الخميس، 26 مارس 2026

الذكرى الـ-44 لارتقاء سلطان باشا الأطرش

 




الحركة التقدّميّة للتواصل – درب المعلّم

بيان صحفي

تحل اليوم الـ 26 آذار 2026 الذكرى الـ 44 لارتقاء عطوفة سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة العربيّة السوريّة الكبرى 1925 – 1927 ضد الاستعمار الفرنسيّ تحت الشعار "الدين لله والوطن للجميع".

الحركة التقدميّة تبيّن:

أوّلًا: تحمل الذكرى هذه السنة معنى أسمى وأعلى؛ عروبيّا قوميّا ووطنيّا، وذلك على خلفيّة المحاولات البائسة التي تقترفها أوساط من المتطاولين في جبل العرب على إرث وتراث هذه القامة، خدمة لأولياء نعمتهم من أعداء الأمّة وأزلامها.

ثانيًا: في وصيّة الأطرش جاء: "إخواني وأبنائي العرب... لقد أولتني هذه الأمّة، قيادة الثورة السوريّة الكبرى، ضد الاحتلال الفرنسيّ الغادر، فقمت بأمانة القيادة، وطلبت الشهادة وأديت الأمانة... انطلقت الثورة من الجبل الأشم، جبل العرب... وشعارها: الدّين لله والوطن للجميع... لتكن وحدتكم الوطنيّة، وقوّة إيمانكم، وتراصّ صفوفكم، هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء، وطرد الغاصبين، وتحرير الأرض... واعلموا بأن ما أُخِذ بالسيف، بالسّيف يؤخذ... وأنّ كأس الحنظل بالعزّ، أشهى من ماء الحياة مع الذّل." 

ثالثًا: هذا الإرث، الذي كان عُمّد بدمّ آلاف المناضلين من السوريّين، أكبر وأعلى من أن تطاله كلّ الأصوات النشاز الصادرة من بعض أوساط سوريّة أيّا كان أصحابها، وأيّا كانت المراكز التي يتبوّؤون مصادفة، وأيّا كان أولياء نعمتهم من أعداء هذا الإرث.

رابعًا: الحركة وفي هذه المناسبة تحيّي وتشدّ على أيادي الأحرار العرب الدروز السوريّين وبقيّة الأحرار من السوريّين، الذين سيحيون هذه الذكرى بمسيرة انطلاقًا من قلعة دمشق - نصب صلاح الدين الأيّوبي، وبمهرجان في بلدة الصورة الصغرى في الجبل.

خامسًا: عاشت الذكرى.. والمجد والخلود لصاحبها وتراثه.

 عماد دغش – سكرتير 4030870-050

فوّاز سويد، فوّاز حسين (عامر)، سامي مهنّا، صلاح حلبي، خير الدين عبد الله، يامن زيدان، عماد سرحان، نفّاع نفّاع، عماد فرّو، وضّاح القاسم، وسعيد نفّاع.       


   


الأربعاء، 25 مارس 2026

الصين الصامتة تراقب وتتعلم من حرب الخليج الثالثة


 

بقلم: د. عبد الله المدني*

اعتادت الصين في العقود الأخيرة أن تتبع سياسة براغماتية غامضة حيال الأزمات الدولية التي ليست طرفا فيها. وهاهي تطبق تلك السياسة حرفيا في الحرب المشتعلة في منطقة الخليج منذ 28 فبراير الفائت بين واشنطن وطهران. حيث بقيت صامتة تراقب تطوراتها دون تدخل، عدا بعض البيانات الإنشائية المعروفة التي نددت فيها بالإدارة الأمريكية، ودعت من خلالها إلى العودة إلى المسار الدبلوماسي لحل الخلافات.

حدث هذا على الرغم من أن استمرار الحرب في الخليج يضر بمصالحها الاقتصادية والتجارية وتدفق واردات النفط الرخيص الذي اعتادت شراءه من الإيرانيين، مقابل تزويدها ببضائع وسلع صينية المنشأ، بغية الإلتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على النظام الإيراني، خصوصا إذا ما تمّ اغلاق مضيق هرمز (اشترت الصين أكثر من 80% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية، أي ما يعادل 13% من إجمالي وارداتها من النفط)، هذا علما بأن إغلاق مضيق هرمز لن يؤدي فقط إلى زعزعة استقرار أسواق الطاقة فقط، وإنما يؤثر على تجارة الصين مع دول الشرق الأوسط بصفة عامة.

ويبدو أن القيادة الصينية، بحسب العديد من المراقبين والمحللين، مستعدة لتحمل تبعات خسائرها التجارية والاقتصادية الآنية، طالما أن استمرار الحرب يشغل الولايات المتحدة الأمريكية عنها وعن محيطها الاستراتيجي في الشرق الأقصى، ويستنزفها عسكريا.

ومن جهة أخرى، تبدو بكين حريصة على مراقبة ما يجري في ساحة النزال الأمريكي الإيراني، لتتعلم أسلوب الأمريكيين لجهة إدارة حروبهم ولتتعرف على امكانياتهم القتالية واللوجستية وخططهم العسكرية جوا وبحرا. فمثل هذه الأمور مهمة جدا للصين في حال نشوب صدام مسلح مستقبلا بينها وبين الولايات المتحدة حول تايوان التي يهدد الأمريكيون بالتدخل لصالحها، إنْ قامت بكين بغزوها واستعادتها بالقوة. وفي هذا السياق لوحظ متابعتها الدقيقة لنجاح الأمريكيين في تدمير الجل الأعظم من سلاح البحرية الإيرانية بسرعة قياسية وفي غضون فترة زمنية قليلة، وذلك من منطلق أن سلاح البحرية سوف يلعب دورا هاما في أي حرب صينية أمريكية في مضيق تايوان. 

علاوة على ذلك تابعت بكين باهتمام بالغ العملية البحرية الأمريكية ضد الفرقاطة الإيرانية "آيريس دينا" (البالغ وزنها 1500 طن)، التي تمّ إغراقها في المحيط الهندي بالقرب من سواحل سريلانكا بواسطة غواصة هجومية نووية أمريكية، في حدث هو الأول من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية. ولعل بكين خرجت مما جرى للفرقاطة الإيرانية بحقيقة مفادها وجود نقاط ضعف في خطوط إمدادات الطاقة الصينية في الشرق الأوسط، ولاسيما الخطوط المارة في مياه المحيط الهندي ذي الاهمية الاستراتيجية القصوى لها. فإذا ما علمنا أن نحو 92% من حاجة الصين من النفط تنقل بحرا عبر المحيط الهندي، وينقل الباقي عبر خطوط أنانبيب من روسيا وكازاخستان وميانمار، وإذا ما علمنا أن للولايات المتحدة قاعدة عسكرية ضخمة في مياه المحيط الهندي (دييغو غارسيا)، وأن البحريتين الهندية والأسترالية نشطتان في تلك المياه، فإن الصين لا بد وأن تقلق من احتمالات اعتراض شحناتها النفطية في أوقات الأزمات. 

ومن ناحية ثالثة، يمكن القول أن بكين تابعت أيضا باهتمام مدى فاعلية الصواريخ البالستية والمسيرات التي استخدمها النظام الإيراني ضد إسرائيل وبلدان الخليج العربي، خصوصا وأن هذه الأسلحة قامت طهران بتطويرها اعتمادا على تكنولوجيات صينية وكورية شمالية بنسب متفاوتة، وفق اتفاقيات عقدت خلال السنوات القليلة الماضية. فمثلا طورت إيران العديد من الصواريخ (مثل سلسلة سي 704 وسي 802) بناء على تصميمات صينية، وحصلت من الصين، التي لا تبيع صواريخ كاملة تجنبا للعقوبات، على الكثير من المعدات الدقيقة والتقنيات الإلكترونية ذات الإستخدام المزدوج، علاوة على نحو 2000 طن من مادة بيركلورات الصوديوم، واستخدمتها في تصنيع صواريخها. 

وطبقا لتقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في أكتوبر 2025، فإن إيران اشترت شحنات بيركلورات الصوديوم من موردين صينيين واستلمتها في ميناء بندر عباس على الخليج، ثم نقلتها إلى مواقع على مشارف العاصمة طهران. والمعروف أن هذه العنصر هو المادة الأساسية في انتاج الصواريخ ذات الوقود الصلب، علما بأن الصواريخ ذات الوقود الصلب أسرع من تلك التي تستخدم الوقود السائل. 

نخالة القول أن حرب الخليج الثالثة هي خليط من المكاسب والخسائر للصين في آن. وبعبارة أخرى؛ خسائر اقتصادية وتجارية ونفطية مقابل دروس استراتيجية.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: مارس 2026م


الاثنين، 23 مارس 2026

وزير الحرب الاميركي بيت هيغسيث يروج لعبادة الموت العدمية


 الكاتب يان فيرنر مولر

من الغارديان الأسترالية الاثنين ٢٣ مارس ٢٠٢٦

ترجمة عباس علي مراد

إدارة ترامب تتبنى العنف لمجرد العنف

يبدو أن اختيار أعضاء حكومة ترامب لا يتم على الرغم من تأييدهم للعنف، بل بسبب أنهم عنيفون. 

عُرف بيت هيغسيث في المقام الأول كمذيع تلفزيوني أنيق مستعد للدفاع عن جرائم الحرب. ويبدو أن ماركواين مولين لا يزال فخورًا بتحديه شاهدًا على شجار بالأيدي في جلسة استماع بمجلس الشيوخ؛ كما أنه يرفض الاعتذار عن "تفهمه" للاعتداء على زميله السيناتور راند بول.

 لم يسبق لإدارة أن مجّدت القتل الصريح بهذا الشكل العلني كما تفعل آلة الدعاية الحالية للبيت الأبيض بمقاطع الفيديو البشعة التي توثق حرب إيران وتدمير القوارب الصغيرة.

على عكس الفاشية في القرن العشرين، لا توجد محاولة لتشجيع التضحية بالنفس أو مكافأتها رمزياً، بل مجرد قتل عن بُعد على غرار ألعاب الفيديو، لا يُبرر بأهداف استراتيجية، بل بمشاعر تبدو جامحة ("غضب" وعطش للانتقام). 

كل ذلك مصحوب باعترافات صريحة بانتهاك قوانين الحرب الأساسية. فالجنود الحقيقيون ذوو الأعراف الراسخة، على عكس عالم الخيال الذي يخلقه هيغسيث بخطاباته المبتذلة على التلفزيون، لن يضربوا أعداءهم وهم ساقطون على الأرض.

لم يُخفِ ترامب قط رغبته في الهيمنة واستعداده لحث أتباعه على الانخراط في العنف، بدءاً من دعوته إلى ضرب الناس في تجمعاته، وصولاً إلى العفو حتى عن أكثر متمردي السادس من يناير عام  2021 وحشية الذين هاجموا مبنى الكابيتول الأمريكي في واشنطن .

خلال ولايته الأولى، كبح "محور العقلاء" في الغالب أسوأ نزعاته. لكن بعد "العملية الخاطفة" في فنزويلا، وإدراك إمكانية قتل الناس على متن قوارب صغيرة دون عقاب، يبدو أن هيغسيث، وربما حتى روبيو، قد انخدعا بفكرة أن العمليات العسكرية الخاصة يمكن أن تكون سريعة وغير مكلفة في أرواح الأمريكيين، وأنها تُشكّل مادةً دسمةً للتلفزيون.

 


إن هوس ترامب بالصور فإظهار كومة من الأوراق على التلفزيون يعني أنه قد تخلّى فعلاً عن استثماراته في الشركات، أو أنه يمتلك بالفعل خطة رعاية صحية ممتازة  أصبح الآن سمةً مشتركةً في إدارته.

يبدو أن ترامب نفسه يتعامل مع حملة اغتيالات عالمية كما لو كانت نسخةً من برنامج "المتدرب" تتضمن إطلاق ذخيرة حية كما لو أنه يملك الحق في إزاحة القادة الآخرين، كما لو أنه من حقه اختيار خلفاء من يُختطف أو يُقتل.

تاريخياً، هناك أيديولوجية جعلت تمجيد العنف محوراً أساسياً لدعايتها. "يحيا الموت" كان شعاراً فاشياً. بدأت حركة موسوليني بالاحتفاء بالمحاربين القدامى، مُشيدةً بهم كطبقةٍ نبيلةٍ من الرجال الذين صقلتهم معارك الخنادق. كانت المدافن الضخمة لقتلى الحرب  التي احتوت بعضها على رفات ما يصل إلى 100 ألف جندي  تهدف إلى تشجيع التضحية في المستقبل؛ في المقابل، قدّم النازيون لشبابهم شعاراتٍ مثل "وُلدنا لنَموت من أجل ألمانيا".

يبدو أن هيغسيث ورفاقه يُروّجون أيضًا لعبادةٍ عدميةٍ للموت. لكنها تحتفي بالقتل بمجرد الضغط على زرٍ من على بُعد آلاف الأميال، وفي الوقت نفسه، يُهان قتلى أمريكا، إذ استغل ترامب عودتهم إلى الوطن لعرض شعاراته الداعمة لحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" وجمع التبرعات من ضحايا الحرب.

وفي الوقت نفسه، وفاءً لرغبة سيده في الهيمنة والتدمير الشاملين، يُعلن هيغسيث عن جرائم حربٍ مستقبليةٍ على الهواء مباشرةً ("لا هوادة") ويُشجع على القسوة المجانية: "سنُهاجمهم وهم في أضعف حالاتهم". إن التركيز المفرط على "الفتك" جزء من هذا التحول نحو فهم الحرب على أنها إلحاق أقصى قدر من الدمار والألم (بدلاً من تحقيق الأهداف الاستراتيجية  التي عجزت الإدارة تمامًا عن توضيحها).

تتلاشى حقيقة الحرب نفسها لأن وسائل الإعلام تمتلئ بسلسلة لا تنتهي من الصور المسلية والخطابات الجوفاء. يبدو أن هيغسيث، المولع باللغة المبالغ فيها بشكل مثير للسخرية، وخاصة الجناس ("محاربون، لا دعاة")، عاجز عن التعبير عن أي شيء سوى العبارات المبتذلة ("إرادة لا تُقهر") أو مقتطفات من قومية مسيحية تتنافى مع التعديل الأول للدستور الذي يحظر أي دين رسمي للبلاد لا يمكن اعتبار صلاة المواطنين للجنود راكعين باسم يسوع معيارًا للوطنية.

ليس الهدف هو مساواة الرجلين، ولكن لا يسع المرء إلا أن يتذكر كيف وصفت حنة أرندت، في كتابها المثير للجدل للغاية عن محاكمة أيخمان، البيروقراطي النازي: شخص عاجز تمامًا عن التفكير، شخص ينتج بدلاً من ذلك سيلًا لا نهاية له من العبارات الجوفاء.

هل سيُسهم كل هذا في إضفاء الشرعية على حرب غير شرعية؟

 لقد خلق هيغسيث عالماً خيالياً داخل البنتاغون نفسه؛ فبدلاً من المؤتمرات الصحفية التي تُطرح فيها أسئلة هادفة ويجاب عليها بصدق، يدور حوارٌ وديّ بين "وزير الحرب"  وهو اسمٌ وهمي، إذ لم يُصرّح الكونغرس بتغيير اسم الوزارة  وشخصيات من صحيفة إيبوك تايمز وقناة ليندل تي في (العالم من وجهة نظر "صاحب وسادتي")

مع كل هذا البعد عن الواقع، أصرّ هيغسيث على أن الصحافة لم تكن إيجابية بما فيه الكفاية تجاه الهجمات الأمريكية على إيران. وكما هو الحال مع العديد من رجال حركة ماغا الذين يؤدون حركاتٍ صبيانية لجذب انتباه الجمهور، يبدو أن غرورهم الهشّ عاجزٌ عن مواجهة حقيقة ما تمّ إطلاقه بتهوّر.


يان فيرنر مولر، كاتب عمود في صحيفة الغارديان الأمريكية

عنوان النص بالانكليزية

 Pete Hegseth is promoting a nihilist cult of death

 

الخميس، 19 مارس 2026

عملية ترامب"الغضب الملحمي" طموحة، لكنها في الواقع أقرب إلى الفشل الذريع


ميلاني لابروي

18 مارس/آذار 2026


ترجمة عباس علي مراد 

من سدني مورننغ هيرالد الأسترالية

بدأت أحدث جولة من الفوضى العالمية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب بتسمية حربه في الشرق الأوسط. فبدلاً من اختيار الاسم الواضح: "حرب دونالد جيه ترامب لأسباب كثيرة يصعب حصرها، لكنها منطقية وقانونية، اختار ترامب بنفسه "عملية الغضب الملحمي" من قائمة خيارات، وبذلك ارتكب خطأه الأول.


كلمة "ملحمي" بطبيعتها تعني نطاقاً واسعاً. وعملية "الغضب الملحمي"، التي بدأت كهجوم إسرائيلي أمريكي على إيران، ترقى إلى مستوى اسمها، إذ امتدت لتشمل لبنان ومعظم دول الشرق الأوسط، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والغذاء عالمياً.


 لم تعد تداعيات عملية "الغضب الملحمي" تقتصر على القتلى والجرحى والنازحين في مواقع العمليات العسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل الصيادين التايلانديين ومصدري المنتجات الزراعية الكينيين، الذين باتت سبل عيشهم مهددة بانقطاع إمدادات الوقود.


أُغلقت المدارس الحكومية في باكستان في محاولة لمواجهة نقص الوقود، وقد يُفرض نظام تقنين الوقود في أستراليا. تواجه ملايين العائلات الفلبينية والهندية والبنغلاديشية والسريلانكية والأوغندية والنيجيرية خطر الإفلاس، لاعتمادها على التحويلات المالية التي يرسلها أفراد عائلاتهم العاملون في دول الخليج. ويبدو أن جزيرة إبستين هي الموقع الجغرافي الوحيد الذي لن يتأثر سلبًا بعملية "الغضب الملحمي". 


تشير هذه التداعيات العالمية إلى أن عملية "الغضب الملحمي" قد أفسحت المجال لجزئها الثاني: عملية " السقوط الملحمي." وكما هو متوقع في الجزء الثاني، تتصاعد المخاطر. الآن، أصبح حلف الناتو هدفًا للهجوم، بعد أن رُفض طلب ترامب للمساعدة العسكرية الدولية لتأمين مرور السفن عبر مضيق هرمز رفضًا قاطعًا.


شعر الرئيس، المعروف بنشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي، بألم شديد إزاء تكتل الدول ضده، تلك الدول التي كان يظنها حلفاءه، إن لم تكن أصدقاءه. يوم الأربعاء، نشر قائلًا: "لم نعد بحاجة، أو نرغب، في مساعدة دول الناتو، لم نكن بحاجة إليها أبدًا! وكذلك اليابان، وأستراليا، وكوريا الجنوبية."! في الواقع، بصفتي رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، أقوى دولة في العالم بلا منازع، لا نحتاج إلى مساعدة أحد.


وبغض النظر عن كون هذا المنشور بمثابة صرخة طلب للمساعدة النفسية، فإنه يثير التساؤل: إذا لم تكن بحاجة إلى مساعدة أحد، فلماذا طلبت المساعدة من العالم أجمع قبل أيام قليلة؟


 يكمن حل هذه المفارقة، بالطبع، في أنه على الرغم من حب أنصار ترامب لشعار "أمريكا أولاً" ونزعة الانعزالية لدى جناح معين من حركتهم، إلا أن الولايات المتحدة، بعد انخراطها مجدداً في مغامرات خارجية، تدرك أنها لا تستطيع الاعتماد على إسرائيل و"فريق أمريكا" وحدهما لإغلاق صندوق باندورا الذي فتحوه بتهور.


مع استنزاف مخزونها من الصواريخ، لم يتبق أمام إدارة ترامب سوى فترة وجيزة لتحقيق نصر شامل قبل مواجهة الناخبين في نوفمبر، والذين يشعرون بالفعل بالغضب إزاء الارتفاع الصاروخي لأسعار البنزين والتكلفة الباهظة للحرب مع إيران. 


لسوء حظ خطط البيت الأبيض للاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس، فإن العواقب غير المتوقعة لعملية "السقوط المدوي" تتوالى

في يوم السبت الماضي، أطلقت كوريا الشمالية عشرة صواريخ باليستية في بحر اليابان، وهو حادث تزامن مع أنباء نقل الولايات المتحدة بعض أنظمة الدفاع الصاروخي من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. 


في حبكة فرعية أخرى من سلسلة "التداعيات الملحمية"، وبعد أن تعرض البنتاغون لانتقادات لاذعة بسبب ما بدا أنه استعداد كارثي وغير كافٍ لإغلاق مضيق هرمز المتوقع تمامًا، سعى إلى تهدئة أسواق الطاقة برفع العقوبات النفطية عن روسيا. سيوفر هذا لبوتين مكاسب اقتصادية هائلة ستؤثر بشكل مباشر على قدرته على مواصلة الحرب على أوكرانيا. 


ونظرًا لأن ترامب يبدو غاضبًا حقًا من رفض أوروبا الانصياع لـ"الغضب الملحمي"، فربما يتضمن اختباره المعرفي التالي نشاط "وصل او ربط النقاط"، والذي سيختبر قدرته على الربط بين دعم الولايات المتحدة المباشر لجارتها المعادية المسلحة نوويًا ورفض الاتحاد الأوروبي دعم عمله العسكري ضد إيران.


لطالما افترض ترامب أنه قادر على تغيير الواقع وفقًا لإرادته، وأنّ مجرد قوله سيُغيّره، مهما كانت الكذبة أو التهديد فظيعة. وظنّ أنه بالقوة العسكرية يستطيع إعادة تشكيل العالم بسرعة وفقًا لرغبته. لكنه نسي أن لقادة الدول الأخرى أيضًا إرادة ومصالح وطنية متضاربة، وأنهم يقنصون الفرص التي يخلقها عدم الاستقرار والفوضى.


ومع استمرار تدهور الأوضاع الجيوسياسية، يبدو حتميًا، كما تحوّلت عملية "الغضب الملحمي" إلى عملية "السقوط الملحمي"، أن عملية "الكارثة الملحمية" باتت وشيكة. فهذه هي المشكلة الأخرى للأجزاء المتتابعة: لا يبدو أنها تنتهي أبدًا.



ميلاني لابروي

 روائية وكاتبة سياسية 

عنوان المقال بالأنكليزية

Trump’s Epic Fury is grandiose, like he wanted. But it’s more of an epic fail


الثلاثاء، 17 مارس 2026

إيران تستخدم مضيق هرمز في إبتزاز العالم/ د. عبدالله المدني


للمضايق والممرات البحرية أهمية جيوسياسية وعسكرية وجغرافية كبرى بالنسبة للعالم، كونها شريان الحياة للإقتصاد العالمي بسبب مرور نحو 80 ــ 90% من التجارة الدولية عبر مياهها، وبالتالي فهي تلعب دورا حاسما في أمن الطاقة وسلاسل التوريد العالمية (في عام 2023 مثلا، مرت عبرها بضائع تفوق قيمتها الإجمالية 8 تريليونات دولار). إلى ذلك، تلعب المضايق دورا هاما في الحروب والمواجهات العسكرية، وورقة ضغط استراتيجية للدول المشاطئة. 

وعلى الرغم من وجود مضايق وممرات بحرية كثيرة في العالم شرقا وغربا مثل مضائق ملقا وتايوان والدردنيل، وباب المندب، إلا أن "مضيق هرمز" الرابط بين الخليج العربي وخليج عمان والمؤدي إلى مياه بحر العرب والمحيط الهندي استحوذ على الإهتمام الأكبر عالميا، وتحديدا منذ عام 1979، أي العام الذي تأسس فيه ما يعرف اليوم باسم "جمهورية إيران الإسلامية". 

ذلك أنه قبل هذا التاريخ كان مضيق هرمز معبرا مائيا يسوده السلام، وتمر به تجارة العالم دون مخاوف أو تهديدات أو استفزازات. وبعبارة أخرى بدأت المتاعب منذ أن تحولت إيران إلى نظام مارق مزعزع للأمن والإستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم بأسره، من خلال الشعارات الجوفاء والأحلام الطوباوية وسياسات التوسع والهيمنة وعمليات الإرهاب وعسكرة المياه والأجواء. وهكذا صار المضيق مذاك من أكثر الأسماء تداولا في وسائل الإعلام العربية والعالمية المختلفة، وفي مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية، وفي المنتديات الفكرية الدولية.

ويشهد التاريخ أن دول الخليج العربية المشاطئة أو المجاورة، لم تلجأ يوما للتلويح، دعك من التنفيذ، بإستخدام هذا الممر كورقة ضغط أو مساومة، على الرغم من كل الإعتداءات والمناوشات والتهديدات من قبل الطرف الإيراني، وذلك تمسكا منها بمباديء السلم والأمن العالميين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وإيمانا راسخا بحق دول العالم وشعوبها في الإستفادة من المضيق في النقل البحري الآمن للطاقة ومختلف السلع الأخرى تصديرا وتوريدا.

وإذا أردنا أن نستعرض بعضا من جرائم النظام الإيراني التوسعي، فيمكننا كتابة المجلدات في هذا الشأن، ولاسيما لجهة الإخلال بأحكام العبور الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقواعد العرفية المنظمة للملاحة، وتحويل المضيق إلى بؤرة توتر دائمة، بل واتخاذه رهينة لتهديد مصالح العالم وابتزازه عبر التلويح بين فينة وأخرى بإغلاقه أمام الملاحة. 

فمن خروقاتها، توسعة مياهها الإقليمية من طرف واحد، ثم قيامها في ثمانينات القرن الماضي باصدار قانون بحري يفرض اشتراطات مثل الحصول على إذن لعبور السفن الحربية والغواصات والسفن النووية الأجنبية، ثم أعلانها بأن حق عبور المضيق يشمل فقط الدول الأطراف. وإبان الحرب الإيرانية العراقية تسبب النظام الإيراني في تحويل المضيق إلى مسرح لما عرف بحرب الناقلات من خلال تهديدها بإغلاق المضيق أمام الملاحة البحرية، ما استدعى تدخلا أمريكيا لإبقاء هذا الممر الحيوي مفتوحا. هذا التدخل الذي تكرر حينما قامت البحرية الإيرانية سنة 1988 بزرع ألغام في مياه المضيق الدولية، مع إرسال مقاتلاتها للتحليق فوق المنطقة مما تسبب في إصابة سفينة حربية أمريكية بأضرار، وإسقاط الأمريكيين لطائرة ايرانية مدنية خطأ بعد أن اشتبهوا في أنها طائرة مقاتلة. 

وبسبب أجواء التوتر التي خلقها النظام الإيراني في المنطقة، حدث في عام 2007 إصطدام بين غواصة نووية أمريكية وناقلة نفط يابانية عملاقة، لكن دون إصابات أو تسرب نفطي. وتكرر مثل هذه الحادثة، وللأسباب ذاتها في عام 2009 حينما اصطدمت غواصة أمريكية بسفينة إنزال برمائية، الأمر الذي نجم عنه إصابات بشرية وتسرب وقود الديزل في مياه الخليج.

وفي يوليو سنة 2008 هدد أحد مساعدي المرشد الأعلى الإيراني بأن ناقلات الشحن الأمريكية في الخليج ستكون أول أهداف "قوات الحرس الثوري"، وسيتم حرقها. وفي عام 2015 إعتدت البحرية الإيرانية على إحدى سفن الحاويات، بعد أن رفض قبطانها في باديء الأمر أوامر بالتحرك إلى داخل المياه الإقليمية الإيرانية لإحتجازها وابتزاز ملاحيها،

وفي الفترة التالية لإنسحاب الولايات المتحدة من الإتغاق النووي مع إيران، وقيام واشنطن بتشديد العقوبات ضدها، تكررت التهديدات الايرانية بإغلاق مضيق هرمز أكثر مرة، واقترنت في عام 2018 بتجارب لصواريخ بالستية فوق المضيق باتجاه منطقة اختبار في صحراء إيران، ناهيك عن اقترانها بتصاريح عنترية مثل قول قائد الجيش الجنرال محمد باقري: "إذا لم يعبر نفطنا مضيق هرمز، فلن يعبر نفط الآخرون".

والملفت أنه مذاك راحت إيران تكرر احتجاز السفن التجارية وتهددها بالقصف، وتهاجم ناقلات النفط الأسيوية المتجهة من وإلى اقطار الخليج العربية بحجة ارتكابها مخالفات بيئية. وبطبيعة الحال استدعت هذه الأعمال الإجرامية الطائشة تكثيف التواجد العسكري الإمريكي والأوروبي في مياه المضيق لتأمينها ضد القرصنة والاستفزازات الايرانية.

وهكذا استمرت الأحوال مضطربة في هرمز، بسب عنجهية النظام الإيراني أولا وأخيرا، وصولا إلى ما يشهده المضيق اليوم من أجواء قاتمة، خصوصا بعد تأكيد الحرس الثوري رسميا أن المضيق مغلق، وأن أي سفينة تحاول دخوله سيتم إشعال النار فيها.

ونختتم بالإشارة إلى أن مغامرات إيران وحماقاتها في مضيق هرمز، أدت إلى قيام كل من السعودية والإمارات إلى تحصين نفسيهما ضد احتمالات إغلاق المضيق وتوقف إمداداتهما النفطية إلى العالم، فأنفقتا بلايين الدولارات على مشاريع تغنيهما عن استخدام مضيق هرمز، مثل خط أنابيب النفط من شرق السعودية إلى غربها، وخط أنابيب نفط حبشان الفجيرة الإماراتي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

التاريخ: مارس 2026م


الاثنين، 16 مارس 2026

المقامرة المحفوفة بالمخاطر التي تُهدد رئاسة ترامب


بروس وولبي

15 آذار 2026

من صحيفة سدني مورننغ هيرالد الأسترالية

ترجمة عباس علي مراد

يتوق الرئيس ترامب إلى ممارسة سلطة مطلقة. في الحرب مع إيران، يمتلك ترامب زمام الأمور بالكامل، لكنه خارج عن السيطرة.

إيران هي حرب ترامب المختارة، وهي أكثر بكثير من مجرد ضربة أخرى على أنشطتها النووية بعد تسعة أشهر فقط من "تدميرها"، وهي تُهدد رئاسته.

هذه الحرب تتجاوز بكثير هوس إيران النووي. الأهداف هي صواريخها الباليستية، وبحريتها، والجماعات "الإرهابية" التابعة لها في جميع أنحاء المنطقة، والبنية التحتية للحكم في إيران، وتغيير النظام.

وقد لخص باراك رافيد من موقع أكسيوس بوضوح كيفية تقييم نتيجة هذه الحرب.


سيكون النصر لإيران إذا بقيت صامدة بعد انتهاء العملية الإسرائيلية والأمريكية. إذا بقي النظام قائماً، فقد انتصرت إيران. 

"هذا كل ما في الأمر. لا يحتاجون لفعل أي شيء آخر سوى البقاء على قيد الحياة - وهذه هي ميزتهم لأنها حرب غير متكافئة."


"في الواقع، إذا بقي النظام قائماً، فإن إسرائيل والولايات المتحدة ستكونان الخاسرتين. لذا، لكي تنتصر الولايات المتحدة وإسرائيل، يجب أن يكون واضحاً أن النظام إما قد انهار أو أن من يتولى زمام الأمور مجرد دمية في يد الولايات المتحدة."

يصر ترامب على أنه انتصر. في الأسبوع الماضي، خلال تجمع انتخابي في كنتاكي، قال: "عملية الغضب الملحمي!!! هل هذا اسم رائع؟ حسناً، إنه اسم جيد فقط إذا انتصرت، وقد انتصرنا. دعوني أخبركم. لقد انتصرنا. كما تعلمون، لم يكن أحد يحب أن يعلن فوزه مبكراً. لقد انتصرنا."

ليس تماماً.

قال ترامب إنه يريد "استسلاماً غير مشروط". ويصر على أنه يجب عليه اختيار الزعيم الإيراني القادم. يقول ترامب عن المرشد الأعلى الجديد: "ابن خامنئي شخص تافه. يجب أن أشارك في التعيين، كما فعلت مع ديلسي رودريغيز في فنزويلا". يعتقد ترامب أنه قادر على فرض النموذج الفنزويلي على إيران، لكنه لم يجد أي حلفاء إيرانيين.


لا داعي للقلق. الحرب، كما قال ترامب، "مكتملة تقريبًا. نحن متقدمون جدًا على الجدول الزمني". الحرب "ستنتهي قريبًا". لكنها ليست حربًا، بل "مهمة قصيرة الأجل."


لكن هذه المهمة لا تنتهي إلا، كما يقول ترامب، "عندما أشعر بها ، أشعر بها في أعماقي."

لا مشاعر حتى الآن. يتناقض ادعاء ترامب بأن "المضائق في حالة ممتازة!" تناقضًا صارخًا مع ارتفاع أسعار البنزين يوميًا، وتوقف ناقلات النفط عن الحركة أو اشتعال النيران فيها في المضائق.

هاجم ترامب جزيرة خارك لكسر قبضة إيران على الممر المائي، لكن إيران لا تزال تحتجز المضائق رهينة، مما يعني أن الحرب ستستمر إلى أجل غير مسمى.

لطالما شكّل مضيق هرمز مشكلة. فأين البدائل؟

قد يكون أفضل مخرج لترامب هو قمته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في 31 مارس/آذار. هل يريد ترامب حقًا مواجهة شي في حرب مستمرة فشل فيها ترامب في هزيمة العدو؟

ما يُهدد رئاسة ترامب هو القوى التي أطلقها والتي أصبحت الآن خارجة عن السيطرة.

إنّ ادعاء ترامب بأنّ الولايات المتحدة قادرة على الخروج من هذه الحرب بسهولة ليس كلامًا يُقنع الناس. كتب على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: "أسعار النفط على المدى القصير، والتي ستنخفض بسرعة عند انتهاء التهديد النووي الإيراني، ثمن زهيد جدًا تدفعه الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، من أجل الأمن والسلام. لا يُفكّر بغير ذلك إلا الحمقى."

هؤلاء الحمقى يتحدثون إلى استطلاعات الرأي. فالتأييد للحرب مع إيران منخفض للغاية مقارنةً بالتأييد الذي حظي به الرؤساء السابقون في بداية حروبهم السابقة، بما في ذلك في الشرق الأوسط.

يُسيطر الحديث عن الركود التضخمي على وول ستريت. فالحرب تُؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع التضخم على المدى الطويل، وعدم قدرة الأجور على مواكبة هذا النمو. وهذا وحده كفيلٌ بتحديد نتيجة انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني (نوفمبر).

كما يشهد البيت الأبيض انقسامات داخلية. فقد ظل نائب الرئيس جيه دي فانس مُثقلاً بفكرة "الحروب الأبدية". والتزم فانس الصمت المُريب حيال هذه الحرب. لكن ترامب كشف الحقيقة. قال ترامب إن فانس "يختلف عني فلسفياً بعض الشيء"، مُضيفاً أن فانس "ربما أقل حماساً للتدخل" في إيران. ويقول مسؤول في البيت الأبيض إن فانس "يُعارض" الحرب فحسب.


لكن الرئيس المُتباهى يعتقد أنه يُقدم أداءً مُبهراً. قال لأحد الصحفيين: "آمل أن تكون مُعجباً. ما رأيك في هذا الأداء؟ أعني، فنزويلا واضحة. قد يكون هذا أفضل. ما رأيك في هذا الأداء؟"


تتصدع الأرض تحت أقدام ترامب أينما حلّ.


بروس وولبي زميل بارز في مركز دراسات الولايات المتحدة بجامعة سيدني.

عنوان النص الأصلي:

The high-stakes gamble unravelling the Trump presidency


الجمعة، 13 مارس 2026

الحرب في إيران فشلٌ أمريكي. ماذا نفعل الآن؟


روبرت رايش

الخميس ١٢ مارس ٢٠٢٦

ترجمة عباس علي مراد

من الغارديان أستراليا

أقوى دولة في العالم يقودها الآن رئيسٌ مارقٌ يرفض قيمها الراسخة.


مع دخولنا اليوم الثالث عشر من الحرب في إيران، حيث ينتشر الموت والدمار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من المهم أن نتذكر أين يكمن الفشل الحقيقي.


حتى الآن، قُتل ما يقرب من ٢٠٠٠ شخص، من بينهم ١٧٥ تلميذًا إيرانيًا وسبعة عسكريين أمريكيين. وأُصيب ما لا يقل عن ١٤٠ عسكريًا أمريكيًا آخرين، بعضهم في حالة حرجة. ومن المؤكد أن الحصيلة النهائية من كلا الجانبين ستكون أعلى بكثير.


إن ارتفاع أسعار النفط والغاز في الولايات المتحدة يُلحق ضررًا بالغًا بالفقراء والطبقة العاملة أكثر من الأغنياء.


إننا ننفق موارد هائلة على هذه الحرب - حتى الآن، ما يقارب مليار دولار يوميًا، أو 41,666,667 دولارًا في الساعة، أو 11,574 دولارًا في الثانية.هذه موارد كان من الأجدر إنفاقها على تحسين حياة الشعب الأمريكي.


يحتاج الأمريكيون إلى الرعاية الصحية، والسكن بأسعار معقولة، ورعاية الأطفال وكبار السن، ومدارس أفضل. نريد تلبية احتياجاتنا الأساسية. لكن الحكومة تدّعي أننا "لا نستطيع تحمّل" هذه الأمور.


ومع ذلك، يُفترض أننا نستطيع إنفاق ما يقارب تريليون دولار على البنتاغون. والآن يقول ترامب إن البنتاغون يحتاج إلى 500 مليار دولار إضافية.


إن الفشل المأساوي الكامن وراء هذا الدمار ليس في استسلام معظم الأمريكيين لحمى الحرب. بل على العكس، تُظهر استطلاعات الرأي تلو الأخرى أن معظم الأمريكيين لا يؤيدون هذه الحرب. في الواقع، هذه أول حرب تدخلها أمريكا في العصر الحديث دون تأييد الأغلبية.


يكمن الفشل الحقيقي في أن أغنى وأقوى دولة في العالم - الدولة التي قادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية، والتي أرست النظام الدولي لما بعد الحرب مؤكدةً على التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون  يقودها الآن رئيس مارق يرفض كل هذه القيم.


رجل واحد قرر بمفرده شن هذه الحرب. شخص واحد أشعل فتيل هذه الفوضى دون الحصول على موافقة الكونغرس، ودون موافقة الحلفاء، ودون حتى توضيح سبب وجيه لها.


الشخص الذي يجلس في المكتب البيضاوي لا يملك رؤية واضحة لهذه الحرب، ولم يُقدّم إجابة متسقة حول متطلبات "النصر"، ويبدو أنه لا يعرف ما يفعل.


فرد واحد يُلحق الآن دمارًا هائلًا - أرواح تُزهق، وأسعار طاقة ترتفع بشكلٍ جنوني، وخزائن تُستنزف، واحتياجاتنا تُهمل، وإرهاب مُحتمل يُطلق العنان له في المستقبل على هذه الأرض وغيرها لسنوات قادمة.


تُمثل هذه الحرب فشلًا ذريعًا للديمقراطية الأمريكية. إنها في نهاية المطاف فشلنا نحن، يجب على الديمقراطيين وقف تمويل حرب ترامب الإمبريالية

ماذا يُمكننا فعله الآن؟


في 28 آذار ( مارس)بعد أسبوعين من يوم السبت القادم  سننظم أكبر مظاهرة في تاريخ البلاد وفي جميع أنحاء أمريكا. 


في الأسابيع والأشهر القادمة، سنُحصّن أنظمتنا الانتخابية حتى لا يتمكن الطاغية في البيت الأبيض من تجاوزها.


في تشرين ثاني (نوفمبر)، سنُشارك بأكبر عدد مُسجل على الإطلاق في انتخابات التجديد النصفي، لاستعادة قيادة الكونغرس من أولئك الذين مكّنوا هذا الرئيس المارق.


في الوقت نفسه، نواصل الدفاع عن مجتمعاتنا، وحماية أصدقائنا وجيراننا المهاجرين من عنف الدولة، والدفاع عن جامعاتنا ومدارسنا ومتاحفنا ومكتباتنا ووسائل إعلامنا وصحفنا من استبداد الدولة.


بعبارة أخرى، فإن أفضل طريقة لمواجهة ويلات هذه الحرب هي تعزيز الآليات التي ما كان ينبغي لها أن تسمح بحدوثها أصلاً.


روبرت رايش، وزير العمل الأمريكي الأسبق، أستاذ فخري للسياسة العامة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وكاتب عمود في صحيفة الغارديان الأمريكية.

عنوان المقال بالانكليزية

 The war in Iran is an American failure. What do we do now?


الثلاثاء، 10 مارس 2026

"طارق رحمن" .. الوجه الجديد في عالم التوريث السياسي



بقلم: د. عبدالله المدني*


قلنا في مقال سابق أن "طارق ضياء رحمن" فاز في الانتخابات العامة التي جرت مؤخرا في بنغلاديش فوزا كاسحا، بحصول حزبه (حزب بنغلاديش الوطني) على 212 مقعدا من أصل مقاعد البرلمان البالغ عددها 300 مقعدا، وبالتالي صار يحكم البلاد بتخويل شعبي غير مسبوق، وبما يتيح له تنفيذ أجنداته السياسية والاقتصادية دون صداع أو معارضة برلمانية مؤثرة. لكن كيف نجح الرجل في تحقيق هذا النصر الكاسح؟

بداية لا بد من التعرف على هذا الوجه الجديد في سدة الزعامة في بنغلاديش التي لم تهنا بإستقرار سياسي طويل منذ انفصالها عن باكستان في كيان مستقل سنة 1971، بل الوجه الجديد المجسد لظاهرة التوريث السياسي المعروفة في عموم آسيا وخصوصا في جنوبها، حيث كلما غاب الآباء أو الأزواج لأي سبب انتقلت زعامتهم السياسية وميراثهم السياسي إلى زوجاتهم أو أبنائهم، كما شهدنا في سريلانكا ثم الهند وباكستان وبنغلاديش واندونيسيا وميانمار والفلبين. وعادة ما يلعب الورثة في هذه البلاد على الوتر العاطفي للجماهير، ولاسيما حينما  يكون الموروث صاحب شرعية مستمدة من انجاز مشهود كتحقيق الاستقلال عن المستعمر الاجنبي  أو الارتقاء بالبلاد تنمويا مثلا. وبطبيعة الحال تسهل مهمة الوريث إذا كان غياب الموروث بفعل حادثة اغتيال مدبرة أو كنتيجة إقصاء ظالم.

ولد "طارق ضياء الرحمن" في 1965 إبنا أكبر لوالده الجنرال ضياء الرحمن، الذي أسس "حزب بنغلاديش الوطني" اليميني سنة 1978 وتولى قيادة بنغلاديش من عام 1977 إلى يوم اغتياله في انقلاب عسكري سنة 1981، وإبنا لوالدته خالدة ضياء التي تولت زعامة البلاد ثلاث مرات ودخلت المعتقلات لسنوات طويلة قبل أن تتوفي في ديسمبر الماضي. عاش رحمن طفولته في ظل حرب الاستقلال عن باكستان، وخلالها اعتقل مع والدته وشقيقه ولم يفرج عنه الا بعد تحقيق النصر في الحرب سنة 1971.

تلقى تعليمه بكلية شاهين التابعة لسلاح الجو في دكا، ثم درس العلاقات الدولية بجامعة دكا خلال ثمانينيات القرن العشرين (لم يكمل تعليمه الجامعي وانصرف إلى العمل في قطاع الشحن وصناعة الملابس)، قبل أن ينخرط في عالم السياسة في نهاية الثمانينات من خلال مشاركته لوالدته في الحركة المقاومة لنظام الجنرال محمد حسين ايرشاد، ومن خلال المشاركة في توسيع قاعدة حزب والديه والترويج للديمقراطية، ثم انضم رسميا لحزب ينغلاديش الوطني في 1988. وبعد فوز والدته بقيادة البلاد في انتخابات 1991 برز اسمه بقوة وتمت ترقيته في 2002 لمنصب قيادي حزبي في خطوة أثارت الجدل في أوساط قادة حزبيين أقدم منه.

وخلال حكم الشيخة حسينة واجد، غريمة والدته اللدودة، ما بين عامي 2009 و2024، وجهت إليه اتهامات بالفساد واساءة استغلال النفوذ ومحاولة التخريب المسلح، فصدر ضده عددا من الأحكام الغيابية التي وصفها بأنها ذات دوافع سياسية، لكنها لم تنفذ لأنه كان قد غادر بنغلاديش للإقامة في بريطانيا بعد أن أمضى 18 شهرا في المعتقل  في 2007 إبان فترة حكومة تصريف أعمال مدعومة من الجيش. وبعد اعتقال والدته سنة 2018، راح يدير شؤون حزبها من المنفى باعتباره رئيسا للحزب بالنيابة.

عاد إلى دكا في ديسمبر 2025، اي بعد الإطاحة بنظام حسينة واجد في ثورة شعبية، وبعد أيام قليلة من وفاة والدته، ليتولى قيادة حزب بنغلاديش الوطني ويخوض على رأسه الانتخابات العامة الأخيرة ويفوز ويصبح زعيما جديدا لبلاده يواجه تحديات جمة، على رأسها إعادة الاستقرارين السياسي والاقتصادي لبنغلاديش بعد سنوات من الاضطرابات، واستعادة ثقة المستثمرين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإدارة علاقات متوازنة مع الهند والصين وباكستان وعلاقات قوية مع واشنطن.

ساهمت عوامل كثيرة في وصوله إلى سدة الزعامة. فعلاوة على اللعب على الوتر العاطفي للجماهير عبراستغلال ميراثه السياسي وتاريخه العائلي، استغل الحكم الصادر بمنع أكبر أحزاب البلاد (حزب عوامي الوطني) من المشاركة في الانتخابات ليبرز نفسه كمنقد وحيد، خصوصا مع ضعف قوة حزب الجماعة الاسلامية ذي التوجهات الإخوانية المتشددة، الذي شارك في السباق الانتخابي وهو منهك ويفتقد التنظيم والاعداد الجيد، بسبب ضربات تعرض لها في عهد حسينة واجد. 

من العوامل الأخرى أن حزب بنغلاديش الوطني كان قد بدأ، تحت قيادته تنظيم نفسه وتحشيد أنصاره لإستعادة السلطة مبكرا أي بمجرد الإطاحة بالعهد السابق سنة 2024، كما أنه استخدم خلال حملاته الانتخابية وعودا وتعهدات دغدغت مشاعر الناخبين الطامحين لمستقبل أفضل، وروّج لشعارات تفيد وقوفه على مسافة واحدة من مواطني بنغلاديش المسلمين والمسيحيين والهندوس والبوذيين. ومن ناحية أخرى ساهم التصويت عبر البريد الإلكتروبي لأول مرة، في تسهيل تصويت ما لا يقل عن 15 مليون ناخب في الخارج.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: فبراير 2026م

الثلاثاء، 3 مارس 2026

في بنغلاديش .. الديمقراطية تعيد انتاج الماضي





بقلم: د. عبدالله المدني*

لم تنعم بنغلاديش، منذ قيامها كدولة مستقلة عن باكستان في عام 1971، بالإستقرار السياسي. فتاريخها الحديث عبارة عن انقلابات عسكرية ومماحكات حزبية وديمقراطية عرجاء وحرب شعواء بين سيدتين تنتمي كل منهما إلى مدرسة سياسية مختلفة وأيديولوجية نقيضة وإرث سياسي مضاد. وبعبارة أخرى كلما نجحت إحداهما في الوصول إلى السلطة في دكا، نكلت بالأخرى وأدخلتها المعتقل بتهم الفساد والاستبداد وخنق الحريات، بل وألغت معظم ما انجزته، وهكذا دواليك.

توقع البنغلاديشيون الطامحون إلى السلام والوئام والإستقرار والمستقبل المعيشي الأفضل أن انتفاضتهم في شهري يوليو وأغسطس 2024 ضد نظام رئيسة الوزراء المعزولة الشيخة حسينة واجد (إبنة مؤسس البلاد الراحل الشيخ مجيب الرحمن) سوف تأتي لهم بالمن والسلوى، خصوصا بعد أن تسلم المصرفي النوبلي الدكتور محمد يونس قيادة البلاد مؤقتا من أجل تصحيح الأوضاع ووضع البلاد على سكة الديمقراطية والتعددية من جديد.

غير أنه بدلا من اجتثاث كلا الحزبين اللذين احتكرا السلطة وتسببا في معاناة بنغلاديش بصور متفاوتة نسبيا، قام يونس بالتفضيل. فحكم على حزب الشيخة حسينة (حزب عوامي) بالموت، ومنعه من المشاركة في الانتخابات العامة التي أجريت مؤخرا تنفيذا لوعوده، فخلت الساحة لحزب غريمتها السيدة خالدة ضياء (حزب بنغلاديش الوطني)، وكان أن فاز الأخير بأغلبية حاسمة (212 مقعدا برلمانيا من أصل 300) تحت قيادة زعيمه الجديد "طارق ضياء" إبن خالدة ضياء، العائد من منفاه اللندني، وذلك في تكرار لظاهرة التوريث السياسي المعروفة في آسيا وشبه القارة الهندية، بل وتكرار للماضي. حيث انتجت الديمقراطية الجديدة التي أطلقها الدكنور يونس وضعا عرفه البنغلاديشيون طويلا مع اختلاف طفيف تمثل في غياب الشيخة حسينة وحزبها عن المشهد وأيلولة السلطة إلى ابن غريمتها وخصمها اللدود، بتفويض شعبي كاسح.

يأمل الشعب الآن أن يمثل هذا التغيير نقطة تحول حاسمة لأمتهم التي عانت كثيرا من الارهاق المؤسسي والمماحكات والخلافات، علما بأن حقبة زعيمتهم السابقة المطاح بها لم تكن كلها شرا. إذ حققت البلاد في عهدها أسرع معدلات النمو وأكثرها لفتا للنظر في آسيا ومنطقة المحيط الهادي. وبعبارة أخرى يأمل هؤلاء أن ينعموا بإدارة جديدة ذات مصداقية، وأن يسعى رئيس الحكومة الجديد طارق ضياء إلى وضع قواعد لبناء مؤسسات الدولة على أسس الانضباط والرقابة والشفافية، ودون تسلط واحتكار لأدواتها، وألا يعتقد أن التفويض الشعبي الساحق الممنوح له يخوله إخضاع الشعب.

وبطبيعة الحال، سمعوا من زعيمهم الجديد وعودا بذلك، وبأنه سوف يستخدم رأسماله السياسي في تحقيق أهداف قابلة للقياس، وفي إعادة هيكلة الاقتصاد والإدارة والمالية العامة، والحد من الهدر.

والحقيقة أن لطارق ضياء وحزبه طموحات اقتصادية واسعة محورها تحويل بنغلاديش إلى اقتصاد بقيمة تريليون دولار بحلول عام 2035، وتحجيم البطالة والتضخم، غير أن الذاكرة التاريخية لئن قالت لنا أن والدته، ومن قبلها والده الجنرال ضياء الرحمن حققا خلال توليهما السلطة بعض النجاحات الاقتصادية والتنموية من خلال تشجيع هجرة العمالة ودعم قطاع الملابس، إلا أن الاقتصاد العالمي اليوم تغير كثيرا عن تلك الحقبة، فهو اليوم أكثر تقلبا ولا يسمح بالصعود كثيرا في مجال التصدير، كما وأن تدفقات التحويلات المالية للعمالة عرضة للتحولات الجيوسياسية. إلى ذلك، فإن طموحات حزب بنغلاديش الوطني الاقتصادية تتطلب وجود جهاز بيروقراطي كفؤ مسنود بالانضباط المؤسسي أكثر من الخطابات والوعود الرنانة.

من ناحية أخرى، يستلزم نجاح خطط العهد الجديد ووعوده رفع نسبة الضرائب ، كإستراتيجية تمويلية، وهذا قد يفجر غضبا شعبيا جديدا وسط الفئات المرهقة معيشيا، خصوصا وأن ما لايقل عن 40 مليون نسمة من السكان البالغ عددهم 170 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر.

ومن ناحية ثالثة، فإن الحكومة الجديدة في دكا لن تنجح في عملها وخططها ووعودها دون استقرار وضبط وتقوية علاقاتها الخارجية بالقطبين الهندي والأمريكي. فالهند هي جارتها الكبرى الأكثر تأثيرا في محيطها، والولايات المتحدة هي أكبر مستورد للسلع البنغلاديشية.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: فبراير 2026م