كتب عباس علي مراد
جرت السبت الماضي الانتخابات الفرعية عن مقعد فارير الفيدرالي في جنوب ولاية نيو سوث ويلز، والذي شغر بعد إستقالة زعيمة حزب الأحرار السابقة سوزان لي من مجلس النواب، بعد أطاحتها من زعامة الحزب لصالح زعيم الحزب الحالي آنغس تايلر وكانت قد شغلت المقعد لمدة 25 عاماً.
ستدخل هذه الانتخابات التاريخ السياسي الأسترالي من بابه العريض لأسباب عدة منها:
لأول مرة يدخل حزب أمة واحدة الى مجلس النواب، حيث كان تمثيله يقتصرعلى عضوية المجلس التشريعي (السينت) منذ دخول بولين هانسون الندوة البرلمانية عام 1996، بعد أن كانت مرشحة على لأئحة حزب الأحرار الذي طردها من صفوفه بسبب تصريحاتها العنصرية ضد الجالية الصينية.
لأول مرة يخسر الائتلاف (الأحرار- الوطني) المقعد منذ 77 عاماً.
لأول مرة في تاريخ الإنتخابات سواء كانت انتخابات فرعية اوعامة لا ياتي احد الحزبين الكبيرين (الأحرار- العمال) بالمرتبة الثانية، حيث حلت المرشحة المستقلة ميشيل ميلثورب ثانية، هذا مع العلم ان حزب العمال لم يشارك بمرشح في هذه الانتخابات.
يتجه ديفيد فارلي مرشح حزب امة واحدة للفوز بأكثر من 40% من الأصوات الأولية، متقدمًا على ميشيل
ميلثورب التي حصلت على حوالي 28%. بينما كافح الائتلاف (أحرار- وطني) للوصول إلى نسبة 20% من الأصوات الأولية.
بعد هذا الفوز الساحق، أعلنت بولين هانسون أن حزب "أمة واحدة" سيعمل للفوز بمقاعد الائتلاف وحزب العمال في مختلف أنحاء أستراليا، مؤكدةً أن أنصارها يريدون "استعادة زمام الأمور في البلاد" بعد فوزهم الساحق في الانتخابات الفرعية التي جرت يوم السبت في دائرة فارير. وهاجمت الاحزاب الكبرى بعنف وقالت أن سياستها اتسمت بالغطرسة لفترة طويلة، متجاهلةً الناخبين، وغير محترمةً لهم، ومستغلةً ثقتهم، ومدركةً أنها تُدمر البلاد.
وتعهدت هانسون بالكشف عن سياسة حزبها الخاصة بالطاقة والتي ستركز على زيادة عائدات صادرات الغاز، مع ضمان حصول دافعي الضرائب على حصص في الشركات التي تستخرج تلك الموارد.
زعيم المعارضة الفيدرالية آنغس تايلر قال: إن حزب الأحرار سيستخلص "دروسًا قاسية" من هذه النتيجة، التي عزاها جزئيًا إلى الانقسام الذي حصل مرتين في أقل من 12 شهراً بين حزبي الائتلاف و"الابتعاد" عن القيم التقليدية. وأضاف "لقد كنا لفترة طويلة حزبًا يتعامل مع القضايا السياسية كفرص لا حزبًا قائمًا على قناعات راسخة، ويجب أن تتغير هذه المقاربة.
وقد أثارت الهزيمة شكوكًا لدى بعض النواب المعتدلين حول قيادة تايلور وتوجه الحزب تحت قيادته، وقد عنونت صحيفة الغارديان أن الفوز التاريخي لحزب أمة واحدة في دائرة فارير في الانتخابات الفرعية يُثير استياءً داخلياً حول قيادة الائتلاف.
حيث يبدو أن تايلر يركز على وقف نزيف مؤيدي الأحرار الذين يلتحقون بحزب "أمة واحدة" بدلًا من إعادة تموضع الحزب واتباع سياسة وسطية، ويخشى معظم نواب الأحرار أن يكون الحزب قد أصبح "متفاعلًا" مع أجندة "أمة واحدة"، بما في ذلك ملف الهجرة.
الزعيمة السابقة للحزب سوزان لي أصدرت بيانًا لاذعًا مساء السبت، أشارت فيه إلى أن الائتلاف الحاكم بات في وضع أسوأ مما كان عليه حين أطاح بها تايلور. وأردفت ان الزعيم الجديد قال إن الحزب بحاجة إلى التغيير أو الزوال وأشارت لي الى ان نتيجة انتخابات فارير أن هذا القول أصدق اليوم مما كان عليه حين أطاح بها تايلر.
المرشحة المستقلة ميشيل ميلثورب شكرت مؤيديها، وحذرت الأحزاب الكبرى من أن مجتمعات مثل فارير سئمت من استغلالها، وسئموا الوضع، لذلك صوتوا لحزب أمة واحدة، وهذا حقهم، وتابعت لكن العامان المقبلان سيكونان اختبارًا حقيقيًا لحزب أمة واحدة.
وقد علق حزب العمال على نتائج الانتخابات في مقعد فارير فوصف وزير الخزانة، جيم تشالمرز، فوز أمة واحدة بأنه "هزيمة ساحقة" للائتلاف، مما يثير الشكوك حول مستقبل تايلور.
وقال تشالمرز لشبكة سكاي نيوز: "لقد ركز أنغوس تايلور على الانقسام، وخسر خسارة فادحة". وأضاف تشالمرز أن النتيجة أظهرت أن الائتلاف سيحتاج إلى توحيد قواه مع حزب "أمة واحدة" إذا أراد العودة إلى السلطة، مما يجعل حزب العمال الحزب الوحيد المتبقي في "وسط السياسة الأسترالية المعتدل.
لوك مانسيلو، استاذ مادة العلوم السياسة بجامعة سيدني، قال: ان ملامح المشهد السياسي
والنظام الحزبي الأسترالي يشهد تحولاً جذرياً، إذ بدأ ينتقل من الصراع السياسي المستقر بين مصالح الطبقات الاجتماعية ومصالح المناطق الحضرية والريفية، والذي ساد في معظمه منذ عام 1910.
إذن، وكما قال لوك مانسيلوإن النتيجة ستعيد رسم ملامح المشهد السياسي، لكن السؤال البديهي هو هل حزب بولين هانسون "أمة واحدة" هو الحل؟
الجواب بكل بساطة لا، والسبب أن التصويت الأحتجاجي يعتبر رسائل سياسة من الناخبين للأحزاب الكبيرة لتأخذ بعين الإعتبار مشاكل الناس من غلاء كلفة المعيشة، وارتفاع أسعار الفائدة، وحل مسألة الأسكان ومقاربة قضية الهجرة مقاربة علمية بعيداً عن التجاذب السياسي، مع العلم ان معظم هذه القضايا لا يملك حزب أمة واحدة أجوبة عليها ألا الخطاب العنصري الذي يغذي الانقسام على حساب التناغم الأجتماعي حيث برزت تصريحاتها العنصرية ضد المسلمين الأستراليين واحتفاظها بنظرتها للمواطنين الأستراليين من أصول صينية.
حزب الأحرار الذي يعاني سياسياً وتدهور وضعه الانتخابي في المدن وخسر العديد من المقاعد الآمنة فيجولتي الانتخابات الفيدرالية السابقتين عامي(2022 و2025) لصالح النواب المستقلين بسبب غياب سياسة واضحة للطاقة والتغيير المناخي، واليوم يواجه تحدياً آخر لا يقل أهمية عن ذلك في المناطق الريفية كما حصل في مقعد فارير الأسبوع الماضي.
أمر آخر لا بد من أخذه بعين الإعتبار، وهو من يمول حزب أمة واحدة ودور المال السياسي، وقد بدى واضحاً أن قطب المناجم جينا رينهارت لعبت دوراً رئيسياً في فوز هانسون، وهي الني كانت قد اوعزت لصديقها بارنبي جويس بالاستقالة من الحزب الوطني والألتحاق بحب أمة واحدة، ومؤخراً كدليل على دعمها المادي غير المحدود لهانسون فقد اشترت لها طائرة لتسهيل تنقلاتها حول أستراليا للترويج لسياساتها.
السؤال الأخير، هل على حزب العمال الخشية من ارتفاع شعبية هانسون؟
بالطبع نعم، ولكن العمال اليوم في وضع سياسي مريح ويملكون أكثرية غير مسبوقة من 94 نائباً في مجلس النواب، وما دام اليمين السياسي في البلاد مشرذماً كما قال وزير الخزينة، إذا لم يتحالف الأحرار والوطني مع حزب أمة واحدة فلا يمكنهم الفوز بالانتخابات القادمة ، وهذا ما صرحت به بريدجيت ماكنزي، العضو البارز في حزب الوطنيين، بعد فوز هانسون الأسبوع الماضي حول إمكانية تعاون الائتلاف مع حزب "أمة واحدة" لتشكيل الحكومة في المستقبل.








