الثلاثاء، 23 يونيو 2026

مذكرة التفاهم الايرانية ــ الأمريكية، هل ستصمد؟


  

بقلم: د. عبدالله المدني*

كتب الكثير عن مذكرة التفاهم التي وقعت مؤخرا عن بعد بين النظام الايراني والولايات المتحدة الأمريكية، بوساطة باكستانية، لإنهاء حرب المائة يوم في الخليج العربي، وسوف تستمر الكتابة طويلا عن ظروفها وخفاياها وملابساتها وبنودها، وسط توقعات البعض بأنها لن تصمد، وستنهار عند أول اختبار حقيقي لها. أما أسباب واحتمالات انهيارها فكثيرة، لعل أولها أن الاتفاقية موقعة بين طرفين، كل منهما لا يثق في الآخر، حيث أن التجارب والسوابق التاريخية علمتنا أن الثقة المتبادلة بين طرفي أي نزاع، شرط أساسي لنجاح أي تسوية بينهما.

وفي الحالة التي أمامنا نجد أن العداء مستحكم بين واشنطن وطهران منذ قيام ما يعرف بجمهورية إيران الإسلامية في عام 1979، لإختلاف وتناقض سياسات وقيم ومباديء كل منهما. ما جعلهما منذ أكثر من أربعة عقود مضت في حالة صراع دائم بأدوات مختلفة، وهواجس وشكوك متبادلة، بل خلق لدى كل منهما نوازع انتقامية، خصوصا وأن النظام الايراني مارس الإرهاب بمختلف ألوانه ضد المصالح الأمريكية في كل مكان، وهو ما اضطرت معه واشنطن للرد عبر ملاحقة اتباعه ورموزه أو عبر تشديد الحصار وتضييق الخناق عليه.

يشتكي الإيرانيون من أن الولايات المتحدة لم تظهر منذ عام 1979 أي نوايا حسنة تجاههم، بل رفعت لواء التهديد والاعتراض ضد نظامهم الجديد منذ اليوم الأول، بينما يشتكي الأمريكيون من أن النظام الفقهي الإيراني خالف كل القوانين والنواميس الدولية المتعارف عليها في العلاقات بين الامم المتحضرة، ولم يثبت قط  إلتزامه بوعوده، وراح بدلا من ذلك يمارس الخداع عبر المناورة والتسويف والدجل والبلطجة وفبركة الأخبار وقلب الحقائق وتأسيس الميليشيات لزعزعة الأمن والسلم ونشر الفتن والقلاقل، استمرارا ومواصلة لسياسة التحريض على أمريكا والغرب والدول الحليفة، المترسخة في العقيدة الايرانية.

يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآن أنه سيحيل ما أتفق عليه مع إيران إلى الكونغرس الأمريكي لمراجعته. وعلى الرغم من صعوبة التكهن بالنتيجة، فإن طرح الاتفاقية للمناقشة أمام المشرعين الأمريكيين المختلفين في مواقفهم من الحرب الترامبية ونتائجها قد يفضي إلى اعتراضهم عليها أو على الأقل الإعتراض على بعض بنودها.

من جانب آخر، تشتد المعارضة الجماهيرية والشارعية في إيران ضد الاتفاقية، مدفوعة ومدعومة من قوى التطرف داخل النظام من تلك التي راحت تخوّن من تفاوض بإسم إيران، وتطالب باستقالته. وهذه الجماهير ــ بطبيعة الحال ــ تنطلق من القيم والخرافات والأساطير الدينية التي تمّ غرسها في رأسها، وفي مقدمتها قيم الرفض والمقاومة حتى الإستشهاد، فداء للمرشد والإمام الغائب.

وهناك إسرائيل التي أعلن رئيس حكومتها "بنيامين نتنياهو" صراحة معارضته الشديدة لأي بند في الاتفاقية ينص على الوقف الدائم لإطلاق النار على جميع الجبهات (بما فيها لبنان)، قائلا: "إن القوات الإسرائيلية سوف تستمر في القتال وستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وغزة وسوريا طالما دعت الحاجة لحماية بلادنا". وهو لئن أذعن صاغرا للمطالب الامريكية بوقف حربه على لبنان، فإن لا شيء يمنعه من معاودة الحرب في حال تحرش حزب الله الإرهابي بالجيش الاسرائيلي.

وإذا افترضنا أن شيئا مما سبق لم يعترض طريق الاتفاق اليوم، وسارت الأمور على مايرام، فإن أشياء أخرى قد تسقطها خلال مهلة الشهرين القادمين اللئين حددا للتفاوض حول القضايا المؤجلة والتي تشمل ملفات جوهرية مثل: برنامج إيران النووي، وصواريخها الباليستية، ومخزونها من اليورانيوم المخصب، وأذرعتها الميليشاوية الاقليمية في الشرق الأوسط.

وهنا يتوقع على نطاق واسع أن يحدث الصدام بين الطرفين المتفاوضين، فواشنطن لن تقبل بأقل من وقف طهران تخصيب اليورانيوم كليا، بينما الأخيرة ستصر على التخصيب كحق من حقوقها السيادية كدولة مستقلة، والشيء ذاته ينطبق على ملف الصواريخ البالستية التي لا يمكن للنظام الايراني التخلي عن صناعتها وتطويرها باعتبارها سلاحا لتخويف وابتزاز دول الجوار. أما برنامج إيران النووي، الذي قيل أن طهران إلتزمت بوقفه كبند متضمن في الاتفاقية الموقعة، فلا يوجد ما يضمن التخلي عنه تماما خصوصا وأن الإيرانيين كثيرا ما نقضوا وعودهم والتزاماتهم.

وفي رأينا ورأي العديد من المراقبين أن الاتفاق الموقع فقط أوقف حربا كشفت عما يمكن لطرفيها أن يفعلا في بعضهما البعض، وأعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري عن إيران، لكنه لم يصل إلى تسوية نهائية للصراع الامريكي الايراني، وإنما انتهى إلى هدنة ستكشف الأيام القادمة مدى صمودها، أو مدى حاجتها إلى هدنات أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م


الأحد، 21 يونيو 2026

إعادة كوريا الشمالية إلى بيت الطاعة الصيني


  بقلم: د. عبدالله المدني

لا تغرك عبارات الصداقة والتعاون والتضامن التي عادة ما تسبق أو تلي اللقاءات الصينية ــ الكورية الشمالية على أي مستوى. فخلفها توجد تعقيدات وتباينات كثيرة وغموض وعتب وحساسية، وإلا لما قام الرئيس الصيني "شي جينبينغ" مؤخرا بزيارة خاطفة ومفاجئة إلى بيونغيانغ لملاقاة نظيره الكوري "كيم جونغ أون"، وهي الزيارة الأولى له إلى العاصمة الكورية الشمالية منذ عام 2019.

لقد اعتاد زعماء الصين منذ زمن المعلم المؤسس "ماو تسي تونغ" ألا يقوموا بأنفسهم بزيارة عواصم حلفائهم الموثوقين، وعند وجود قضية تستدعي لقاء على مستوى القمة، كانوا يستدعون زعماء تلك الدول إلى بلاطهم في بكين. وهم لطالما استخدموا هذا الأسلوب مع الزعيم الكوري الشمالي الحالي "كيم جونغ أون"، ومن قبل مع والده وجده.

صحيح أن الصين شكلت طوال العقود الماضية الرئة التي تتنفس بها كوريا الشمالية، بدليل سيطرة الأولى على 95% من تجارة الثانية الخارجية، وذلك في ظل ما تعانيه بيونغيانغ من عقوبات وعزلة دولية بسبب سياساتها الرعناء ونظامها الحديدي القمعي وتهديد جاراتها بالباليستي والنووي. وصحيح أن الصين كانت سعيدة وراضية بهذا الوضع،  أي دوران كوريا الشمالية في فلكها بالكامل وإبداء الطاعة العمياء لها، مقابل تزويدها بالطعام والكساء والوقود والآلات والمركبات وكل أسباب الحياة والبقاء، تحت شعار "الأخوة الإشتراكية الخالدة". غير أن هذا الأمر يبدو أنه تغير خلال السنوات الأربع الماضية منذ أن بدأت بيونغيانغ التقرب من موسكو عبر تزويدها بالذخيرة وقذائف المدفعية في حرب الأخيرة ضد أوكرانيا، وصولا إلى قرار بيونغيانغ في عام 2024 بنشر ما لايقل عن 11 ألف جندي كوري شمالي للقتال إلى جانب القوات الروسية.

لقد أتاح هذا التطور في العلاقات بين موسكو وبيونغيانغ حصول الأخيرة على مكافأة مالية من الروس بمليارات الدولارات فاقت إجمالي قيمة تجارتها الخارجية لعام 2025 والتي بلغت نحو 3.3 مليار دولار، بل وحصولها ايضا على تكنولوجيا الطائرات المسيّرة المتقدمة، ومعدات الدفاع الجوي، والمساعدات الفضائية، والصواريخ المضادة للطائرات، وأنظمة الحرب الإلكترونية، علاوة على مفاعل نووي لغواصة.


وعلى هامش هذا التطور توثقت علاقات البلدين بقوة، وقام الزعيم الروسي فيلاديمير بوتين في عام 2024 بأول زيارة له إلى بيونغيانغ منذ عام 2000، وهذا بدوره لامس جنون العظمة عند كيم وجعله يعتقد أنه صار أكثر حرية في التصرف، ولعل ما زاده غرورا أنه عومل في بكين على قدم المساواة مع بوتين إبان مشاركتهما في احتفالات عيد يوم النصر الصيني في سبتمبر من العام الماضي.

لقد مثل تصريح كيم بأن مخططات بلاده النووية (المدعومة تكنولوجيا من موسكو) لا رجعة فيها، تحديا صريحا وهيكليا للصين، التي تنشد الإستقرار، ولا تريد سباقا نوويا في محيطها تشترك فيه سيئول وطوكيو، كي تواصل صعودها دون مآزق وانشغالات بملفات ثانوية، خصوصا وأن التصريح جاء قبيل بدء زيارة جينبيغ إلى بيونغيانغ. أما ارتماء كوريا الشمالية في احضان موسكو فقد عُدّ في بكين بمثابة تمرد على بنود معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة الموقعة في عام 1961 بين البلدين، والتي تمّ تجديدها للمرة الثالثة في سنة 2021، علما بأن بندها الأول ينص على تقديم مساعدات عسكرية فورية بكل الوسائل المتاحة في حال تعرض أي من الطرفين لهجوم. ومما لاشك فيه أن هذه المعاهدة جعلت الصين ضامنا وحيدا لكوريا الشمالية، لكن مع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وبيونغيانغ والموقعة في عام 2024 أصبح لدى نظام كيم الحديدي ضامن ثان.

يرى كيم نفسه اليوم غير معزول، ويجد أن بلاده صارت محل تنافس بين القوى العظمى في ظل نظام عالمي متصدع، ويرى في زيارة جينبينغ لعاصمته تجسيدا لحرص الصينيين على صداقته وانعكاسا لمخاوفهم من فقدانه كورقة ضغط ضد خصومهم، لتصبح هذه المخاوف أعظم رصيد يملكه.

يقول المراقبون أن كيم يخدع نفسه بهذه التصورات، لأن استراتيجية الصين الاقليمية تقوم على الاستفادة القصوى من كوريا الشمالية في مشاغبة الولايات المتحدة وحليفاتها الآسيويات، وفي هذا السياق لا مانع عند الصينيين من امتلاك بيونغيانغ لقوة نووية وباليستية متطورة محدودة، شريطة أن تبقى دولة مطيعة عازلة تدور في فلكهم وتأتمر بأوامرهم، دون تطلعات للعب أدوار خارجية أكبر من حجمها، كدورها في الحرب الروسية ــ الأوكرانية. والمفارقة هنا ــ ويالها من مفارقة ــ أن بكين شجعت بسذاجة كوريا الشمالية، في وقت من الاوقات، على نجدة روسيا لمنع انهيارها، فتعمقت الروابط بين بيونغيانغ وموسكو، بشكل بات يهدد نفوذ الصين السياسي في روسيا من جهة، وهيمنة الصين على قرارات كوريا الشمالية من جهة أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م




الثلاثاء، 9 يونيو 2026

تعاظم أهمية تحالف "كواد" الرباعي


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

يخطيء من يعتقد أن تحالف "كواد" الرباعي المكون من الولايات المتحدة الأمريكية والهند وأستراليا واليابان قد مات وانتهى أو تقلص دوره وأهميته. وبالمثل يخطيء من يعتقد أن مبرراته قد انتفت بعد القمة الأمريكية ــ الصينية الأخيرة في منتصف مايو الفائت. فهذه القمة لم تثمر عن شيء سوى "مكاسب اقتصادية محدودة وهدنة سياسية هشة مع استمرار التنافس الهيكلي العميق"، بحسب تعبير الزميل حسين شبكشي. 

ثم أن ظهور "كواد" في عام 2007 كحوار أمني رباعي وشراكة استراتيجية غير رسمية بمبادرة من رئيس وزراء اليابان الأسبق "شينزو أبي" كان هدفه الأساسي هو الحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهاديء حرة ومفتوحة، وضمان ازدهارها، في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد وسياسات بكين للهيمنة والتوسع وعسكرة المياه الدولية. والمعروف أن بكين سارعت بالتعبير عن قلقها من هذا التحالف وقت إطلاقه في 2007 ثم مرة أخرى وقت إحيائه في عام 2017، بل اعتبرته بمثابة "ناتو آسيوي" غرضه محاصرة الصين واستفزازها من خلال تبني عقلية الحرب الباردة، على الرغم من تأكيد أعضاء التحالف أن "كواد" لا يستهدف دولة بعينها، ويركز على التعاون في مجالات الملاحة البحرية ومراقبة الحدود وإلأمن البحري وأمن الطاقة والتكنولوجيات الحيوية.

ومما لا شك فيه أن مبررات وجود تحالف مثل "كواد" كقوة موازنة فعالة قد تضاعفت اليوم في ظل سياسات الإدارة الأمريكية الحالية، وما يجري في المضايق والمياه الدولية من صراعات، الأمر الذي يستدعي ــ من وجهة نظرنا ــ ضرورة تحويله من حوار أمني إلى تحالف رسمي مفتوح أمام دول مؤثرة أخرى.

نستطيع فهم أولئك الذين قالوا بموت "كواد" وانتفاء أهميته، فبعضهم ينطلق من موقف عدائي مطلق ضد واشنطون وسياسات ترامب، والبعض الآخر لا يستطيع إخفاء إعجابه بالنظام الصيني وسياسات الرئيس "شي جينبينغ"، والبعض الثالث بنى فرضيته على حقيقة أن قادة التحالف لم يعقدوا أي قمة منذ قمة ديلاوير بالولايات المتحدة عام 2024، وأن القمة التي كانت مقررة في نيودلهي العام الماضي قد ألغيت (كان السبب تدهور العلاقات الأمريكية ــ الهندية على خلفية حملة الرئيس دونالد ترامب الصارمة على الهجرة، وفرضه تعريفات جمركية عالية على الواردات من الهند، ناهيك عن التوترات الناجمة عن مشتريات الهند من النفط الروسي، والتقارب الأمريكي ــ الباكستاني).

ويبدو لنا أن هذا البعض الثالث غير قادر على استيعاب فكرة أن لكل دولة من دول "كواد" سياساتها الخاصة المستقلة وتتصرف بما يمليها عليها مصالحها الوطنية ولها أجنداتها الخاصة بالحفاظ على نفوذها وتعزيزها، وعليه فقد تختلف لكنها تلتقي عند نقطة مقاومة الطموحات الصينية التي تراها من وجهة نظرها مزعزعة للإستقرار في المحيطين الهندي والهاديء. ولأن الديناميكيات الهيكلية في منطقة المحيطين لم تعد على حالتها القديمة ببروز الصين كقوة اقتصادية وعسكرية وصناعية هائلة، ولأن التحديات الجيوسياسية أمام "كواد" تضاعفت، جاء قرار دول التحالف الأربع في عام 2017 بإعادة الحوار الأمني، بعد توقفه لفترة وجيزة. ومؤخرا عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعا في نيودلهي، وهذا وحده يكفي دليلا على حيوية واستمرار "كواد".

ويعتقد على نطاق واسع أن التحالف في طريقه إلى توسيع أهدافه وتعميقها، فمن بعد سنوات من التعاون السيبراني والاستخباراتي، والتدريبات والمناورات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات، وأعمال الإغاثة الانسانية، ومقاومة القرصنة البحرية، برزت اليوم الحاجة إلى التركيز على التعاون في البنية التحتية في المحيطين وفي مجالات الموانيء وكابلات الاتصالات البحرية والمعادن الحيوية النادرة وشبكات الخدمات اللوجستية وأمن المضايق والممرات الدولية.

ومن هنا كان إيلاء وزراء خارجية الدول الأربع اهتماما خاصا بمسائل مثل إنشاء موانيء مشتركة في فيجي ونيكوبار الكبرى، الأمر الذي يشير إلى تحول جيواقتصادي استراتيجي، وعودة الجغرافيا الاقتصادية لتصبح عاملا محوريا في ديناميكيات القوة. فوفقا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية فإن نحو 80% من التجارة العالمية تنقل بحرا عبر مسار يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الهندي فمضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي في المحيط الهاديء، كما يُنقل عبر هذا المسار المائي أكثر من 30% من تجارة النفط الخام العالمية ونحو 40% من شحنات الغاز الطبيعي المسال. والمعروف أن جزر فيجي، التي ادمجها "كواد" الآن في شبكة تحالفاته، تعد نقطة ارتكاز سياسية واقتصادية في جنوب المحيط الهاديء. أما جزيرة نيكوبار الكبرى الهندية فتعد بوابة حيوية للسيطرة على خطوط الملاحة البحرية كونها تقع عند المدخل الاستراتيجي لمضيق ملقا، وبالتالي تمثل نقطة مراقبة طبيعية هامة، تتيح للهند وشريكاتها إغلاق أو مراقبة الممرات الحيوية التي تعتمد عليها الصين في امدادات الطاقة والتجارة.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م




الجمعة، 5 يونيو 2026

الانتشار اللبناني يحشد التأييد الدولي ويدعم بناء الدولة وإرساء السلام


كتب الياس كساب، مي الريحاني، فيليب سالم


5 حزيران 2026


في ظلِّّ التحوّلاتِّ الكبرى التي تشهدها المنطقة، يقفُ لبنانُ أمام فرصةٍ تاريخيّةٍ نادرةٍ لإعادةِّ بناءِّ الدولةِّ واستعادةِّ قرارِّها السياديّ، بعيداً من منطقِّ الحروبِّ بالوكالة والمحاورِّ الإقليميّة. فبعدَ عقودٍ طويلةٍ من تحوّلِّه إلى ساحةِّ نفوذٍ وصراع، يبدو أنّ المجتمعَ الدوليّ، وفي مقدّمهِّ الولاياتُ المتحدة، بدأ يتعاملُ مع لبنانَ باعتباره دولةً يجبُ إنقاذُها واستعادةُ استقلالِّ قرارِّها، لا مجرّدَ ورقةٍ مرتبطةٍ بالتوازناتِّ الإقليميّة. وتبدو المقاربةُ الأميركيّةُ اليوم مختلفةً عن الماضي.

فواشنطن، مدعومةً بتوجّهٍ دوليّ وعربيّ، باتت تنظرُ إلى لبنان كملفٍّ مستقلٍّ يجبُ فصلهُ عن المفاوضاتِّ الإيرانيّةِّ وعن نفوذِّ أيّ قوّةٍ إقليميّة، سواء كانت إيران أو غيرها. وهذه المرّة، لا يبدو الهدفُ إدارةَ النفوذِّ الخارجيّ في لبنان، بل المساعدةُ على إنهاءِّ هذا النفوذ، وإعادةُ تثبيتِّ مفهومِّ الدولةِّ اللبنانيّةِّ السيّدة القادرة على احتكارِّ قرارِّ الحربِّ والسلم.

في هذا السياق، يبرزُ الموقفُ الجريءُ للحكم في لبنان وسطَ كمٍّ هائلٍ من الضغوطِّ الداخليّةِّ والخارجيّة، من أجل إعادةَ تثبيتِّ منطقِّ الدولةِّ والمؤسّسات. فخطابه السياسيّ، القائمُ على دعمِّ الشرعيّة، وتعزيزِّ دورِّ الجيش، وحصرِّ السلاحِّ بيدِّ الدولة، واستعادة قراري الحرب والسلم، والسعيِّ إلى إعادةِّ لبنان إلى الحضنِّ العربيّ والدوليّ، يشكّلُ نقطةَ تحوّلٍ أساسيّةً بعد سنواتٍ طويلةٍ من التردّدِّ والخضوعِّ لمنطقِّ الأمرِّ الواقع. وها نحن اليوم ننتظر الدولة من العبور من صنع القرار الى تنفيذه. ويبرز هنا أيضا دورُ الانتشارِّ اللبنانيِّّ في العالم، الذي شكّلَ عبرَ التاريخِّ امتداداً حيويّا للبنان، وحافظَ على حضورهِّ السياسيّ والثقافيّ والاقتصاديّ في المحافلِّ الدوليّة. فالانتشار، ولا سيّما في الولاياتِّ المتحدة، يمتلكُ اليوم قدرةً متزايدةً على التأثيرِّ في الرأيِّ العامِّّ وصنعِّ القرار، من خلالِّ شخصيّاتٍ أكاديميّةٍ واقتصاديّةٍ وإعلاميّةٍ وسياسيّةٍ بارزة، إضافةً إلى تنامي دورِّ اللوبي اللبنانيّ – الأميركيّ في الدفاعِّ عن فكرةِّ لبنانَ السيّدِّ المستقلّ.

إنّ نجاحَ هذه المرحلةِّ يتطلّبُ التفافَ اللبنانيّين حولَ مشروعِّ الدولة، ودعمَ المؤسّساتِّ الشرعيّة، لأنّ الفرصةَ الحاليةَ قد تكونُ الأهمَّ منذ عقود. فلبنانُ لم يعد يحتملُ أن يبقى منصّةَ رسائلَ عسكريّةٍ بين طهران وواشنطن، أو ساحةَ مواجهةٍ تُستعملُ لتحسينِّ شروطِّ التفاوضِّ الإقليميّ. المطلوبُ اليوم تثبيتُ معادلةٍ جديدة: لبنانُ أوّلاً، والدولةُ اللبنانيّةُ فوقَ كلِّّ المحاور.

وفي قلبِّ هذا التحوّل، تبرزُ أهميّةُ عودةِّ "حزب الله" الى حضن لبنان والمساهمة في بناء الدولة، بعيداً من الارتهانِّ للمشاريعِّ الخارجيّة وبعيدا من تنفيذ اجندة الحرس الثوري التابع لإيران الثورة الاسلامية. فشيعةُ لبنان كانوا دائما جزءاً أصيلاً من الهويّةِّ الوطنيّةِّ اللبنانيّة، وشاركوا في صناعةِّ نهضتِّها الفكريّةِّ والسياسيّةِّ والثقافيّة. ومن جبلِّ عامل خرج العلماءُ والمفكّرون وروّادُ الانفتاحِّ والمعرفة، لا دعاةُ الحروبِّ المفتوحة.

إنّ أيَّ تسويةٍ جديّةٍ اليوم لا يمكنُ أن تقتصرَ على وقفِّ إطلاقِّ النار أو الترتيباتِّ الأمنيّةِّ المحدودة، بل يجبُ أن تؤسّسَ لسلامٍ دائمٍ واستقرارٍ حقيقيّ. وهذا السلامُ لا يمكنُ أن يقومَ إلا على الضمانات الآتية:

أولاً، الضمان الأميركيّ، باعتبارِّ أنّ الولاياتِّ المتحدةَ هي الجهةُ الدوليّةُ الوحيدةُ القادرةُ فعليّا على الضغطِّ لضمانِّ احترامِّ أيِّّ اتفاقٍ أو تسوية، ومنعِّ تكرارِّ الحروبِّ والاعتداءات، كما أنّها الجهةُ الأكثرُ قدرةً على توفيرِّ الدعمِّ السياسيِّّ والعسكريّ والاقتصاديِّّ اللازمِّ لقيامِّ دولةٍ لبنانيّةٍ قويّة. وقد يحتاج ذلك الى ابرام معاهدة دفاع مشتركة بين الولايات المتحدة ولبنان.

ثانيا: ان نزع سلاح "حزب الله" لا يمكن تحقيقه بالقوة وحدها. فهذا يحتاج الى قرار سياسي تتخذه إيران. ومن هذا المنطلق فالانتشار اللبناني يطلب من الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن الإصرار على المفاوض الأميركي لإدراج بند في الاتفاق الأميركي - الإيراني، تتعهد فيه إيران بوقف تدفق المال والسلاح الى "حزب الله" وكل الاذرع العسكرية التي زرعتها في العالم العربي. 

ثالثاً، التطبيقُ الكاملُ للقراراتِّ الدوليّةِّ ذاتِّ الصلة، وفي مقدّمها القرار 1701 ، بما يضمنُ بسطَ سلطةِّ الدولةِّ اللبنانيّةِّ على كاملِّ أراضيها، وضبطَ الحدود، ومنعَ وجودِّ أيِّّ سلاحٍ خارجَ إطارِّ الشرعيّة، وترسيخَ مبدأِّ حصريةِّ قرارِّ الحربِّ والسلم بيدِّ الدولةِّ وحدها.

ومع الحديثِّ المتزايدِّ عن انتهاءِّ دورِّ القوة الدوليّةِّ بصيغتِّها الحاليّة، تبرزُ الحاجةُ إلى مقاربةٍ جديدةٍ أكثرَ فعاليّة. فالمطلوبُ ليس مجرّدَ مراقبةٍ هشّةٍ لوقفِّ النار، بل إنشاءُ قوّةٍ دوليّةٍ متعدّدةِّ الجنسيّة، تعملُ بتفويضٍ واضحٍ من الأممِّ المتحدة، وتساندُ الجيشَ اللبنانيَّ في تنفيذِّ مهمّاتِّه السياديّة، وعلى رأسها بسطُ سلطةِّ الدولة، وحمايةُ الحدود، وضبطها. غير أنّ نجاحَ أيِّّ قوّةٍ دوليّةٍ يبقى مرتبطا بإعادةِّ بناءِّ الجيشِّ اللبنانيّ نفسه. فالجيشُ يحتاجُ إلى تسليحٍ حديث، وتدريبٍ متقدّم، وزيادةٍ كبيرةٍ في عديدِّه وإمكاناتِّه اللوجستيّة، ليصبحَ قادراً فعلاً على تولّي مسؤوليّاتِّ الأمنِّ الوطنيّ كاملةً. فالدولةُ لا تُبنى بالشعارات، بل بمؤسساتٍ قويّةٍ تمتلكُ القرارَ والقدرةَ على تنفيذ القرار معا.

لقد تعبَ اللبنانيّون من الحروبِّ والانقساماتِّ والانهيارات، وهم اليوم أمام لحظةٍ مفصليّة: إمّا العودةُ إلى منطقِّ الدولةِّ والسيادةِّ والسلام، وإمّا البقاءُ أسرى لمشاريعِّ الخارجِّ وصراعاتِّه. وإذا نجحَ اللبنانيّون، ومعهم انتشارُهم الواسعُ في العالم، في التقاطِّ هذه الفرصةِّ التاريخيّة، فقد يكونُ ذلك بدايةَ ولادةِّ لبنان جديد، يستعيدُ سيادتَه، ويعودُ مساحةً للحياةِّ والتعدديّةِّ الحضارية والانفتاح، فيستعيد دوره وطن الرسالة، بدلَ أن يبقى ساحةً لحروبِّ الآخرين .


بين أن نثبت للعالم أنّنا شعبٌ ميؤوسٌ منه، فنستحق الوصايات، أو أنّنا شعبٌ جديرٌ بالحياة، ويستحق السلام. انها ساعة الحقيقة. وأكثر ما يحتاج لبنان في هذه الساعة، القادة.

الأربعاء، 3 يونيو 2026

الذكاء الاصطناعي يقود اقتصادات شمال شرق آسيا


 بقلم: د. عبدالله المدني*

في تايوان واليابان وكوريا الجنوبية تحولات اقتصادية كبرى بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي عالميا، وحماس المستثمرين حول العالم للإستثمار في هذا المجال الواعد (إنفيديا الأمريكية قررت إستثمار 150 مليار دولار سنويا في تايوان مثلا)، وهيمنة شركات هذه الدول الناهضة على كبريات شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية مثل تي إس إم سي (TSMC) التايوانية، وسامسونغ الكورية، ورابيدوس وكوكيا اليابانيتين.

ففي تايوان إرتفعت أسهم شركة (TSMC) هذا العام بنسبة 42% من المؤشر القياسي للبلاد الذي إرتفعت قيمته السوقية اليوم إلى نحو خمسة تريليون دولار أمريكي، وهذا يعني ان موقع تايوان في الصدارة، وأن ازدهارها لا يمكن ايقافه طالما استمر زخم الطلب على الذكاء الإصطناعي، بدليل أن أرقام الصادرات تؤكد ذلك، حيث ارتفع اجمالي الصادرات هذا العام بنسبة بلغت 47.8% عن العام الماضي. ومن ضمنها نمو بنسبة 40.5% في تصدير الرقائق الإلكترونية، ونمو بنسبة 84% في تصدير الآلات والمعدات الكهربائية.

وبعبارة أخرى يمكن القول أن تايوان، الصغيرة مساحة وسكانا، صارت واحدة من أبرز الدول المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، وأصبح نموها وثروتها مرتبطان ارتباطا وثيقة بالطلب العالمي على الرقائق وأجهزة الذكاء الاصطناعي، وهذا بدوره حوّل هذه السلعة إلى قلب نابض لإقتصاد تايوان التي باتت تجني قيمة مضافة في كل مرة يُحسّن فيها العالم قدراته الحاسوبية والرقمية.  إذ حقق إقتصاد تايوان نموا هائلا بنسبة 13.7% في الربع الأول من العام الجاري، وهو أسرع معدل نمو له منذ عام 1987.

وفي كوريا الجنوبية، نجد ديناميكية مماثلة ونموا اقتصاديا مشهودا بدليل ارتفاع مؤشر كوسبي هذا العام ارتفاعا ملحوظا بلغت نسبته 90%، بفضل عملاقي صناعة الرقائق الإلكترونية: شركتا إس كيه هاينكس (SK HYNIX) وسامسونغ إليكترونيكس اللتان حققتا قفزة بنسبة 215% و 149% على التوالي. ومما لاشك فيه أن هذا التطور يمنح رئيس البلاد "لي جاي ميونغ" فرصة طال انتظارها لإنقاذ البلاد من حالة الركود وتنفيذ تعهداته بسياسة مالية توسعية جريئة لدعم الأسر والشركات. ويمكن القول أن أكبر المستفيدين من هذا التطور هو "صندوق المعاشات التقاعدية الوطني".  والمعروف أن أصول هذا الصندوق ارتفع من 805 مليار دولار في عام 2024 إلى 970 مليار دولار في العام الماضي، ووصل اليوم إلى نحو 1.2 تريليون دولار.

أما اليابان، ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، فقد شهدت هي الآخر انتعاشا ملحوظا بسبب استفادة المصارف وشركات الإليكترونيات ومنتجي الآلات من زخم سوق الذكاء الإصطناعي، بدليل ارتفاع مؤشر نيكاي 225 (المؤشر الرئيسي والأكثر شهرة لسوق الأسهم اليابانية) إلى مستويات قياسية تجاوزت 67000 نقطة. وبعض الفضل في هذا الانتعاش الاقتصادي يُعزى إلى رواج استراتيجية يولو (YOLO) الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقها جيل الشباب، ومحورها إنفاق الدخل على السفر والتمتع بالحياة واكتساب التجارب، ورفض العمل الإضافي المرهق، وتحقيق توازن أفضل بين الحياة والعمل، بدلا من الإدخار والاستثمار في العقارات الذي كان يميز الثقافة اليابانية. ويرى بعض المراقبين أن عدم تأثر سوق الذكاء الاصطناعي في اليابان كثيرا بتداعيات الحرب الإيرانية هو ثمرة سنوات من إصلاحات حوكمة الشركات وتحسين القدرة التنافسية وسياسات التوازن المثالية القائمة على تضخم معتدل وخروج سلس من سياسة أسعار الفائدة السلبية من قبل بنك اليابان المركزي.

يبقى أن نشير، إلى أن بعض المراقبين المتشائمين حذر من مشكلة التفاؤل المفرط، قائلا ما مفاده أن أي سوق لا يرتفع إلى الأبد، ومآله الهبوط، وأن هذا قد ينطبق على سوق الذكاء الإصطناعي المنتعش حاليا. ولإثبات صحة نظريته، أشار هذا البعض إلى ما حدث في أعقاب طفرة الراديو في العشرينات، وجنون الإنترنت في سبعينات القرن العشرين من انهيارات ووصول أسواق الإسهم إلى حافة الهاوية.

ونختتم حديثنا بالقول أن على تايوان واليابان وكوريا الجنوبية أن تستفيد من الزخم الناجم عن نمو الطلب على الذكاء الإصطناعي لجهة تنويع محركات النمو الاقتصادي بعيدا عن الصادرات نحو الطلب المحلي، وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، تنشيط إصلاحاتها وإعادة هيكلة نماذجها الاقتصادية، وذلك تفاديا لأي خلل في سلاسل التوريد العالمية جراء أحداث سياسية فجائية مثل الحروب وتعطيل حركة الملاحة الدولية من جهة، وبالنتجة تفاديا لأي تباطؤا في قطاع الذكاء الإصطناعي قد تنهار معه التقييمات الحالية فيتسابق جراءه المستثمرون إلى بيع أسهمهم للعودة إلى الأوضاع الاقتصادية السابقة من جهة أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م