الأربعاء، 29 يوليو 2026

سنغافورة وأندونيسيا .. أي نمط من العلاقات


 بقلم: د. عبدالله المدني*

نظرة صغيرة إلى خارطة العالم تكفي لمعرفة مدى الفارق الكبير بين دولة المدينة الواحدة السنغافورية وجارتها الأندونيسية المكونة من 17 ألف جزيرة، على أن الفوارق تتعدى المساحة إلى الثقل السكاني والموارد الطبيعية والمكانة الدولية ونمط التحالفات الخارجية وغيرها، وهي فوارق هائلة لكنها لم تمنع البلدين من تأسيس علاقات تعاون وطيدة في الإطار الثنائي من خلال قمم رؤسائهما السنوية أو في الإطار الجماعي من خلال عضويتهما في منظومة آسيان الجنوب شرق آسيوية.

صحيح أن الفوارق الجغرافية والاقتصادية والبشرية بين البلدين، حتمت أحيانا تباينا في المواقف السياسية، إلا أنهما بصفة عامة نجحتا على مدى العقود الماضية في تقديم نموذج عالمي لما يجب أن تكون عليه علاقات الدولة الصغيرة بالدولة الكبيرة. ويبدو أن تلك الصيغة، التي أرساها قادة البلدين التاريخيون، مستمرة اليوم في ظل القادة الجدد الحاليين، والذي يمثلهم اليوم في جاكرتا الرئيس "برابوو سوبيانتو"، وفي سنغافورة رئيس الحكومة "لورانس وونغ"، اللذين عقدا مؤخرا قمة في جاكرتا، شدت أنظار المراقبين، بسبب انعقادها في وقت يمر فيه العالم والإقليم بتحولات وتوترات وحالة من عدم اليقين، خصوصا مع الصراع الدائر حاليا بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز، وهو صراع ولّد قلقا في سنغافورة وجاكرتا حيال مستقبل مضيق ملقا الاستراتيجي والحيوي لتجارة البلدين.

يجمع المراقبون على أن الرجلين يحاولان بطرق برغماتية أن يتغلبا على بعض الخلافات والتوترات الطارئة بين بلديهما، والتي عادة ما تحجبها المصافحات الحارة، والعبارات الدبلوماسية، ومظاهر الإستقبال والحفاوة. 

من هذه الخلافات أولا الهواجس والشكوك السنغافورية حول النزعة القومية المتزايدة في أندونيسيا لجهة السيطرة على الموارد وطرق توجيهها وإدارتها، ومنها ثانيا المنافسة المحتدمة بين الصندوق السيادي الأندونيسي المعروف باسم "داننتارا"، وصندوقي السيادة السنغافوريين "تيماسيك" و"جي آي سي" حول الاستثمارات والاستحواذات، ومنها ثالثا تردد جاكرتا في تصدير رمال البحر والرواسب إلى سنغافورة لمساعدة الأخيرة على استصلاح أراضيها، وهو ما تنظر إليه الحكومة السنغافورية على أنه موقف غير ودي يعيق توسعها العمراني، ومنها رابعا شكوى أندونيسيا من أن سنغافورة تتعامل معها على أنها مجرد مصدر للمواد الخام الرخيصة، وليست عملاقا اقتصاديا لا يمكن تجاهله.

كانت تلك نماذج من الخلافات التي  يحاول الطرفان تجاوزها أو إيجاد الحلول لها وفق تسويات براغماتية، لأن كلا منهما في حاجة إلى الطرف الآخر. فسنغافورة، الصغيرة مساحة والمكتظة سكانا، مثلا بحاجة إلى أندونيسيا لجهة مساعدتها في امتلاك امتدادات ومساحات جغرافية للتوسعة العمرانية، ولتلبية احتياجياتها من الطاقة النظيفة، إذ أنها تفتقر إلى أراضي شاسعة لإنشاء بنية تحتية واسعة للطاقة المتجددة (بدون كهرباء نظيفة من أندونيسيا تخاطر مراكز التصنيع والبيانات السنغافورية بفقدان قدرتها التنافسية العالمية). وهي في الوقت نفسه بحاجة إلى ضمانات لإستقرار سلاسل التوريد (الزراعية والغذائية تحديدا)، وإلى الأسواق الإندونيسية الواسعة لتسويق منتجاتها المالية والتكنولوجية.

أما أندونيسيا فهي بحاجة إلى خبرات وتجارب السنغافوريين المتراكمة في إدارة المشاريع والموارد بنجاح ودون هدر أو فساد، وبحاجة إلى تأسيس شراكات معهم في مجال تعزيز صناعاتها التحويلية المحلية لترسيخ الاعتراف بثقلها الاقتصادي في إقليم جنوب شرق آسيا، وفي مجاات البنية التحتية الرقمية وشبكات الكهرباء العابرة للحدود وتكنولوجيات الطاقة النظيفة. كما أنهم ينظرون إلى سنغافورة كمصدر لإستثمارات بمليارات الدولارات، بينما تريد سنغافورة ضمانات قانونية بألا تتأثر إستثماراتها بتقلبات الداخل اإندونيسي. وبإختصار شديد هناك اعتماد متبادل، غير متكافيء، بين البلدين.

ولا يكتمل الحديث عن العلاقات الإندونيسية السنغافورية، المتميزة بصفة عامة بالإستقرار، دون التطرق إلى تأثرها من وقت إلى آخر بالتنافس بين بكين وواشنطن. فسنغافورة رغم أنها تعمل كقناة مالية رئيسية لتدفق روؤس الأموال الصينية إلى الخارج، فإنها تحافظ على تحالف عسكري واستراتيجي مع الولايات المتحدة. وبالمثل فإن أندونيسيا تحاول موازنة نفوذ بكين الاقتصادي الهائل بعلاقات دفاعية متينة مع الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الغربيين. غير أن نقطة الخلاف هنا تكمن في مخاوف سنغافورة من أن تنجرف إندونيسيا بشكل مفرط إلى فلك بكين الاقتصادي، فيختل التوازن الامني في بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، وهذه المخاوف تقابلها مخاوف في جاكرتا من اندفاع سنغافورة في المخططات الأمنية الأمريكية بصورة  تثير التنين الصيني وتستفزه، أو تقوض وحدة منظومة آسيان



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يوليو 2026م

 


الثلاثاء، 21 يوليو 2026

أزمة في اليابان عنوانها التجنيد العسكري


 بقلم: د. عبدالله المدني

أثناء مطالعاتي الصباحية للصحف الصادرة في شرق آسيا باللغة الانجليزية، وقع نظري على خبر تداولته تلك الصحف، بينما لم أجد له أثرا في صحافتنا العربية، ولو بصورة مقتضبة.

الخبر يتعلق بتصريح أدلت به النائبة اليابانية المعارضة "تشيكاجي كوغا" في منتصف يونيو المنصرم، خلال جلسة للغرفة العليا للبرلمان الياباني، وقالت فيه مامعناه أن "قوات الدفاع الذاتي" اليابانية تتألف في معظمها من أبناء الأسر المتعثرة، لأن أبناء الأسر الميسورة لا يلتحقون بها.

أثار هذا التصريح، الذي يشيء بوجود خلل معياري داخل المؤسسة الدفاعية اليابانية لجهة التجنيد، موجة من التعليقات المضادة. إذ سارع وزير الدفاع الياباني "شينجيرو كويزومي" إلى رفضه جملة وتفصيلا، خصوصا وأن صاحبته لم تقدم دليلا على مزاعمها. وهو ما دفع النائبة "كوغا" إلى سحب تصريحها والاعتذار للأمة. كما أن حزبها الدستوري الديمقراطي أصدر توبيخا بحقها.

الحدث وما تلاه من ردود أفعال فتح باب النقاش على مصراعيه، خصوصا وأن البلاد تمر بتحولات في سياساتها الدفاعية منذ مجيء رئيسة الحكومة الحالية "ساناي تاكائيتشي" إلى السلطة بتخويل شعبي كاسح، وببرنامج طموح للتغيير داخليا وخارجيا.

صحيح أن اليابان اوقفت التجنيد الالزامي، بل وألغته رسميا منذ مايو 1947، تمشيا مع دستورها السلمي الجديد لحقبة ما بعد الحرب، فأصبح الانضمام إلى جيش الدفاع الذاتي تطوعيا بالكامل لمن يبلغون سن 18 عاما. وصحيح أن البلاد تعاني اليوم من مشكلة سكانية تتمثل في انخفاض أعداد المواليد وارتفاع أعداد المسنين، وهو ما خلق بدورة مشكلة في جيش الدفاع الذاتي لجهة تجنيد العناصر. لكن الصحيح أيضا أن ما زعمته النائبة المعارضة حول التجنيد القائم على الفقر عار عن الصحة.

إن فكرة "التجنيد القائم على الفقر" قد تكون صحيحة في الولايات المتحدة ــ كما يقول "بيتر تشاي" الباحث المشارك في كلية العلوم السياسية والاقتصادية بجامعة واسيدا بطوكيو في أحد مقالاته ــ فالجيش الأمريكي يستقطب في صفوفه الكثيرين من الشباب المفتقرين إلى خيارات أخرى، لاسيما وأن العمل العسكري يحقق لهم الوجاهة الاجتماعية ويمنحهم مزايا اقتصادية كالتأمين الصحي الشامل وتمويلات التعليم والسكن المريح. أما في اليابان فلا ينطبق هذا الطرح لأسباب كثيرة منها أن البلاد تتمتع بمعدلات توظيف شاملة للخريجين من الشباب الذين ينهون دراستهم، بمعنى أنه يمكنهم الاختيار من بين قائمة طويلة من الخيارات المدنية المتنوعة، ومنها أيضا وجود نظام رعاية صحية شاملة ونظام تعليم مجاني راق ونظام إسكان متقدم، فلا يحتاج الفرد الياباني للإلتحاق بالجيش من أجل هذه المزايا. وتشير الإحصائيات المتوفرة إلى أنه في عام 2023 توفرت 3.5 فرصة عمل لكل باحث عن وظيفة من المتخرجين الجدد من المرحلة الثانوية في اليابان وبالتالي لا دليل على أن جيش الدفاع الياباني كان الملجأ الرئيسي المتاح أمام الشباب الأقل حظا من الناحيتين التعليمية والاقتصادية.

يقودنا الحديث السابق إلى سرد بعض مما أورده الباحث بيتر تشاي في بحثه المشار إليه آنفا حول نظرة اليابانيين إلى "قوات الدفاع اليابانية" منذ العقود الأولى لتأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ففي العقود الأولى التي تلت الحرب مباشرة كانوا ينظرون إليها بعين الشك والريبة، لاسيما وأنها كانت وقتذاك محل نقاشات شعبية حول دستوريتها. تلك النظرة السلبية النافرة تحولت تدريجيا في العقود اللاحقة إلى نظرة إيجابية داعمة، خصوصا في أعقاب انخراطها في أنشطة إنسانية داخليا وخارجيا، كأعمال الإغاثة والانقاذ ونزع الألغام، والمشاركة في قوات حفظ السلام الدولية.

وهناك ثمة مفارقة تسترعي الانتباه. فعلى الرغم من أن نتائج استطلاع للرأي أجري في يناير المنصرم كشف أن 90% من الشعب الياباني معجب بأداء جيش الدفاع الذاتي، غير أنهم لا يترجمون هذا الإعجاب بالانخراط في صفوفه، بدليل أن 9% منهم فقط (طبقا لإستطلاع أجري عام 2024) مستعدون للإلتحاق بالجيش للدفاع عن اليابان.

مما لاشك فيه أن 9%، نسبة ضئيلة جدا، بل واحدة من أدنى النسب المسجلة بين دول العالم. وهنا نتوقف لنقول أن الفجوة الكبيرة بين الإعجاب بالجيش ورفض خدمته تكتسب أهمية بالغة في هذا المنعطف من تاريخ اليابان، والذي تحاول فيه رئيسة الحكومة تاكائيتشي دفع البلاد نحو استراتيجية دفاعية طموحة، تشمل زيادة الانفاق الدفاعي ليصبح 2% من الناتج المحلي الاجمالي، وتزويد الجيش بأسلحة متطورة بعيد المدى، وتعديل بنود الدستور الحائلة دون انخراط البلاد في الأعمال القتالية الخارجية من أجل الأمن والسلام، والإضطلاع بدور أمني إقليمي أكثر نشاطا واستجابة لمتطلبات الاستقرار في شرق آسيا. وبطبيعة الحال فإن طموحات تاكائيتشي لا يمكن تحقيقها برفع كفاءة السلاح دون رفع أعداد المجندين.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يوليو 2026م

 



الاثنين، 13 يوليو 2026

الذكرى السنويّة الأولى للمجزرة في السويداء ومثلّث برمودا؛ الشرع، إسرائيل والهجري




وقفات على المفارق

** فاتحة: هذه الوقفات لـ "طويلي البال"، فالمناسبة وتداعياتها وآفاق الحلّ تستأهل، وفيها وقفات مع: (1) البراء من الهوى والبصر والبصيرة (2) القرائن والوقائع والقول الفصل (3) التفاهمات الإسرائيليّة السوريّة (4) الخاصرة الرخوة والعود الأحمد (5) الشرع والطبيخ بالمرقة (6) الخيارات بين فكّ الخناق والدولة الديموقراطيّة (7) الأُنشوطة (العُقدة) والعفو العام!

** الوقفة الأولى.. والبراء من الهوى والبصر والبصيرة.

أن تكتب في أيّ شأن بتجرّد وبراء من الهوى ليس بالأمر السهل، ولكنّك تستطيع أن تفعل رغم الطبيعيّة الإنسانيّة إن اتّخذت من الوقائع والقرائن بوصلة. وحينها حتّى لو اجتهدت فيها فلن تعدم البصر والبصيرة وتميل عن سواء السبيل إلى نجم الشمال\ النجم القطبيّ. أن نبنّي موقفًا اعتمادًا على الهوى والعصبيّة العمياء دون القرائن وحدوثها سنبقى نحارب طواحين الهواء شأننا شأن "دون كيشوت" بطل الكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا في روايته الشهيرة.     

** الوقفة الثانية.. والقرائن والوقائع والقول الفصل.    

في هذه الوقفات سأعمل قدر المستطاع على الحيدة عن الاجتهاد وأترك للقرائن والوقائع "أن تتكلّم" علّها تنير لنا طريق الخلاص من "جهنّم الباشان". وَ "جهنّم الباشان" هذه ليس اجتهادًا منّي هي صرخات الضحايا التي تملأ الدنيا والصادرة عمّن يتيسّر لهم الصراخ في السويداء وذويهم خارجها وفوّهات البنادق لهم في المرصاد، فـ %40 على الأقلّ من دروز سورية يعيشون في مناطق مختلفة خارج "الباشان"، عدا عشرات الآلاف من المغتربين جسدًا المقيمين روحًا وأهلًا في سورية. وأمّا القرائن:

2أ_ يوم 8 كانون الأوّل 2024 سقط النظام السابق. وما كادت تهدأ احتفالات "ساحة الكرامة" في الجبل حتّى خرج الـ "مانيفستو الهجري" بالدولة العلمانيّة (!). وما كاد يحلّ 14 كانون الأوّل 2024 حتّى عقدت "قيادات" الطائفة في إسرائيل اجتماعًا وعلى جدول أعماله وقف التهجّمات على الشرع التي بدأت تغزو وسائل التواصل من شخصيّات درزيّة إسرائيليّة تحت شعار: "هذا يضر في جماعتنا!"، وكان الشيخ الهجري نجم الاجتماع ويخاطب الاجتماع بكلمة هاتفيّة يشيد فيها بقيادات الدروز في إسرائيل وبإسرائيل، ويُطمأن من ناحيتهم أنّ إسرائيل في ظهر الدروز!

2ب_ على ضوء "المانيفستو" توالت الاتصالات بين السلطة الجديدة في دمشق والجبل وتوالت الاجتماعات واللقاءات والبيانات، كلّ متابع يعرفها، وفي صلبها الـ "مانيفستو". أوصلت كلّ هذه إلى توافقات 12 آذار 2025 في دارة الشيخ الهجري في قنوات، وبدأ تنفيذ التوافقات.

2ت_ 14 آذار 2025، تمامًا يومين بعد التوافقات، يدخل وفد مشايخ من بلدة حظر إلى إسرائيل رغم استنكار فاعليّات حظر ببيان عامّ واضعٍ النقاط على الحروف!!! وكتبنا؛ الحركة التقدميّة حينها: "هذا الوفد هو استغلال سياسيّ رخيص لمحتلّ (حضر) على يد محتّل (إسرائيل) احتلّت البلدة كما غيرها مُقطّعةً بأهلها السبُل لموطنها وأهلها في الوطن...  هذا الوفد، بشكله وتوقيته، هو حلقة في اللعبة الإسرائيليّة التي تلعبها إسرائيل في سوريّا لدقّ الأسافين بين مكوّنات الشعب السوريّ وبين الدروز أنفسهم؛ سوريّا وإقليميّا، خدمة لمخطّطاتها ومخطّطات من وراءها في المنطقة، مستغلّة الواقع المعقّد في سوريّا والمنطقة."        

2ث_ 25 نيسان 2025، في عزّ العمل على تنفيذ توافقات آذار، يدخل وفد ضخم من قرابة الـ 500 رجل دين من سورية، وكثير منهم هذه المرّة من السويداء، يدخلون إسرائيل لزيارة دينيّة!!! وَ "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!".. فهلّل غالبيّة الدروز وكبّروا، اللهم إلّا صوت "الحركة التقدميّة للتواصل" والتي أصدرت مرّة أخرى بيانًا محذّرة من هذا التصرّف وأبعاده. 

2ج_ ما كاد يعود الوفد انفجرت الصدامات في جرمانا وأشرفيّة صحنايا، ونفّذت عمليّات تنكيل وحشيّة. وقفت إسرائيل موقف المتفرّج اللهم إلّا من إلقاء بعض المفرقعات الـ "نتانياهويّة" والـ "كاتسيّة" حول القصر الجمهوري، فأُسقِط في يد "القيادات" الدرزيّة الإسرائيليّة وتغيّرت لهجتها وتوجّهاتها كليّا. لتصدر بيانًا مطوّلا يوم 1 أيّار 2025 اختُتم بالآتي: " نتوجه إلى كافّة أطياف الشّعب السّوريّ، مُناشدين إيّاهم بوأد الفتنة واجتثاث الطّائفيّة، والامتناع عن الانجرار وراء الجهات الإرهابيّة، الّتي تعرّض السّلم الأهليّ للخطر الجسيم، مع التأكيد على شجب واستنكار كلّ إساءة للأنبياء والرّسل والأديان، وعلى وجه الخصوص الرّسول العربيّ الكريم وخاتم النّبيّين عليه أتمّ الصّلاة والسّلام."

2ح_ حوصر الأمر في جرمانا والأشرفيّة وتمّت العودة إلى التوافقات يوم 1 أيّار 2025. وهدأت الأمور نسبيّا وسط متابعة التواصل لحلّ، فهدأت الأمور على كلّ المحاور. ومرّة أخرى وفق بيان القيادات أعلاه جاء: "وفق المعلومات الموثوقة الّتي تردنا حتّى الآن من الأخوة والأهل في سوريا، فهناك هدوء نسبيٌّ مشوبٌ بحذر كبير، مع وجود تطوّرات مُتجدّدة على مدار السّاعة."   

2خ_ بين 11 تمّوز الـ 13 منه حدثت أعمال خطف وخطف متبادل أدّت إلى اشتباكات مسلّحة دار رحاها في السويداء وحيّ المقوّس البدوي وغيرها، وتفاقم الوضع. (لجان التحقيق الدوليّة) 

2د_ يوم 12 تمّوز 2025 كان الشرع يزور أذربيجان، وعلى هامش زيارته يلتقي في باكو عاصمة الدولة ممثّلون عن الولايات المتّحدة وإسرائيل وسلطة دمشق وممثّل الأمم المتّحدة. 

2ذ_ يوم 14 تمّوز تمّ لقاء جمع وجهاء دروز ووجهاء العشائر البدوية، تمّ فيه الاتفاق على إطلاق سراح كافة المختطفين كخطوة أولى ضمن مساعٍ لتهدئة التوتر وخفض التصعيد، فتم الافراج عن المختطفين الدروز في حي المقوس، واستلمت مجموعة السيد عقبة الشاعر المختطفين البدو. غير أنّ هذه التوافقات لم تعش طويلًا وبدأت تظهر المعلومات عمّا يُرتكب في قرى المقرن الشمالي الغربيّ والغربيّ من الجبل وصولًا إلى السويداء، يعني منذ الـ 13 وخلال الـ 14 والـ 15 كانت الانتهاكات الهمجيّة تُرتكب على الهوية الدينية، قامت بها مجموعات جهادية متطرفة تابعة للجيش والامن العام، ومن قبل جهاديين يرتدون زي الجيش. (لجان التحقيق الدوليّة)

2ر _ كيف دخلت هذه الجحافل الهمجيّة وقامت بما قامت به؟! كيف سقطت السويداء العاصمة؟! وَ36 قرية بهذه السرعة؟! أين كانت جحافل "المضافات والجوفيّات" تاركة حماة هذه القرى الأبطال وأهلها لقمة سائغة في يد الهمج؟! أو كانت تذود عن عرين الشيخ في قنوات، والذي كان أصدر بيانًا مرحّبًا بدخول "قوّات الأمن" ما فتئ أن تراجع عنه مطلقًا صيحة "يا غيرة الدين" مدّعيًا أنّه كان أجبر على إصدار بيانه الأوّل!؟ ومن يا ترى القادر كان على إجباره؟!؟!

2ز _ وفي حوالي الساعة 14:30 ظهر الـ 15 تدخل سلاح الجو الإسرائيلي واستهدف تجمعاً لقوات الأمن العام في محيط مبنى قيادة الشرطة وسط مدينة السويداء، بعد ساعتين من قصف استهدف تجمعاً آخراً قرب مبنى فرع الأمن الجنائي.. صحّ النوم!  (لجان التحقيق)

وصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزيره كاتس أن القصف الذي شنّته إسرائيل تجاه الأراضي السورية جاء بدعوى حماية الدروز، استنادًا إلى ما وصفاه بـ "التحالف الأخوي العميق" مع أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل. وأكدا أن دخول الجيش السوري إلى المنطقة الجنوبية المحاذية للحدود الإسرائيلية يمثل انتهاكًا لسياسة نزع السلاح وتهديدًا لأمن إسرائيل. (وسائل الإعلام) ... طيّب كيف دخل؟!؟!

2س_ تحقّق "على التمام والكمال" ما أرادت إسرائيل وأدواتها؛ فوُئِد التوجّه الأكثريّ الذي كان سائدًا في الجبل والداعي إلى ترتيب العلاقة مع السلطة الجديدة حسب تفاهمات آذار 2025، وتوُّج الشيخ الهجريّ زعيمًا أوحدَ للجبل أو ما تبقّى من الجبل المليء بالمهجّرين وراح ينفّذ الـ "مانيفستو الهجري" في دولة الباشان؛ العلمانيّة الديموقراطيّة حليفة الدول المتحضّرة؛ الولايات المتّحدة وإسرائيل والإمارات!!!

2ش_ وصدرت البيانات تباعًا من شيوخ العقل الثلاثة وفيها: "٢- دعوة للتدخل الدولي: مطالبة بضرورة تدخل المجتمع الدولي لوقف الاعتداءات. ٣- طلب لجنة تحقيق: دعوة لتشكيل لجنة تحقيق دولية لتوثيق الجرائم.". 

2ص_ تدخّل مجلس الأمن وأصدر قراره يوم 10 آب 2025 وجاء فيه: "وقال المجلس في بيانه الرئاسي- الذي يصدر بإجماع أعضائه الخمسة عشر: "يجب على السلطات السورية المؤقتة أن تضمن مساءلة جميع مرتكبي أعمال العنف وتقديمهم إلى العدالة بغض النظر عن انتماءاتهم. ويحيط مجلس الأمن علما كذلك بقرار إدارة شؤون الدفاع التابعة للسلطات السورية المؤقتة إنشاء لجنة للتحقق من انتماءات الأفراد الضالعين في أعمال العنف وخلفياتهم، ويشدد على أهمية الشمول والشفافية في عمليات العدالة والمصالحة وضرورتها الملحة لإحلال السلام المستدام في سوريا". الشيخ الهجري: No!

2ض_ طيّب.. وحدث التدخّل الدولي كما طلب المشايخ وصدر بيان عمّان الثلاثي يوم 16 أيلول 2025 ملبيّا المطالب بالتمام والكمال تقريبًا، غير أنّ الغريب أن الهجري يرفضه!

2ط_ تقرير منظّمة الحقوق الدوليّة 15.1.26 15 ، وفيه: "إن القوات الحكومية السورية والجماعات المسلحة البدوية والدرزية المحلية مسؤولة عن انتهاكات جسيمة خلال الاشتباكات في محافظة السويداء الجنوبية في سوريا في يوليو/تموز 2025. ينبغي للسلطات السورية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من جميع الأطراف، بما يشمل الملاحقة الملائمة بحق القادة العسكريين وكبار المسؤولين الذين أمروا بارتكاب الانتهاكات أو يتحملون تبعات جرائم الحرب بموجب مسؤولية القيادة." الهجري: No!

2ظ_ تقرير لجنة التحقيق الدولية آذار 2026: وفيه: "يرحب المجلس الوطني لحقوق الإنسان بصدور تقرير لجنة التحقيق الدولية (A/HRC/61/CRP.7) كوثيقة إدانة تاريخية توثق الجرائم المرتكبة في السويداء. ويعرب المجلس عن قلقه البالغ حيال الحصيلة الدموية المرعبة التي بلغت 1,707 قتلى في المجتمع الدرزي المحلي (بينهم 1,190 رجلاً، و99 امرأة، و22 صبياً، و31 فتاة)، ونزوح 200,000 من الريف الغربي. كما شهد المجتمع البدوي المحلي الأصغر حجماً وفيات تأكد منها مقتل 53 رجلاً، و9 نساء، و5 فتيان، و3 فتيات، ونزوح أكثر من 45,000. وأُفيد أيضاً بمقتل ما لا يقل عن 225 عنصراً من القوات الحكومية، سقط العديد منهم في غارات جوية إسرائيلية في تموز/يوليوز" وفي توصيات التقرير جاء: "توصيات: دعا التقرير إلى تكثيف الجهود لضمان المساءلة الشاملة، وتوفير ضمانات ملموسة واتخاذ إجراءات لمنع تكرار الأحداث، وتعزيز المصالحة وبناء الثقة، ومكافحة خطاب الكراهية. وحث المجتمع الدولي إلى دعم الحكومة لتنفيذ توصيات اللجنة. ودعا الأطراف الخارجية، بما في ذلك إسرائيل، إلى وقف الأعمال التي قد تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار وإلحاق الأذى بالمدنيين."

بغضّ النظر عن أبعاد "اعتمار العمامة السياسة".. إذا كان اعتقد الشيخ الهجري وشيخا العقل الآخران في بيانهم أعلاه أنّ التحقيق الدوليّ سيجلب لهم الدولة المستقلّة وحقّ تقرير المصير، فشأنهم كشأن "الجالب الدبّ لكرمه" إلّا إذا سارعوا للاستفادة من هذه التقارير.. على الأقلّ كُرمى لمن يدّعون حمايتهم؟!

** الوقفة الثالثة.. والتفاهمات الإسرائيليّة السوريّة.

3أ_ تفاهمات باريس 24-25 تمّوز 2025 نصّت: "تُقام – حسب الاتّفاق – مجالس محليّة بمشاركة سكّان السويداء، الذين يعيّنون (!) لمعالجة المرافق والخدمات الضروريّة في المنطقة. مثالًا، تقام لجنة للتقصّي وموثقة خروقات الاتّفاق، تقدّم تقاريرها للجانب الأميركي إذا اقتضت الحاجة... وقد تقرّر أن القنيطرة ودرعا، المجاورتان لحدود سوريا- إسرائيل، يُنزع سلاحهما، وتُقام لجان أمنيّة محليّة بمشاركة سكّان المدن – شرط ألّا يكون تحت إمرتهم سلاح ثقيل."

3ب_ باريس الجولة الخامسة 6.1.26 بحضور المبعوث ويتكوف.. انطلاق المباحثات السورية الإسرائيلية، وفيها: "إن المباحثات تتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية."

3ت_ ما رأي أصحاب الـ "مانيفستو الهجري" والدولة المستقلّة في هذا: "السيادة السوريّة الكاملة فوق كلّ اعتبار"؟!

** الوقفة الرابعة.. والخاصرة الرخوة- عودٌ على نشر سابق والعود أحمد!

4أ_ الوقائع والقرائن أعلاه تكامليّا وتقابليّا ودون الحاجة لتحليل ولا لاجتهاد توصلك إلى النتيجة: أنّ هنالك من عَمِل منذ أيّام الأسد ويعمل أيّام الشرع؛ قوى عالميّة وإقليميّة وفي مقدّمها إسرائيل؛ مرّة مباشرة ومرّة مستعملة أدوات لها هنا وهنالك، عمِل ويعمل على أن تكون السويداء وتبقى الخاصرة الرخوة لسورية بغضّ النظر عن شكل النظام السوريّ وخلاصات وتفاهمات لقاءت باريس- باكو – باريس. فسورية إن تعافت ستكون، لطبيعة شعبها رغم ما مرّ ويمرّ عليه اليوم، رقمًا صعبًا في الصراع العربيّ الإسرائيليّ وفي صلبه قضيّة العرب؛ القضيّة الفلسطينيّة، ومهما اعتور هذا الصراع اليوم من معوّقات، وهذا هاجس إسرائيل الأكبر!  

4ب_ الأخبار المتواترة عن الواقع في الجبل بجزئيه؛ جبل "الباشان" (!) والثلث المتبقّي منه (36 قرية) التي تحت سيطرة النظام في دمشق، متضاربة ومتناقضة والغالب عليها السوداويّة، وبغضّ النظر لا حلّ إلّا الاتّفاق الثلاثيّ (الرُّباعي- أميركا لا تفعل ما لا يرضي إسرائيل الشريك الغائب الحاضر). ولكنّ حتّى إن تمّ فالسويداء ستبقى إلى أمد غير منظور خاصرة رخوة لسورية لن تُمحى من ساحاتها صور نتانياهو يلفّه العلم الإسرائيلي ولن يسمَح نتانياهو وأذرعه (بقي أو ذهب) أن تُمحى صوره وصور العلم إلى أمدٍ بعيد، ولعلّ في مقابلة الشيخ الهجري الأخيرة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيليّة يوم 13.1.26 القول الفصل. هذا إلًا إذا أعادت إلى السويداء قواها العقلانيّة، رغم الجراح، تاريخَها وتراثَها القوميّ العروبيّ، رغم أنّ هذا يبدو آنيّا بعيد المنال في المستقبل المرئيّ!  

** الوقفة الخامسة.. والشرع وَ "الطبيخ بالمرقة" - عودٌ...!

5أ_ المتابع ما يُكتب أو يُقال عن الشرع ليس بحاجة لـ "فراسة" زائدة كي يرى أنّ غالبيّتَه ليست براءً من الهوى، فاختزال كلّ ما يفعل بالقول: إنّه أداة تحرّكها قوى إقليميّة وعالميّة هو تسطيح، ومن الناحية الأخرى كلّ من يراه المنقذ المقدام المنتظر فرؤيته غرضيّة. بعيدًا عن ذلك، وبغضّ النظر عن انتماء الشرع الفكري وبراءتي من الهوى تجاهه من عدمها، أقول: إنّ اختيارات الشرع حين كان بطور أبو محمّد الجولاني تُسجّل له؛ ذاتيّا وموضوعيّا، فمن الناحية المبدئيّة؛ لماذا من يختار أن يقاوم الحاكم الظالم ويقاوم عدوّ الأمّة بطريق معيّن تُعلّق على صدره الأوسمة؟! ومن يختار طريقًا آخر تعلّق له "المشانق" وأوّلا على يد شركائه الموضوعييّن في المقاومة؛ وأقصد أولئك الذين رأوا في الأسد الشرّ المطلق، ولم يروا غضاضة في التحالف ضدّه مع الشيطان ولو موضوعيّا؟!     

5ب_ وأمّا "دولة الباشان العظمى" فهي ورقة رابحة في يد الشرع يلعب فيها على "طاولة شطرنج" مع إسرائيل، وكشأن اللاعبين الماهرين اللعبة ستطول إلى ما شاء ذلك اللاعبان خصوصًا وأنّ والحَكم هو المتمثّل في "المندوب السامي" الأميركي، وخصوصًا وأنّ البيادق أهل السويداء والضحايا!

الكهرباء والوقود والطحين و ... و ... مفاتيحها في الشام يلعب فيها الشرع على هواه، والمقابل حسب تقرير "واشنجطون بوسط" الأخير (بالمناسبة لم نكن بحاجة لهذا التقرير اللهم إلّا في بعض التفاصيل) فمفتاح هذا المقابل هو في تل – أبيب. لدى "أبناء عمومتنا" قولٌ مفاده: "دعهم يُطبخون في مرقتهم"، لا أعرف إن كان أصلانيًّا عندهم أم "لطشوه" كما عادتهم من تراث شعوب أخرى، وبغضّ النظر فهذا هو القاسم المشترك بين إسرائيل والشرع؛ فليُطبخ أهل دولة الباشان بمرقتهم!

  كنت كتبت مرّة: "بالأمس القريب شاهدت فيلمًا يرصد أحوال الناس في سوق السويداء، الفيلم من انتاج وسيلة إعلام "باشانيّة" غير معادية، لإظهار معاناة الناس أمام الرأي العام كما كان يعلّق المنتج\ المخرج. من الناس الذين قابل المخرج؛ بائع نبات دُّردار جمعه كقوله من أطراف بلدته جاء به إلى السوق علّه يجمع قوت يومه، وقال: "والله علينا الكلفة للكيلو 13 (هكذا ما عرفت 13 ماذا؛ ألف ليرة واللا مليون) وحتّى بـ 10 ما ماشي معنا...". فالله يجيركم يا أهل السويداء والمهجّرين منكم من مرارة الدُّردار!

** الوقفة السادسة... والخيارات بين فكّ الخناق والدولة الديموقراطيّة – عود...!

6أ_ الخيار هو بين فكّ الخناق، كأفضليّة أولى، عن أهل الجبل؛ المهجّرين والمحتاجين والطلّاب وذوي الشهداء والمغيّبين، وَ "قطع دابر" المتاجرين في مآسيهم ورعاة الخناق؛ المشغِّلين في تل أبيب، أو الاكتفاء في إطلاق المواقف ضدّ السلطة في دمشق في سبيل دولة المواطنة وعلمانيّتها أو مدنيّتها طريقًا لفكّه كأفضليّة أولى حسب بعض الأطروحات. الخيار الثاني رغم شرعيّته بعيد المنال ومؤجّل إلى "أن يفعل الله أمرًا كان مفعولا"، أمّا الأوّل فهو في متناول اليد إن أحسن أصحاب هذا الطرح التشبيك ميدانيّا مع بقيّة دروز سورية أوّلا من حَمَلة الهمّ العام، وهم الغالبيّة، والعبور من التشخيص إلى المداواة.

6ب_ بغضّ النظر عن الموقف من الحكم الجديد في الشام، وإذا كان الهدف الآن هو إخراج دروز الجبل وبالتالي كلّ دروز سورية من عنق الزجاجة المصنوعة في مصانع زجاج "فينيسيا" الإسرائيليّة، فلا طريق للخروج من الخناق إلّا بوضع اليد في يده – حتّى ولو من خلال لبس القفّازات الجلديّة -، وهنا لافتة للنظر، ولسخرية الأقدار، "نظريّة" "دروز المؤسّسة الإسرائيليّة" في تحليل وضع اليد في يد المؤسّسة رغم ما ارتكبت وترتكب في حقّ الدروز والتحريم على دروز سورية وضع اليد في يد مؤسّستها قبلًا واليوم، فلماذا ما يحلّلونه لأنفسهم يحرّمونه على غيرهم؟! 

6ت_ صحيح أنّ قاسمًا مشتركًا يجده المتابع في أطروحات النّخب القلميّة، وهو تبنّي مبادرة عمّان آنفة الذكر، لكنّ التبنّي النظريّ لا يكتمل إلّا بأدوات تنفيذ، وفي الخصومات و\أو العداوات بين الأخصام وبين الأعداء. التشبيك ميدانيّا عمليّاتيًا بين حَمَلة الهمّ العامّ – النُّخب -، بدءًا من خشني الأيادي في شوارع السويداء والأشرفيّة مرورًا بالمتعبّدين في بيوت الله والمقتدرين؛ مقيمين أو مغتربين وانتهاء بالنُّخب القلميّة؛ مقيمة أو مغتربة، هو السبيل للخروج من "عنق الزجاجة"، وحتمًا ستجد هذه النُّخب الدعم من قطاعات واسعة من نُخب بقيّة المكوّنات السوريّة وتتلاشى خيبة الأمل فيها. هذا هو دور النُّخب القلميّة وهذه هي رسالتها التاريخيّة، فهي المطالبة بالتشبيك وقادرة حين تخرج من الاجتهاد الفكريّ إلى العمل الميدانيّ، معلّقة - لا مُبطلة – الأطروحات الفكريّة والسياسيّة على أهميّتها، إلى أجل يعود فيه المهجّر ويأخذ حقّة المُصاب وينال مبتغاه طالب العلم ويقيت أطفاله المحتاج، فرفع الحراب الحادّة الملطّخة عن رقاب العباد هي القول الفصل!              

** الوقفة السابعة.. والأُنشوطة والعفو العام!

القرائن والوقائع أعلاه ليست بحاجة لاجتهاد كيّ تُهدي الجميع إلى سواء سبيل، ولكن في كلّ واقعة وكلّ قرينة عُقدٌ هي أناشيط (عُقدة في حبل يسهل انحلالها بمجرد سحب أحد طرفيها). الثلاثيّ أعلاه؛ إسرائيل وسلطة الشام والشيخ الهجري (المثلّث البرمودي)، هم القابضون على أطرافها ولن يُفلت أيّ منهم الطرف في المعطيات "القرائنيّة" أعلاه ما دام كلّ يعتقد أن في بقائها بقاؤه وبقاء مصالحة وبغضّ النظر عن بقاء ومصالح الناس التي تحيط رقابهم الأناشيط حدّ الاختناق هؤلاء يمهلون ولا يهملون وحينها لن تنفع؛ "لات ساعة ندم". 

الطالب من إسرائيل إرخاء طرف العقدة كـ "الطالب الدبس من قفا النمس"، ولكن باستطاعة السلطة في دمشق إن كانت تروم حياة أن ترخي طرف الأنشوطة وهذا من مصلحتها، وهكذا الشيخ الهجري ومن معه والذي يبدو أنّه بدأ بالنزول عن الشجرة التي "تُسُلّق" عليها، وحينها تقصر الطريق إلى توافق على عفو عام كأحد السبل اللهم إلّا عن الملطّخة أياديهم مباشرة بدماء الناس في المجازر وأيّا كان الناس، وكذا ربابنة العصابات، ولا يستهيننّ أحد بالـ "بالمصالحات العشائريّة" وفي سياقنا حين تُرفد بتوافقات عمّان الثلاثيّة، وبإشبينتها؛ القوى النخبويّة السوريّة كلّ النّخب حين تخرج من القول إلى الفعل، ولا ضير في دفعة إقليميّة!

قلت قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم!

سعيد نفّاع 

12-11 تمّوز 2026


الأربعاء، 8 يوليو 2026

بنغلاديش الجديدة تخاطر بالرهان على الصين

  


د. عبدالله المدني*

منذ تأسيس دولة بنغلاديش المستقلة في عام 1971 وهي تعيش معضلة المفاضلة بين جارتيها الكبيرتين المتنافستين، الهند والصين. وكان للتقلبات السياسية في دكا وتغير الاحزاب الحاكمة فيها تأثير واضح على اتجاه بوصلة البلاد نحو إحدى الجارتين على حساب الجارة الأخرى. وقد تجلى ذلك بوضوح في التنافس الطويل والمرير على السلطة بين الأرملتين الغريمتين حسينة واجد وخالدة ضياء. فبقدر ما كانت بنغلاديش تقترب من الهند وتبتعد عن الصين (مع بعض الاستثناءات) في ظل حكومات الشيخة حسينة، كان يحدث العكس في زمن حكومات خالدة ضياء (والدة رئيس الوزراء الحالي طارق ضياء الرحمن).

وعليه، فإن قيام طارق رحمن مؤخرا بزيارة لمدة أربعة أيام إلى بكين، هي الأولى له خارج بلده منذ تسلمه رئاسة الحكومة البنغلادديشية خلفا للرئيس الانتقالي البروفسور محمد يونس، ليس بالأمر الغريب، ويمكن وضعه في سياق ما هو معروف عن الحزب الوطني البنغلاديشي الحاكم من تفضيل للصين على الهند، خصوصا في ظل ما يعتري العلاقات الهندية ــ البنغلاديشية اليوم من توترات بسبب احتضان نيودلهي لزعيمة بنغلاديش السابقة الشيخة حسينة واجد منذ خلعها في انتفاضة شعبية في عام 2024.

أن بنغلاديش تخاطر كثيرا بانتهاج سياسة المحاور، والمراهنة على الصين من أجل إغاظة الهند. فمهما كانت الإغراءات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي وعد بها قادة بكين نظراءهم الجدد في دكا، ترغيبا وتشجيعا على الإرتماء في أحضانهم، فإن الهند تبقى هي الجارة الأقرب جغرافيا وتاريخيا وثقافيا واجتماعيا، بل صاحبة الفضل الأول والدور الحاسم في تمكين البنغلاديشيين من تأسيس دولتهم المستقلة قبل 55 عاما. هذا في الوقت الذي كانت فيه الصين معارضة لانفصالها عن باكستان، بل استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي في اغسطس 1972 ضد قرار قبول بنغلاديش عضوا في الأمم المتحدة.

وبسبب الدور الهندي في قيام بنغلاديش، شهدت العلاقات بين دكا ونيودلهي عقودا طويلة متقطعة من التعاون الوثيق في المجالات الدبلوماسية والثقافية والأمنية والاقتصادية، وفي حقول مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والطاقة والزراعة. وفي الوقت نفسه، قامت الصين بتعزيز حضورها الاستراتيجي والاقتصادي في بنغلاديش تدريجيا، لتصبح اليوم شريكها التجاري الأكبر بحوالي 18 مليار دولار أمريكي سنويا، كما قامت باستثمارات كثيفة بمليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية، ولاسيما الموانيء والطرق والجسور، وعقد صفقات دفاعية لبناء مصنع للمسيرات بالقرب من الحدود الهندية والتدريب العسكري والانتاج الدفاعي. 

وإذا ما نظرنا إلى نتائج القمة الصينية ــ البنغلاديشية الأخيرة التي عقدت في أواخر يونيو المنصرم، نجد أن الملف الاقتصادي كان طاغيا، بدليل توقيع حزمة من الاتفاقيات شملت مجالات التجارة والتكنولوجيا الخضراء، ومشاريع البنية التحتية، وتحديدا تحريك مبادرة متعثرة منذ مدة طويلة ومثيرة للجدل حول ترميم نهر تيستا المرعب (بسبب فيضاناته المدمرة) وإدارته بمعزل عن الهند. 

ويبدو أن مطالب بنغلاديش من الصين تمحورت حول حصولها على دعم مالي بمليارات الدولارات لمواجهة ما يعانيه اقتصادها من خلل وضعف، وضخ المزيد من الإستثمارات الصينية لخلق فرص عمل واسعة في بنغلاديش وبالتالي تخفيض معدلات البطالة. أما مطالب الصين فقد كانت ــ طبقا للأخبار المسربة ــ قيام دكا بالتأكيد على دعمها لسياسة "الصين الواحدة"، وانخراطها بشكل أوسع في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، ولاسيما إطارها الأمني، وهو الإطار الذي تبدو دكا متخوفة منه بسبب حساسيات اقليمية.

في اعتقادنا واعتقاد العديد من المراقبين أنه من الأفضل والأجدي لحكومة طارق رحمن، وهي تدشن لعهد جديد، أن تعتمد سياسة التوازن والحياد البرغماتي في تعاملها مع جارتيها الكبيرتين المتنافستين على النفوذ في الإقليم، لأنها ببساطة شديدة لا تستطيع إغفال مكانة ونفوذ الهند السياسي والتاريخي العميق في بنغلاديش، ولا تستطيع في الوقت نفسه إغضاب الصين المتغلغلة اقتصاديا وتجاريا وتنمويا فيها، بل والتي صارت أيضا مصدرا لتسليح جيشها. حيث بإمكان دكا أن تنخرط في تعاون تنموي مع بكين لأن مثل هذا التعاون ــ بعكس التعاون الأمني والدفاعي ــ لا ينطوي على تبعات استراتيجية، ولأنه يحقق، من جانب آخر، تطلعات البلاد لجهة الإستفادة من قدرات الصين الرائدة في مجالات التكنولوجيا والطاقة الخضراء وأشباه الموصلات والمركبات الكهربائية. 

وبعبارة أخرى يمكن لبنغلاديش الجديدة أن تتخذ من النموذج الفيتنامي مثالا لكيفية التصرف مع طرفين كبيرين متنافسين. ففيتنام تحتفظ بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه عملت على تعزيز علاقاتها وروابطها الاقتصادية والاستثمارية مع بكين. أما كيف نجحت هانوي في تحقيق هذه المعادلة الصعبة، فإن الجواب هو بالمرونة،  وحسم الأمور دون إبطاء، وإستخدام آليات تنفيذ فعالة وجذابة، وإشعار الآخر بأنه يتعامل مع بلد يقدر الدعم الخارجي ويستطيع استيعابه والاستفادة منه بأفضل الطرق.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يوليو 2026م




الثلاثاء، 7 يوليو 2026

استراليا البيضاء لن تبعث حية

 


كتب عباس علي مراد

"الثقافة الآحادية هي حنين الى الهراء والعبث"

 اندرو هايستي نائب زعيم المعارضة الفيدرالية في مجلس النوب

ووزير الصناعة والقدرات السيادية في حكومة الظل 


دعك من استطلاعات الرأي، والتي تظهر تقدم بولين هانسون في تلك الاستطلاعات على الرغم من أن آخر استطلاع 7/7/2026 يظهر تراجع شعبية بولين هانسون بشكل ملحوظ،  بلغ هذا التراجع تسع نقاط منذ  ان بلغت هانسون الذروة  وحصلت على 31.5 بالمئة من اصوات الناخبين.

 منذ ان ظهرت بولين هانسون على الساحة السياسية في العام 1996 وهي تقيم على الهامش السياسي في البلاد، ولكن منذ  فترة زمنية كانت هناك حملة إعلامية منظمة من كبار الاعلاميين مثل اندرو بولت، الن جونز، كارستيفانوفيتش وغيرهم لجعل بولين هانسون وجهاً مألوفاً في الحياة السياسية، حتى أصبحت مؤخراً تبدو وكأنها المخلص الذي ينتظره الاستراليون.

منذ ثلاثين عاماً لم تلقي هانسون خاطباً امام نادي الصحافة الوطني في كامبرا، وكان اول ظهور لها للتحدث في النادي الشهر الماضي حيث وقعت الكارثة السياسية لهانسون، حيث افرغت شحنات من عنصريتها وعجرفتها على قطاعات واسعة في المجتمع، وهاجمت التعددية الثقافية، وقالت ان أستراليا ليست بلد متعدد الثقافات، بل انه دولة ذات ثقافة أحادية وكانت هذه المسألة الاكثر بروزاً رغم أن هانسون لم توفر قطاعات أخرى مثل الهجرة، الإعلام، العلاقات الصناعية، السكان الاصليين، القطاع الصحي، والقطاع التعليمي وغيرها..

في ما خص الهجرة قالت هانسون أنها سوف ترحل 75 ألف "مهاجر غير شرعي" والانسحاب من  اتفاقية الأمم المتحدة لللاجئين وتخفيض عدد المهاجرين الى 130 ألف سنوياً.

القطاع الصحي، إعادة النظر بنظام المساعدات الوطني للذوي الاحتياجات الخاصة (أن دي أي أس)، والميديكير وتقديمات الضمان الاجتماعي.

قوانين اماكن العمل، قدمت هانسون اصحاب الأعمال على الموظفين الذين وصفتهم بالكسالى ودعت لمنح ارباب العمل الحق لطرد هؤلاء الموظفين.

القطاع التعليمي، تريد هانسون تخفيض دعم المدارس الرسمية بما فيها المساعدات التقديمات الخاصة بذوي الإحتياجات الخاصة، الذين تريد إخراجهم من المدارس لانها تعتبرهم يثيرون الاضطرابات يعيقون تعلم التلاميذ الآخرين، وهاجمت المعلمين متهمة إياهم بأنهم يفتقرون لمهارات القراءة والكتابة، وحتى انها لم توفر قطاع رعاية الأطفال من انتقاداتها.

اما بالنسبة لخطابها العنصري  ضدى الاسيويين والمسلمين والافارقة وهي اللازمة التي رافقتها منذ دخولها البرلمان، حيث قالت في اول خطاب برلماني لها ان أستراليا تَغرق بالآسيويين وبالنسبة للمسلمين انه لا يوجد مسلم جيد والافارقة العصابات الاجرامية.

خطاب بولين هانسون ضد التعددية الثقافية والترويج للأحادية الثقافية لم يأتي من فراغ، فرئيس الوزراء الأسبق جان هاورد (أحرار) اعترف مؤخراً انها لم يؤيد يوماً التعددية الثقافية، وكان هاورد قد الغى مفوضية التعددية الثقافية والمعروف ان هانسون كانت مرشحة على لائحة حزب قبل ان يتم طردها بسبب تصريحاتها العنصرية ضد الآسيويين.

كما تقدم فإن خطاب هانسون في نادي الصحافة كانت نقطة التحول حيث وضعت هانسون ومقارباتها السياسية، الثقافية، الاجتماعية والإقتصادية تحت المجهر بالإضافة الى عجرفتها وجهلها كما تقول الكاتبة الصحافية نيكي سافا،  رغم الارتباك الذي أحدثته في الحياة السياسية خصوصاً في حزب الأحرار، الذي تردد رئيسه وزعيم المعارضة الفيدرالية انغس تايلور بدعم التعددية الثقافية بشكل صريح بدل التصدي لظاهرة هانسون حيث فضل اتباع استراتيجية مختلفة وضعت قيادته على المحك .

كذلك خرجت بعض الأصوات داخل الإئتلاف ودعت للتحالف الانتخابي مع بولين هانسون من أجل هزيمة العمال، وأكثر المروجين لهذا التوجه هو طوني أبوت رئيس الحزب الفيدرالي، ورئيس الوزراء الأسبق مما إضطر بعض برلمانيي الحزب للقول أن سياسة الحزب تقررها حكومة الظل وليس رئيس الحزب الذي يعتبر دوره إدارياً اكثر منه تقريرياً.

وكان ابوت أدلى في لندن بتصريحات متطرفة عن الخطر الثقافة الانكلو- كيلتية بسبب هحرة جماعات تشكل خطراً الثقافة المسيحية -اليهودية في أستراليا

ورداً على هانسون وابوت، كان التصريح الأعنف من النائب اندرو هايستي الذي يطمح لتولي زعامة الحزب، والذي أعلن الحرب على هانسون وتعهد بتدميرها قبل أن تدمره، وأضاف انه مستعد للموت قبل ان يرضخ لهانسون، وانه لن يسلم مفاتيح حزب الاحرار لها، وكانت هانسون قد استهدفت هايستي وهو العسكري السابق في الوحدات الخاصة في الجيش الأسترالي بعد ان أدلى بشهادته ضد زميله السابق بن روبرت سميث المتهم بجرائم حرب في أفغانستان والذي تدعمه هانسون وتدافع عنه.

وهنا يتبادر الى الذهن السؤال الأساسي لماذا تأخرت الطبقة السياسية الاسترالية خصوصاً الحزبين الكبيرين، باتخاذ مقاربة مختلفة لحل القضايا التي تؤرق المواطنين مثل غلاء المعيشة واسعار المنازل والهجرة وغيرها؟

 تحاول هانسون ركوب موجة القلق التي تسيطر على المواطنين، والذي وحسب استطلاعات الرأي يعتبر التصويت لهانسون إحتجاجاً على سياسية الحزبين أكثر من تأييد هانسون، والتي لا تملك فكرة تقريباً عن أي شيء بما فيها إجازة الأمومة المدفوعة، حيث تعتقد هانسون ان الناخبين أغبياء لتفسير روايتها المبسطة (أبيض- أسود) عن التعددية الثقافية التي يمثلها فريق كرة القدم الأسترالي (السوكاروز) كما تقول الكاتبة نيكي سافا.

وهنا نخلص اللى استنتاج انه إذا ما استمر الانحدار الاخلاقي والانقسام داخل حزب الأحرار، فإن حزب أمة واحدة سيبقى عائماً سياسياً حتي يستعيد الحزب توازنه السياسي، وأيضاً حتى يتضح تأثير التغييرات الضريبية المتعلقة بالضريبة على ارباح رأس المال والمديونية السلبية ومعاش الإدخار التقاعدي، التي اتخذتها الحكومة في الميزانية والتي أقرها البرلمان بمجلسيه بمساعدة حزب الخضر.

أخيراً، هل هذه الاحزاب على إستعداد لخوض هذا النقاش الجاد حول هذه القضايا ذات الأهمية البالغة، حتى  يقتنع الشعب بأن الطبقة الحاكمة تُولي اهتمامًا حقيقيًا لقضاياه، والحكم بمسؤولية بعيداً عن تجديفات هانسون عن الآحادية الثقافية والتعددية الثقافية المغلفة بجهل وعنصرية مقيته ، لان هناك تسليم بأن أستراليا قطعت شوطاً كبيراً في مجال التعددية الثقافية والتي ترتكز على ثلاثة أسس هي ثقافة السكان الأصليين، الثقافة الانكلو سكسونية وثقافة المهاجرين الجدد، ولا عودة ألى سياسة أستراليا البيضاء التي لن تبعث حية سواء شاء ابوت وهانسون أم لم يشاءا.

ومن هنا حتى الانتخابات الفيدرالية القادمة اعتقد ان ظاهرة هانسون ستكون الى انحصار، بسبب عدم وجود سياسات واضحة لهانسون او حتى مرشحين لتلك الانتخابات، وكذلك نحن قريباً مع موعد مع اختبار انتخابي قريب في ولاية فكتوريا والتي تقدم فيها حزب أمة واحدة على حزبي الأحرار والعمال في إستطلاعات الرأي.

لكن لننتظر ونرى.

الأربعاء، 1 يوليو 2026

عودة التوتر بين بكين ومانيلا بسبب شعاب باناتاغ



بقلم: د. عبدالله المدني*

مركز التوتر يقع في بحر الصين الجنوبي بالقرب من الفلبين، وأسبابه اتهام مانيلا لبكين بوضع أجسام تجسسية غريبة في شعاب "سكاربورو" التي يطلق عليها الفليبينيون "باناتاغ"، وهذه الشعاب المرجانية تسيطر عليها الصين منذ عام 2012 على الرغم من صدور حكم من محكمة التحكيم الدولية الدائمة سنة 2016 لصالح مانيلا لوقوعها ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، علما بأن الصين تجاهلت القرار وواصلت سيطرتها على المنطقة، بل وتنمرت قواتها على قوارب صيادي الأسماك الفلبينيين البسطاء.

المختلف هذه المرة في القضية أن تداعياتها امتدت إلى دول أخرى في المنطقة. صحيح أن شركاء الفلبين في منظومة آسيان لم يتضامنوا مع الفلبين خوفا على تجارتهم ومصالحهم الاقتصادية مع التنين الصيني، بل أن إحدى شريكات مانيلا الأكثر قربا جغرافيا، وهي إندونيسيا كان وزير ماليتها يبحث في بكين، في هذا التوقيت بالذات، كيفية الارتقاء بعلاقات بلاده مع بكين وسبل تنمية روابطهما الاقتصادية والمالية. لكن دولة من خارج آسيان وهي اليابان، قررت أن تنتصر للفلبين. ففي البيان الرسمي الذي صدر في 28 مايو المنصرم في ختام زيارة الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الإبن لطوكيو، ورد ما يفيد بعزم البلدين على إجراء محادثات ثنائية لترسيم المناطق الاقتصادية الخاصة لهما (مع استثناء تايوان الواقعة بين الفلبين واليابان ).

وهنا جنّ جنون الصينيين فأصدرت خارجيتهم بيانا في 7 يونيو الجاري وصفت فيه مفاوضات ترسيم الحدود بين الفلبين واليابان بالباطلة وغير القانونية، وفوق هذا، سارعت بكين بتسيير دوريات مسلحة في المنطقة، بل أعلنت صراحة أن تلك الدوريات جاءت ردا على المفاوضات اليابانية ــ الفليبينية. وبهذه الاجراءات الصينية توسعت حلقة النزاع لتدخل فيها تايوان، التي استفزها رد الفعل الصيني، الذي اشتمل على تسيير دوريات بالقرب من سواحلها الشرقية، فقررت نشر سفنها الحربية لمراقبة السفن التجارية العابرة والاستفسار لاسلكيا عن حمولتها ووجهاتها. وكانت الخارجية التايوانية قد أشادت في بيان صادر في 31 مايو المنصرم بالإتفاق بين مانيلا وطوكيو، وأعربت عن تطلعها للتعاون معهما في الحفاظ على الأمن البحري في منطقة المحيطين الهندي والهاديء، وهو بيان فاقم حدة الغضب عند الصينيين.

في رأينا أن ردود الفعل الصينية المبالغة تندرج في خانة مخاوفها من احتمالات صعود اليابان عسكريا مرة أخرى وتوسع نفوذها في المنطقة، لاسيما وأن زعيمة اليابان "ساناي تاكائيتشي" عازمة على التخلي تدريجيا على القيود المفروضة على قدرات بلادها العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، كرد فعل طبيعي على التطورات الجارية في العالم، ومنها الصعود العسكري المخيف للتنين الصيني، وقيام الأخير بدعم الدب الروسي عسكريا وإعلاميا ودبلوماسيا في حربه ضد أوكرانيا.

من ناحية أخرى، تبدو بكين اليوم أكثر قلقا  وحساسية من أي وقت مضى تجاه أي تحرك ياباني، فما بالك لوكان هذا التحرك بين اليابان والفلبين، وهما دولتان تحيطان بتايوان، وبينهما ما يُعرف بإتفاقية الوصول المتبادل المبرمة في سبتمبر 2025 والتي تسمح بإجراء مناورات عسكرية مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ونشر قوات الدفاع اليابانية فوق أراضي الفلبين. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى تصريح تاكائيتشي في نوفمبر 2025، الذي أثار زوبعة وحنقا في الدوائر الصينية، وذلك حينما أعلنت أن أي هجوم صيني على تايوان قد يدفع اليابان إلى اتخاذ إجراء عسكري مضاد من منطلق الدفاع عن النفس.

ومما قيل على لسان عدد من المراقبين، أن بكين طلبت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمته الأخيرة مع نظيره الصيني "شي جينبينغ" في مايو المنصرم أن يلجم حليفتيه اليابانية والفلبينية، ويضغط لوقف تعاونها العسكري، إنْ كان يريد إستقرارا في المنطقة.

نخالة القول، إن منطقة بحر الصيني الجنوبي تشهد تطورات وتطورات مضادة، تختلط فيها المزاعم التاريخية بالتنافس الاقتصادي والاحتكاك الجغرافي، ما جعلها مفتوحة على كل الإحتمالات، خصوصا وأن النزاع هنا بين دولة كبرى تسعى إلى التوسع والهيمنة وتعزيز نفوذها ومصالحها  بشتى الوسائل في مواجهة دول أقل قوة لا تطمح إلا إلى حماية أمنها الوطني وسيادتها وحقوقها. فالصين، كما أسلفنا تشعر بالخطر من قيام ما يعطل مساعيها نحو البروز كقوة عالمية مهيمنة، لذا تكثر من توجيه رسائل مبطنة إلى مانيلا وطوكيو وتايبيه، وإلى سيئول وعواصم دول آسيان أيضا مفادها أن الولايات المتحدة لن تحميكم من غضب الصين، ولن تستطيع ايقاف صعود الصين، وتجلى ذلك في تهديد من يتهمها بالتوسع بمزيد من توسيع نطاق سيادتها على المياه الواقعة شرق تايوان، وببناء المزيد من القواعد فوق الجزر المتنازع عليها.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م