حقدًا وظلمًا وحزنًا… لقد جفّت دموع الأمهات من طول الانتظار، وتعبت القلوب من فراق الأبناء. لكن أملي كبير بالله الذي لا يردّ دعاء المظلوم، وبالقانون الذي يمنحنا سبلًا راسخة لإحقاق الحق وبسط العدل والإنصاف»

وكشفت أبو حمد أن بين المعتقلين لبنانيين وأستراليين من أصول لبنانية ما زالوا على قيد الحياة، مؤكدة أنها ستناشد الحكومة الأسترالية، إلى جانب عدد من رؤساء وملوك العالم، للمساعدة في كشف مصيرهم وإعادة جميع المعتقلين إلى ذويهم في لبنان وأستراليا.

كما عبّرت عن ثقتها وأملها بكل من فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون وفخامة رئيس الجمهورية العربية السورية السيد أحمد الشرع، داعيةً إلى الاستجابة لصرخة الأمهات والالتفات إلى هذه المأساة الإنسانية التي طال أمدها.

وفي ختام بيانها، تقدّمت المحامية بهية أبو حمد بالشكر إلى أهالي المعتقلين على الثقة التي أولوها لها، مؤكدة التزامها الكامل بالعمل معهم يدًا بيد، من أجل الوصول إلى الحقيقة، وتحقيق العدالة، وترسيخ السلام…سلامٌ يبدأ بعودة الغائبين، وبتجفيف دموع الأمهات المنتظرات على أبواب الأمل.


الثلاثاء، 10 فبراير 2026

باكستان تعالج اقتصادها العاجز بتصدير السلاح


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

لطالما وصفت باكستان بأنها نموذج محير، لجهة أنها دولة ذات جيش قوي وصاحبة ترسانة نووية وقاعدة علمية قوية، لكنها في الوقت نفسه تشكو من اقتصاد مترهل وديمقراطية متعثرة. وإذا ما استبعدنا هنا ما يتعلق بديمقراطيتها، فإنها عانت طويلا ، ولا تزال، من عجز تجاري متزايد بسبب فواتير الواردات المتصاعدة، فمثلا عجزها التجاري في عام 2022 شهد ارتفاعا بأكثر من 115 بالمائة. وهذا، علاوة على انخفاض تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر خلال تلك الفترة إلى نحو 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، تسبب في انخفاض حاد في احتياطيات النقد الأجنبي، وتدهور خطير في قيمة الروبية الباكستانية مقابل الدولار الأمريكي.

هذه الصورة الباهتة تبدو اليوم في طريقها إلى التغير، بعدما قررت إسلام آباد أن تعالج مشاكلها الاقتصادية المزمنة من خلال تصدير السلاح كمصدر رئيسي للدخل (يبلغ إجمالي صادرات باكستان 37 مليار دولار سنويا وتهيمن عليها المنسوجات والمنتجات الزراعية)، أو بمعنى آخر التحول إلى مورد دفاعي متوسط الحجم، خصوصا وأن باكستان تتمتع بصناعة عسكرية متطورة قياسا بغيرها من دول العالم الثالث، وإذا ما تحقق لها ما تسعى إليه، كليا او حتى جزئيا، فإن تداعيات ذلك سوف تتجاوز المجال العسكري إلى إعادة تشكيل ميزان المدفوعات، وتخفيف ضغوط التمويل الخارجي، وتعزيز القاعدة الصناعية للبلاد، وتحسين الاقتصاد الوطني على المدى الطويل. هذا ناهيك عن امكانية تحول باكستان إلى لاعب ذي تأثير سياسي ودبلوماسي في ساحات الشرق الأوسط  و أفريقيا وآسيا الوسطى وغيرها من مناطق الصراعات.

تشير طلبات التصدير المتوقعة للسلاح الباكستاني المنشأ إلى احتمال وصولها إلى 13 مليار دولار أمريكي في العام الجاري كثمرة من ثمرات صفقات عسكرية وشراكات استراتيجية مع دول مثل السعودية والسودان وليبيا وبنغلاديش وآذربيجان واندونيسيا وأثيوبيا ونيجيريا وميانمار. وهذا الرقم يمثل أكثر من 80 بالمائة من احتياطات باكستان الحالية من النقد الأجنبي، ونحو 4 بالمائة من ناتجها المحلي الاجمالي. كما أنه يعني أن البلاد قد نجحت في نزع ردائها التاريخي القديم كدولة تعتمد في بقائها على المساعدات الخارجية، وتعزز تلك المساعدات بصادرات دفاعية هامشية ومتقطعة وعرضية. فطبقا لبيانات الأمم المتحدة حول التجارة الدولية، صدرت باكستان في عام 2024 ما قيمته 22.5 مليون دولار فقط من السلاح المصنع محليا. وهذا الرقم صغير جدا قياسا بما هو متوقع اليوم وفي السنوات المقبلة، خصوصا إذا ما أخذنا في الإعتبار أن صفقات السلاح عادة ما تتضمن مسائل مثل الصيانة وقطع الغيار والتدريب والتجديد، ما يعني مداخيل إضافية مستمرة.

تشمل الصادرات الدفاعية الباكستانية حاليا الطائرات المقاتلة (مثل جيه إف ــ 17 بلوك ــ 3) وطائرات التدريب النفاثة (مثل كاراكورام ــ 8، التي جرى تطويرها بمشاركة الصين) والمركبات المدرعة المضادة للدبابات (مثل المركبة ماز) والطائرات المسيرة (مثل شاهبار ــ 2) والمنصات البحرية والذخائر، وهذه تسوقها إسلام آباد كبدائل فعالة ومعقولة التكلفة قياسا بكلفة السلاح المستورد من الدول الغربية وروسيا والصين، ما يجعلها ذات جاذبية للدول الفقيرة والبلدان الخاضعة لقيود استيراد السلاح الغربي لأنها تجمع ما بين الكفاءة والأسعار التنافسية.

لقد احتكرت الدولة الباكستانية على مدى تاريخها صناعة السلاح وتصديره، ولا تزال تفعل ذلك من خلال القطاع العام، خلافا لما يجري في دول الغرب المتقدمة، لكن هناك اليوم توجها تدريجيا  جادا ــ بحسب بعض المراقبين وخبراء السلاح ــ نحو تصنيع السلاح ضمن نظام جديد مختلط بين القطاع العام والقطاع الخاص، وبدعم من مجمع باكستان للطيران (PAC)، والصناعات الثقيلة في تاكسيلا (HIT)، ومصانع الذخائر الباكستانية (POF)، وأحواض بناء السفن والأعمال الهندسية في كراتشي (KSEW). وهذا إنْ حدث، فسوف يسهّل للقطاع الخاص العمل كمقاول مهمته توريد الأجزاء الدقيقة لصناعة السلاح مثل المكونات الإلكترونية والبرمجيات وأنظمة الذكاء الإصطناعي، علاوة على الخدمات الهندسية واللوجستية ذات الصلة، كما يعطي مزيدا من الفرص للجامعات ومراكز الابحاث لجهة التطوير والتحديث والابتكار، والتوصل، ربما عرضا، إلى أنظمة وبدائل واكتشافات يمكن  استخدامها من قبل القطاع الصناعي المدني في النمو والتطوير.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: فبراير 2026م