الاثنين، 31 أغسطس 2026

العرب الدروز وتداعيات الأزمة السوريّة على الهويّة والانتماء





الهويّة والانتماء لـدى العرب الدروز خطّ أحمر

عُقد يوم السبت الـ 29 آب 2026 يومٌ دراسيّ بمبادرة ناشطين في الحركة الوطنيّة في الجولان المحتلّ والحركة التقدّمية للتواصل – درب المعلّم في مقرّ الحركة؛ ملتقى كمال جنبلاط الفكريّ – بيت جن، يومّ دراسيّ بمشاركة العشرات وعلى مدى 5 ساعات. تناول قضيّة الهويّة والانتماء لدى العرب الدروز ومحاولات التطاول عليها في ظلّ الأزمة السوريّة وآثارها الإقليميّة عربيّا وعلى التجمّعات الدرزيّة في المنطقة. وقد جاء في البيان الختاميّ في معرض توضيح دواعي عقد اللقاء:

 "تأتي الدعوة إلى هذا اللقاء... في لحظة استثنائية فرضتها التطورات المتسارعة في سورية، ولا سيما المجازر التي شهدتها محافظة السويداء، وما خلّفته من تداعيات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت آثارها إلى الدروز في كل أماكن تواجدهم، بالتوازي مع تدخل إسرائيلي متزايد ومحاولات واضحة لتوظيف هذه الأحداث في إعادة صياغة موقع الدروز وعلاقتهم بمحيطهم الوطني والعربي." 

تمحور اللقاء حول محاور ثلاثة:

*الأول: العمل المشترك بين القوى الوطنية في الجولان المحتلّ والقوى الوطنية العربيّة الدرزيّة في إسرائيل.

*الثاني: أزمة السويداء – هل تستطيع القوى الوطنية المساهمة في الدفع نحو حل ضمن وحدة سورية برفد دُعاة الحل الوطني السوري – السوري بموقف داعم؟

*الثالث: لقاءات تشاوريّة مع قوى وطنية عربيّة وعربيّة درزيّة إقليميّة. 

أدار الاجتماع الكاتب المحامي سعيد نفّاع، وقدّم كلّ من د. ثائر أبو صالح، والأستاذ وائل طربيه، والسيّد عماد دغش، ود. نزار أيّوب، والشاعر المحامي سامي مهنّا، والسيّد سلمان فخر الدين مداخلات تناولت المحاور المذكورة، أعقبها نقاش معمّق شارك فيه كُثٌر من الحضور. وفي ختام النقاش طُرح مشروع البيان التلخيصي وبعد مناقشته أُقرّ بالإجماع. (مرفق أدناه كاملًا) وممّا جاء فيه حسب المحاور:

**العمل المشترك: أكد المجتمعون أهمية تطوير وتنسيق العمل الوطني السوري الجولاني – والفلسطيني، على قاعدة مواجهة الاحتلال وسياسات الأسرلة والتفكيك والطائفية ومحاولات زجّ الدروز في المخططات الإسرائيلية تجاه المنطقة، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على خصوصية كل تجربة وانتمائها الوطني. وفي هذا السياق أكد المشاركون على اهمية تشكيل آلية تنسيق مشتركة بين الحركة الوطنية السورية في الجولان المحتل وبين القوى الوطنية الفلسطينية في الـ 48 في أقرب وقت ممكن.  

**أزمة السويداء: الحل في السويداء يبدأ من الاستفادة من تفاهمات آذار وأيار 2025، والاتفاق الثلاثي السوري–الأردني–الأميركي في أيلول 2025، وما صدر لاحقاً عن لجان التحقيق الدوليّة والجهات الأممية والإنسانية؛ بوصفها عناصر يمكن البناء عليها للدفع نحو حوار جدي ومخرج للأزمة ضمن وحدة سورية.

كما رأى المجتمعون أن التوجهات التي يقودها الشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه، وخصوصًا تلك التي تراهن على الدور الإسرائيلي، تنطوي على مخاطر كبيرة. وجاء في البيان: 

"يدين المشاركون بأشدّ العبارات تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي زعم فيها أن الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، وأن بينهم وبينها اشتراكًا «حتى في العقيدة»، ويرون فيها خطابًا منفلتًا يكشف جهلًا فادحًا بموروث عقيدة التوحيد وتاريخ الدروز وهويتهم العربية الإسلامية. إن الزجّ بالعقيدة في تبرير الارتباط بإسرائيل ليس سوى محاولة بائسة ومشينة لاسترضاء رعاته الإسرائيليين، وتوظيف الدين في خدمة مشروع سياسي يتقاطع مع مخططات الاحتلال والتفتيت. وقد آن الأوان لوضع حدّ لهذا النهج الذي قاده الهجري ومجموعته، بعدما عاثوا فسادًا في المشهد، وحوّلوا أهل السويداء إلى رهينة لغاياتهم وحساباتهم السياسية، مقامرين بمصير الجبل وأهله. ويعلن المشاركون إدانتهم القاطعة وبراءتهم التامة من هذه المواقف ومن كل من يتبناها أو يروّج لها، مؤكدين أنها لا تمثل الدروز ولا عقيدتهم ولا تاريخهم وانتماءهم الوطني والعربي، وأن أصحابها وحدهم يتحملون مسؤوليتها وتبعاتها".

**اللقاءات التشاوريّة الإقليميّة: لا يرى المجتمعون ضيرًا في إجراء لقاءات تشاورية لتبادل الرأي ووجهات النظر مع شخصيات اعتبارية أو أكاديمية من لبنان والأردن، حول سبل مواجهة هذه الهجمة على الهوية الوطنية للدروز، ومحاولات قوى إقليمية توظيف مأساة السويداء لتحقيق مصالحها في سورية.

واختُتم اليوم الدراسي بإقرار البيان التلخيصيّ بالإجماع، والاتفاق على متابعة العمل استنادًا على ما خلص إليه اللقاء من مواقف وقرارات. 

للتواصل:

د. ثائر أبو صالح 6985002-058

أ. سعيد نفّاع 7208450-050 

***البيان الختاميّ الكامل

    العرب الدروز: أزمة السويداء والهوية والانتماء 

البيان الختامي لليوم الدراسي

ملتقى كمال جنبلاط الفكري – بيت جن

29 آب 2026

في دواعي اللقاء

تأتي الدعوة إلى هذا اللقاء على أرضية مخرجات البيان الذي صدر عن الاجتماع التشاوريّ الذي عُقد بتاريخ 23 حزيران 2026 بين الحركة التقدميّة للتواصل - درب المعلّم (الـ 48) ومجموعة نت نشطاء الحركة الوطنيّة في الجولان، والذي جاء في لحظة استثنائية فرضتها التطورات المتسارعة في سورية، ولا سيما المجازر التي شهدتها محافظة السويداء، وما خلّفته من تداعيات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت آثارها إلى الدروز في كل أماكن تواجدهم، بالتوازي مع تدخل إسرائيلي متزايد ومحاولات واضحة لتوظيف هذه الأحداث في إعادة صياغة موقع الدروز وعلاقتهم بمحيطهم الوطني والعربي. 

ومن جهة أخرى، تثير هذه التطورات مخاوف جدية من إعادة إحياء أطروحة «القومية الدرزية» التي عملت المؤسسة الإسرائيلية وأدواتها على فرضها على الدروز في إسرائيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عبر تحويل الخصوصية المذهبية إلى هوية سياسية منفصلة عن الانتماء الوطني والعربي؛ وهي أطروحة تتناقض مع المسار التاريخي للدروز وموروثهم العربي الإسلامي. 

ويرى المشاركون أن أثر هذه الأزمة؛ (الدرزيّة السوريّة!)، لم يقتصر على القضايا الحياتية للدروز في الجبل، بل تعدّاها إلى استهداف قضايا وجودية تمسّ الهوية والانتماء، قوميًّا ومذهبيًّا وتراثيًّا، وصولًا إلى التطاول على موروثهم التاريخي ورموزه البارزة؛ من الإرث الإسلامي للأمير السيد عبد الله التنوخي، وأطروحات شكيب أرسلان، إلى الدور العروبي والوطني لسلطان باشا الأطرش، والفكر القومي والإنساني لكمال جنبلاط. ولا يمكن فصل هذا الاستهداف باستغلال مأساة السويداء بمحاولات إعادة إحياء مدرسة «القومية الدرزية»، من خلال مشاريع بائسة؛ من بينها ما يسمى «الدولة الباشانية»، خدمةً لأجندات إقليمية تسعى إلى النيل من الموروث الوطني والعربي للدروز ورموزه التاريخية.

وأمام هذه المخاطر، تفرض التحديات الراهنة على القوى الوطنية قراءةً واعية لما يجري والسعي إلى التأثير فيه، انطلاقًا من إحساسها بالمسؤولية التاريخية تجاه الأجيال القادمة، وقبل أن يصبح الخطاب الطائفي والانفصالي هو الصوت المهيمن في الساحة.

ومن هنا، تمحور النقاش حول ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول: العمل المشترك بين القوى الوطنية في الجولان المحتلّ والقوى الوطنية العربيّة الدرزيّة في إسرائيل.

في ضوء هذه التحديات وتداعياتها المحلية والإقليمية، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مستوى العلاقة والتنسيق بين الحركة الوطنية السورية في الجولان والقوى الوطنية الفلسطينية في الـ 48. ونؤكد في هذا السياق ان هذا التنسيق لا ينبع من الانتماء المذهبي المشترك بحد ذاته، وإنما من تحديات متقاطعة فرضتها الأحداث الأخيرة، وفي مقدمتها محاولة إسرائيل توظيف قضية الدروز إقليميًا، وإعادة إحياء خطاب يسعى إلى فصل الدروز عن محيطهم الوطني والعربي، وتقديم إسرائيل بوصفها حامية لهم.

لقد حافظت الحركة الوطنية في الجولان، تاريخيًا، على موقف واضح يؤكد الهوية العربية السورية للجولان ويرفض "الأسرلة" بكلّ أشكالها، وأكد المجتمعون، في هذا السياق، أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن الحركة الوطنية فيه جزء من الحركة الوطنية السورية. حيث يأتي هذا اللقاء في ظل تصاعد التحديات التي يواجهها الجولان السوري المحتل، ولا سيما محاولات توسيع الأسرلة، والسيطرة على الأرض والمقدرات؛ بمشروع المراوح الهوائية، وتسوية الأراضي، وقضايا التنظيم والبناء؛ وهي تحديات تستدعي تعزيز الموقف الوطني والتمسك بالهوية العربية السورية للجولان.

ومن جهة أخرى، واجه العرب الدروز في إسرائيل على مدى السنوات سياسات التغريب عن أصول هوّيتهم وانتمائهم، وعانوا من التمييز الممنهج في كافّة مجالات الحياة والتي "توّجها" قانون القوميّة من العام 2018 بتصنيفه إيّاهم مواطنين درجة دنيا رغم سريان الخدمة العسكريّة الإجباريّة عليهم، ورغم خيارات ورهان قياداتهم "التقليديّة"؛ المذهبيّة والسياسيّة على المؤسّسة. وقد واجهت قواهم الوطنية، ضمن ظروف مختلفة، هذه السياسات بعمل صعب في ظلّ اختلال في التوازن بين القوى الفاعلة. 

وعليه، أكد المجتمعون أهمية تطوير وتنسيق العمل الوطني السوري الجولاني – والفلسطيني، على قاعدة مواجهة الاحتلال وسياسات الأسرلة والتفكيك والطائفية ومحاولات زجّ الدروز في المخططات الإسرائيلية تجاه المنطقة، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على خصوصية كل تجربة وانتمائها الوطني. وفي هذا السياق أكد المشاركون على اهمية تشكيل آلية تنسيق مشتركة بين الحركة الوطنية السورية في الجولان المحتل وبين القوى الوطنية الفلسطينية في ال 48 في أقرب وقت ممكن.  


المحور الثاني: أزمة السويداء – هل تستطيع القوى الوطنية المساهمة في الدفع نحو حل ضمن وحدة سورية برفد دُعاة الحل الوطني السوري – السوري بموقف داعم؟

يرى المشاركون أن ما يجري لا يمكن قراءته بوصفه أزمة درزية منفصلة عن التحولات التي تعصف بالمنطقة. فقد أدت سنوات الصراع والانقسام في سورية إلى إضعاف الروابط الوطنية الجامعة، وإلى تنامي خطاب الخوف والهويات الفرعية والطائفية. وجاءت مأساة السويداء لتزيد من حدة هذه الظاهرة، بعد أن تداخلت المطالب المشروعة لأهلها بالأمن والكرامة والعدالة والمحاسبة مع توجهات تسعى إلى إخراج هذه المطالب من إطارها الوطني السوري وربطها بمشاريع الحماية الخارجية والانفصال. وفي المقابل، أسهمت الجرائم والانتهاكات وخطابات التحريض والكراهية التي تعرض لها الدروز في توفير البيئة التي يتغذى منها خطاب الانغلاق والخوف والاستقواء بالخارج.

وهنا تكمن خطورة اللحظة: طائفية تولّد طائفية مضادة، وخوف يولّد انعزالًا، وعنف داخلي يفتح الباب أمام التدخل الخارجي، وتدخل خارجي يعمّق بدوره الانقسام الداخلي. إن كسر هذه الحلقة هو المدخل إلى فهم مسؤوليتنا ودورنا.

يؤكد المشاركون أن وحدة سورية، أرضًا وشعبًا، مبدأ أساسي، وخط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن السويداء جزء أصيل من سورية، حيث شكل أهل جبل العرب على الدوام جزءًا أصيلًا من تاريخها الوطني ونضالها من أجل الاستقلال والوحدة. يرفضون بشكل قاطع تحويل مأساة السويداء إلى مدخل للتقسيم، كما نرفض الاستقواء بإسرائيل أو بأي قوة خارجية والدعوات إلى إقامة كيان طائفي أو فصل السويداء عن الدولة السورية. 

وبناءً على ما تقدم، يرى المجتمعون أن التوجهات التي يقودها الشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه، وخصوصًا تلك التي تراهن على الدور الإسرائيلي، تنطوي على مخاطر كبيرة. ويدين المشاركون بأشدّ العبارات تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي زعم فيها أن الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، وأن بينهم وبينها اشتراكًا «حتى في العقيدة»، ويرون فيها خطابًا منفلتًا يكشف جهلًا فادحًا بموروث عقيدة التوحيد وتاريخ الدروز وهويتهم العربية الإسلامية. إن الزجّ بالعقيدة في تبرير الارتباط بإسرائيل ليس سوى محاولة بائسة ومشينة لاسترضاء رعاته الإسرائيليين، وتوظيف الدين في خدمة مشروع سياسي يتقاطع مع مخططات الاحتلال والتفتيت. وقد آن الأوان لوضع حدّ لهذا النهج الذي قاده الهجري ومجموعته، بعدما عاثوا فسادًا في المشهد، وحوّلوا أهل السويداء إلى رهينة لغاياتهم وحساباتهم السياسية، مقامرين بمصير الجبل وأهله. ويعلن المشاركون إدانتهم القاطعة وبراءتهم التامة من هذه المواقف ومن كل من يتبناها أو يروّج لها، مؤكدين أنها لا تمثل الدروز ولا عقيدتهم ولا تاريخهم وانتماءهم الوطني والعربي، وأن أصحابها وحدهم يتحملون مسؤوليتها وتبعاتها

وانطلاقًا من هذا الموقف، يرى المجتمعون أن القضيّة السوريّة هي قضيّة وطنيّة شاملة، ويجب أن يُنظر إليها من موقع المواطنة والانتماء الوطني، لا من منظور طائفي عابر لحدود الدولة. ويعتبرون أن صلات القربى والتكافل الإنساني بين أبناء المنطقة أمر طبيعي، لكن ربط هذه الروابط وتوظيفها في مشاريع طائفية أو في خدمة سياسات الاحتلال أمر مرفوض. ومن هنا تبرز ضرورة مواجهة خطاب الأقليات والطائفية بخطاب وطني جامع يتجاوز الظواهر المأساوية التي شابت المشهد.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الدور الإسرائيلي المتزايد في استثمار الانقسامات الداخلية، فإنّ محاولة إسرائيل إغراق السويداء بالدمّ وانتشالها ليست إلّا أداة للتحكّم في السويداء. إذ ينظر المشاركون بقلق بالغ إلى المحاولات الإسرائيلية لاستغلال مأساة السويداء وتقديم إسرائيل بوصفها «حامية للدروز». فهذه السياسة ليست جديدة؛ إذ عملت المؤسسة الإسرائيلية، منذ عقود، على فصل الدروز الفلسطينيين عن محيطهم العربي، وتحويل انتمائهم المذهبي إلى هوية سياسية منفصلة. وتقدم تجربتا الدروز في الجليل والكرمل والجولان السوري المحتل شواهد واضحة على التناقض بين خطاب «الحماية»، من جهة، وواقع التمييز ومصادرة الأرض وسياسات التخطيط والبناء والأسرلة والتجنيس، من جهة أخرى.

لم يكن الدروز في إسرائيل بعيدين عن الأزمة السورية؛ إذ شهدت الساحة تدخلًا سافرًا أدواتيًا وتنافسيًا من جانب اتجاهين داخل «قياداتهم» التقليدية، المذهبية والسياسية، تحركا في إطار توجهات المؤسسة الإسرائيلية والتنسيق معها. وسرعان ما تكشّف الأثر السلبي لهذا التدخل وعجزُ هذين الاتجاهين عن التأثير في مجرى التطورات، ولكن بعد أن كان الضرر قد تفشّى واستفحل و«سبق السيف العذل»؛ فاتجه أحدهما لاحقًا إلى «النأي بالنفس» بعد انكشاف حقيقة الدور الإسرائيلي، فيما مضى التيار «الباشاني» في نهجه، فعاث فسادًا في المشهد وأسهم في تعقيده.

وفي مواجهة هذين التيارين، لم تألُ القوى التقدمية بين الدروز في الجليل والكرمل، قبل اندلاع الأزمة في سورية وبعد تحولها إلى محنة، في التحذير من هذا التدخل واتخاذ ما استطاعت من مواقف حاسمة في مواجهته. وقد أسهم دورها، على الرغم من اختلال موازين القوى، في الحد من انزلاق جمعيّ وراء سياسات المؤسسة الإسرائيلية الخطرة تجاه الدروز من جهة، وفي مواجهة الصورة النمطية السلبية التي أخذت تتشكل عنهم في الرأي العام العربي، محليًا وإقليميًا، من جهة أخرى.

وفي ضوء هذه التجربة وما أظهرته من مخاطر، يرى المشاركون أن الاستثمار في مأساة السويداء لإحياء مشروع «القومية الدرزية»، أو لإقامة كيان طائفي مرتبط بإسرائيل، لا يشكل حماية للدروز؛ بل يهدد بتحويلهم إلى أداة في مشروع إقليمي أكبر منهم، ويفصلهم عن محيطهم الطبيعي، ويضعهم في مواجهة شعوب المنطقة.

وفي هذا السياق، يرى المجتمعون أن الحل في السويداء يبدأ من الاستفادة من تفاهمات آذار وأيار 2025، والاتفاق الثلاثي السوري–الأردني–الأميركي في أيلول 2025، وما صدر لاحقاً عن لجان التحقيق الدوليّة والجهات الأممية والإنسانية؛ بوصفها عناصر يمكن البناء عليها للدفع نحو حوار جدي ومخرج للأزمة ضمن وحدة سورية.

كما أكد الحاضرون ضرورة معالجة الأوضاع الإنسانية والحياتية ورفع أشكال الحصار عن السويداء، بما يخفف معاناة المدنيين ويحد من فرص التدخل الخارجي، وأن الدولة السورية تتحمل، بحكم مسؤوليتها عن جميع المواطنين، المسؤولية الأساسية في توفير الظروف اللازمة للحل، وحماية السكان، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإعادة بناء الثقة. لا يستطيع النظام الجديد نفض اليد من المسؤوليّة التي يتحمّل عن المجازر، بغضّ النظر إن كان وقع أو أوقع في فخّ، فإن التمسك بوحدة سورية لا يعني السكوت عن الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها أبناء السويداء، ولا إعفاء السلطة السورية وفي مقدّمها الشرع من مسؤولياتها عنها وبالتالي حماية المواطنين وضمان أمنهم وكرامتهم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والعمل على إعادة بناء الثقة بمحو آثار تمّوز 2025 وفي مقدّمها إعادة الإعمار وجبر الضرر على قاعدة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

وأكد المجتمعون كذلك ضرورة أن تضطلع النخب والقوى الوطنية السورية، من مختلف مكونات الشعب السوري، بدورها في رأب الصدع، ومواجهة التحريض الطائفي، وإعادة الأزمة إلى إطارها الوطني، مع التأكيد على وجود قوى واسعة بين دروز سورية ونخبهم الاجتماعية والثقافية والمذهبية تتمسك بوحدة سورية وترفض الانفصال والاستقواء بالخارج.


المحور الثالث: لقاءات تشاوريّة مع قوى وطنية عربيّة وعربيّة درزيّة إقليميّة 

لم تتوقف تداعيات أزمة السويداء عند حدود سورية؛ فقد أثارت أيضًا نقاشات ومواقف في لبنان وفلسطين والأردن وأوساط الاغتراب، كما حاولت قوى مختلفة تقديم نفسها بوصفها ناطقة باسم الدروز في المنطقة. من هذا الواقع؛ ناقش المجتمعون مدى فائدة فتح قنوات تشاور مع شخصيات وقوى درزية وطنية في بعض الدول العربية، وخصوصًا لبنان والأردن، في ظل التداعيات الإقليمية لأزمة السويداء ومحاولات توظيف الدروز في مشاريع الانفصال والتدخل الخارجي. وتوصل المجتمعون إلى أن مثل هذا التواصل قد يكون مفيدًا، شريطة تحديد طبيعته وحدوده منذ البداية. فالمقصود ليس إنشاء «تنسيق درزي طائفي إقليمي»، ولا عقد "مؤتمر درزي طائفي عابر للحدود"، ولا إنشاء "مرجعية سياسية جديدة تتحدث باسم الدروز"؛ وإنما التشاور مع قوى وشخصيات تنطلق أصلًا من انتمائها الوطني في دولها، ويمكن أن يكون لها دور في مواجهة الخطاب الطائفي والانفصالي، ودعم الحلول التي تحافظ على وحدة الدول والمجتمعات.

واستنادًا إلى ما تقدم، لا يرى المجتمعون ضيرًا في إجراء لقاءات تشاورية لتبادل الرأي ووجهات النظر مع شخصيات اعتبارية أو أكاديمية من لبنان والأردن، حول سبل مواجهة هذه الهجمة على الهوية الوطنية للدروز، ومحاولات قوى إقليمية توظيف مأساة السويداء لتحقيق مصالحها في سورية.

ومع أهمية هذا التشاور، يرى المجتمعون أن معالجة تداعيات الأزمة لا تكتمل من دون مقاربة جذورها الأعمق؛ وفي مقدمتها تعثر المجتمعات العربية وفاعلياتها في بناء دولة المواطنة، وما ترتب على ذلك من تعصب واستقطاب طائفي وقومي، ولّدا الشعور بالخوف وفقدان الأمان لدى شرائح واسعة من هذه المجتمعات، وأضعفا حصانتها الاجتماعية الداخلية، وجعلاها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية واستغلال واقعها الاجتماعي المتشظي وتوظيفه في خدمة مشاريع استعمارية. وقد كشفت أزمة السويداء بوضوح خطورة هذا الواقع الطائفي والتعصب الأعمى، وما يمكن أن يفضيا إليه من تقسيم واستدعاء للتدخل الخارجي.

ومن هنا، وإذا كان جوهر الأزمة يتجاوز حدود طائفة بعينها، فإن الإطار الطبيعي لمناقشتها لا يمكن أن يكون إطارًا طائفيًا، بل لقاءً وطنيًا عربيًا أوسع ومتعددًا يضم قوى سورية وفلسطينية ولبنانية وأردنية وغيرها، من مختلف الانتماءات، لبحث واقع الأزمة من خلال بحث واقع المجتمعات العربية وسبل التعايش بين مكوناتها، على أساس دولة المواطنة والقانون، ومبدأ: "الدين لله والوطن للجميع".            


الخميس، 27 أغسطس 2026

الهجري والانزلاق ما بين الموقف السياسيّ والعقائدي تخطّى الحدود وكلّ الحدود والعقيدة المذهبيّة الدرزيّة براء

  


الحركة التقدّمية للتواصل - درب المعلّم 

(بيان)


خرج الشيخ الهجري هذا الأسبوع بتصريح مصوّر يقول فيه: "نِحْنا كموحّدين دروز جزء لا يتجزّأ من دولة إسرائيل فهي دولة حظارة وقانون... رجعنا لقواعدنا التاريخيّة قواعد باشان التاريخيّة اللّي بْركّز عليها دائمًا... حتّى بالعقيدة نِحْنا مشتركين معها ويجب الحفاظ على هذا الفكر..."، الحركة تبيّن:

أوّلًا: نطمئن الهجري ومن معه أنّه؛ لأن إسرائيل دولة حضارة، كقوله، فهي بعلمائها ومؤسّساتها تعرف تمام المعرفة أنّ كلّ ما قاله عن العقيدة المشتركة محض ترّهات. فعلماؤها وساستها ومراكز أبحاثهم يعرفون تمام المعرفة ما في كتب العقيدة الدرزيّة وأكثر كثيرًا ممّا يعرف هو وكثير من الدروز.

ثانيًا: كثيرون من قيادات درزيّة إبّان قيام الدولة راحوا يسوّقون مثل هكذا أطروحات، فخابوا وخُيّبوا بعد أن ألقت بها مؤسّسات الدولة إلى حيث مكانها الطبيعيّ اللائق، وعاملت الدروز تماما كما بقيّة العرب، فصادرت أراضيهم (%70) وجعلت لقمة عيشهم في يدها؛ كرام على موائد لئام.   

ثالثًا: يستطيع الهجريّ في اقطاعيّته الباشانيّة باسمه أو باسم رعاياه فيها، أن يتّخذ الموقف السياسي الذي يريد ويتعامل مع من يريد ويخدم من يريد، لكنّه أقلّ من يصرّح باسم الدروز: "نحن كموحّدين دروز"، فلا هو في المقام ولا في المركز الذي يتيح له ذلك. والموحّدون الدروز بعقيدتهم أبعد ما يكونون عن "فكرِه الذي يريد أن يحافظ عليه". كلّ مطّلع على عقائد المذهب، ويبدو أنّه ليس منهم، يعرف ما في العقيدة الدرزيّة في السياق الذي يتحدّث عنه.

رابعًا: نطالب القيادات الدينيّة في إسرائيل وفي الجولان وريف دمشق ووادي التيم والأردن ولبنان بغضّ النظر عن مواقفهم السياسيّة، أن تقول كلمتها، وهي التي تعرف حقّ المعرفة أن هذا الكلام غير صحيح ويشكّل ضررًا بعيد المدى على الدروز، ونطالبها أن تضع حدّا لهذا الانزلاق المسيء للدروز والعقيدة الدرزيّة. ولا نرى حاجة للتذكير بما جاء في كتب المذهب التوحيديّ الدرزيّ عن هذه "الشراكة" المُدّعاة المنفيّة جملة وتفصيلًا، وأكثر من ذلك! 

خامسًا: نعود ونذكّر أنّ إسرائيل لا ترى في "إقطاعيّة الباشان" سوى ورقة لعب في مصالحها في مشروعها الشرق أوسطي، وسترميها عند أوّل فرصة! ونهيب بقواها العقلانيّة؛ الدينيّة والزمنيّة الوطنيّة العروبيّة أن تتصدّى لهذا الانزلاق وقبل فوات الأوان!    

سادسًا: إنّ اتّخاذ سكّان السويداء؛ المهجّرين منهم والطلّاب رهينة للتفتيش عن حبال نجاة مهترئة بعد أن بدأت تتهاوى كلّ رهانات الهجري ولفيفه، هي مقامرة خطرة لن تجلب إلّا الويلات. 

سابعًا: نطالب القوى الوطنيّة العروبيّة والإسلاميّة في سورية بكلّ مواقعها ومكوّناتها أن تتّخذ كل الخطوات المطلوبة تجاه الجبل لمحو آثار أحداث تمّوز الـ 25، قطعًا للطريق على كلّ مقامر في مصير سورية ووحدتها.         

26 آب 2026

عماد دغش – سكرتير 4030870-050

فوّاز سويد، فوّاز حسين (عامر)، سامي مهنّا، صلاح حلبي، خير الدين عبد الله، يامن زيدان، عماد سرحان، نفّاع نفّاع، خالد خلد، عماد فرّو، وضّاح القاسم، وسعيد نفّاع.         


الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

حربان يتسببان في أزمة طاقة عالمية

 


بقلم: د. عبدالله المدني

من دروس التاريخ الحديث أن البنى التحتية والمرافق والمنشآت الاستراتيجية المدنية دائما ما تكون الهدف الأول للتدمير في الحروب، من بعد المنشآت والقواعد العسكرية، وتحديدا آبار النفط ومصافي التكرير وخطوط الأنابيب وموانيء التصدير ومحطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، إنْ وجدت.

وبطبيعة الحال، كان استهداف هذه المرافق يتم من خلال الطائرات الحربية، فتتعامل معها الدفاعات الجوية. غير أن الأمر تغير اليوم بعد استخدام الطائرات المسيرة ذاتية التشغيل في القصف. فأنظمة الدفاع القائمة قد لا تنجح دوما في التصدي لكل مسيرات العدو، الأمر الذي يزيد من احتمالات تكبد المرافق الحيوية لأضرار جسيمة بأقل مجهود.

من ناحية أخرى، علمتنا الحروب أن الدول قد تلجأ إلى إلحاق أضرار مضاعفة بعدوها من خلال خنقه اقتصاديا، ووسيلتها في ذلك هو فرض الحصار البحري على العدو لمنعه من التصدير والاستيراد، أو إغلاق الشريان الحيوي الذي تمر من خلاله تجارته، كما هو الحال في مضيق هرمز ومضيق باب المندب حاليا.

ويزداد الأمر سوءا، لتمتد مخاطر الحرب إلى كل دول العالم، حينما تكون إحدى أو كلتا الدولتين المتحاربتين موردا مهما للطاقة العالمية. ففي هذه الحالة يؤدي توقف انتاج النفط ، بسبب استهداف حقوله ومعامل تكريره ومؤانيء تصديره، إلى شح في أسواق الطاقة العالمية، وبالتالي ارتفاع أسعاره، وعجز الدول عن توفيره لمواطنيها، وهو ما قد يؤدي إلى قلاقل واضطرابات وركود في الحياة الاقتصادية.

والمشهد العالمي الحالي، شاهد على صحة ما نقول، حيث أن هناك بالفعل أزمة طاقة في العالم، بل من المتوقع أن تتفاقم هذه الأزمة، خصوصا وأنها ليست ناجمة عن حرب واحدة وإنما حربان متزامنتان تنخرط في كل منهما دولة مصدرة للنفط (إيران في حرب الخليج، وروسيا في حرب أوكرانيا). 

فإذا كانت الحرب الأولى تسببت في إغلاق مضيق هرمز، وتسببت من جهة أخرى في قيام عصابات الحوثي اليمنية بإغلاق مضيق باب المندب أو تعطيل المرور من خلاله، وقيام الميليشيات العراقية الموالية لإيران بتهديد عمل وسلامة مصافي التكرير السعودية، ما أدى إلى تعذر تسويق نحو 20 مليون برميل من النفط الخليجي (الخام والمكرر والمكثفات والمنتجات البترولية) يوميا. فإن قيام الجيش الأوكراني، في إطار حربه ضد روسيا، باستخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى في قصف أكثر من 11 مجمعا روسيا رئيسيا لإنتاج الوقود، أدى إلى تعطيل جزء كبير من قدرة روسيا على انتاج الوقود، حيث قدر  حجم القدرة التكريرية المتضررة بنحو 60% من اجمالي قدرة البلاد في هذا المجال. والمعروف أن الهجمات الأوكرانية هدفت في المقام الأول إلى عرقلة مخصصات الحرب في موسكو والتي يتم تأمينها عبر تصدير المنتجات النفطية المكررة.

صحيح أن العالم نجح في تجاوز أزمة طاقة خلال الأشهر الأولى من الحرب الأمريكية على إيران بسبب عوامل منها أن شحنات ضخمة من نفط الخليج كانت قد عبرت مضيق هرمز قبل إغلاقه إلى وجهاتها العالمية، ومنها أن بعض الدول لجأت إلى استخدام مخزوناتها الاستراتيجية من النفط من تلك التي بنتها خصيصا للطواريء، ومنها قيام بعض الدول بترشيد استهلاك الطاقة من خلال العمل عن بعد أو تقليل ساعات العمل والدراسة، ومنها أيضا قيام الولايات المتحدة بزيادة انتاجها من النفط والغاز ومخرجات المصافي سدا لحاجتها الداخلية وحاجة الأمريكيتين. لكن الصحيح أيضا هو أن إطالة أمد الأزمة في الخليج واستمرار إغلاق مضيق هرمز والتهديدات الموجهة لحركة النقل في البحر الأحمر باتجاه قناة السويس، واستهداف المسيرات الإيرانية لميناء دمياط على البحر الأبيض المتوسط حيث ينتهي بالقرب منه خط أنابيب سوميد الناقل للنفط السعودي إلى أوروبا عبر مصر، وتزامن كل هذه التطورات مع اشتداد المعارك بين أوكرانيا وروسيا، خلق عجزا عالميا في توفير الطاقة وفي قدرات التكرير، ومصاعب في الحفاظ على توازن أسواق النفط، قد تشتد مع قرب حلول فصل الشتاء. ومن ناحية أخرى تدهورت أوضاع بعض الدول المعتمدة كليا على استيراد حاجتها من النفط والمشتقات البترولية من منطقة الخليج، وباتت في حالة اقتصادية هشة، كي لا نقول انها مقبلة على اضطرابات داخلية.

المؤسف أن إغلاق مضيق دولي مثل مضيق هرمز الذي يشكل شريان حياة لأمم وشعوب كثيرة، لم يواجه بقرار اممي صارم من مجلس الأمن الدولي يجيز تطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ضد الدولة المتسببة في الإغلاق وهي إيران، على نحو ما حدث في قضية غزو العراق للكويت سنة 1990، على الرغم من أن العمل الإيراني يؤثر على العالم كله وليس على دولة أو منطقة بعينها. والسبب معروف وهو عدم وجود اجماع دولي على معاقبة النظام الإيراني الإرهابي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م




الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الدور المنتظر للعراق في الشرق الأوسط


 بقلم: د. عبدالله المدني

منذ وصوله إلى سدة رئاسة الحكومة العراقية في أبريل 2026، قام علي الزيدي بحراك غير مسبوق للملمة الأوضاع الداخلية والسيطرة على الدويلات والميليشيات المنشرة في أرجاء بلاده وإخضاعها لسلطة الدولة. غير أن الجهات المناوئة له والمؤتمره بأوامر الجار الإيراني  الشرير أبت إلا وأن تقف عثرة في طريق سعيه لبناء عراق جديد مستقر ومتعاون مع محيطه العربي. وما الأحداث الأخيرة المتمثلة في قيام فصائل عراقية مسلحة بإطلاق مسيرات باتجاه الأراضي السعودية إلا دليل على أن الطريق ما زال طويلا امامه لإنجاز ما يسعى إليه.

أبى الزيدي أن يقوم بزيارته الخارجية الأولى لواشنطن منذ توليه السلطة، قبل أن يقوم بعمل ظل طويلا مطلبا  ألحت عليه القوى الداخلية الشريفة المحبة لوطنها، ودعت إليه الدول الخليجية والعربية والولايات المتحدة، وهو إخضاع الميليشيات المسلحة العابثة بأمن العراق لسلطة الدولة المركزية، وذلك كي يثبت للإدارة الأمريكية أنه رجل المرحلة القوي.

ومن هنا استرعت زيارته انتباه العديد من المراقبين الذين علقوا عليها بقولهم أن الضيف نجح في كسب ود مضيفه الذي داعبه أمام الصحفيين بقوله:"لقد كان رئيس الوزراء الزيدي رائعا لأنه فاز في انتخابات لم يتوقعها الكثيرون .. لدينا الآن بطل جديد، ورغم أنه لم يكن الأوفر حظا، لكنهم عندما تعرفوا عليه فاز في النهاية، وسيبقى في منصبه طويلا .. إنه لشرف عظيم أن يكون اليوم بيننا، فلقد كان مناضلا عظيما ومحبا للولايات المتحدة".

ولعل ما جعل المراقبون يحيطون الحدث باهتمام إضافي هو الزيارة التي قام بها الزيدي إلى طهران مباشرة بعد اختتام زيارته لواشنطن، واجتماعه لأول مرة بقادة إيران الجدد، حيث قيل أن بغداد قد تسعى للعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وربما استضافة مفاوضات إيرانية ــ أمريكية.

والحقيقة أن زيارة الزيدي إلى واشنطن جرى التخطيط لها بعناية لتتماشى مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط والمرتكزة على التجارة والاستثمارات والطاقة، بدليل أنها تضمنت اجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولين تنفيذيين في قطاعي التجارة والطاقة الأمريكيين. وهذا تحديدا ما استخدمه بعض المعلقين والمراقبين كمؤشر على احتمال بروز العراق قريبا كحلقة وصل استراتيجية في شرق أوسط جديد تتشكل ملامحه بشكل متزايد من خلال شبكات الطاقة والبنية التحتية والتجارة والاستثمار، خصوصا وأن العراق يتمتع بموقع جغرافي فريد في الشرق الأوسط ويمتلك ثروات نفطية وزراعية ومعدنية هائلة لم تستثمر كما يجب منذ أكثر من ربع قرن بسبب الحروب المتتالية وانفلات الأوضاع الأمنية ومحاولات التخريب والسيطرة الإيرانية.

وبطبيعة الحال، فإن عوامل كثيرة ساهمت في بروز هذا الدور المرتقب للعراق في منطقة الشرق الأوسط. من هذه العوامل أولا: انحسار قوة وتأثير الجماعات الإرهابية (كداعش) في العراق وعموم المنطقة بفضل الضربات الأمريكية الساحقة، وبالتالي تحسن البيئة الأمنية بشكل عام،. وثانيا: سقوط نظام الأسد الموالي لطهران في سوريا المجاورة. وثالثا ضعف النظام الفقهي الإيراني داخليا وخارجيا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضده. لكن العامل الأخير له وجه آخر، فكلما شعرت طهران بأن أياديها مكبلة ولا تقوى على التحرك أمرت وكلائها المسلحين في العراق بالتصرف نيابة عنها، وهو ما حدث في العدوان الجبان الأخير على الأراضي السعودية.

ويبدو أن العراق يحاول أن يعيد تقييم دوره الإقليمي، في وقت يقوم فيه جميع الأطراف الاقليمية الفاعلة والرئيسية الأخرى، بالشيء ذاته، لكن من منطلقات متباينة. حيث تنظر إيران إلى تعزيز انخراطها مع العراق من منطلقات طائفية وعقيدية ممزوجة بمنطلقات الهيمنة والتوسع واستغلال الثروات، خصوصا وأن العراق يشكل لها عازلا استراتيجيا ، بينما تحاول دول الخليج العربية الانخراط مع العراق من منطلقات قومية واستراتيجية بهدف حمايته من التغول الإيراني، والمحافظة على عروبته، وأمنه واستقراره وازدهاره. أما الولايات المتحدة فلم تعد تنظر إلى العراق من منظور مكافحة الإرهاب وتحقيق النفوذ ــ كما كان الحال بعد غزو 2003 ــ وإنما تسعى للإنخراط معه في شراكة اقتصادية متعددة الجوانب، طويلة المدى، ذات فائدة للطرفين وللمنطقة عموما.

وأخيرا، فإن الصين ليست بعيدة عن المشهد كعادتها، فهي الأخرى تدرك أهمية العراق وتسعى للإستفادة الاقتصادية والسياسية والتجارية من أي متغيرات تصب في صالح بروز عراق جديد تتزاحم فيه المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية، ويسعى فيه العراق إلى أن يكون "دولة وسيطة" أي دولة تستمد نفوذها من البقاء على صلة بشبكات سياسية واقتصادية متنافسه والمساهمة في تفاعلها وتشكيل آلياتها.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م

 


أستراليا: أولوياتهم الشركات الكبرى

 


كتب عباس علي مراد

في ظل أزمة معيشية وارتفاع أسعار الطاقة، وازمة سكن غير مسبوقة، الطبقة السياسية الأسترالية باستثناء حزب الخضر وبعض النواب المستقلين تستهدف أصحاب الاحتياجات الخاصة، واصحاب الدخل المنخفض، ويستهدفون المهاجرين في بازار سياسي مقرف. 

هانسون زعيمة حزب أمة واحدة في خطاب لها أمام نادي الصحافة الوطني تتهم العمال والموظفين بانهم لا يستحقون زيادات الأجور، وتهاجم المهاجرين وتريد تخفيض اعدادهم وتدافع عن شركات التعدين.

حكومة العمال توقف العمل ببرنامج المساعدة المؤقت للحد من تأثير أسعار الطاقة والبترول للمواطنين، بحجة التخوف من ارتفاع نسبة التضخم، وفي ما يتعلق بسياسة الهجرة يتخبط حزب العمال ويبدي عكس ما يضمر، أما الاحرار يريدون ربط نسبة المهاجرين بعدد المنازل التي يتم بناءها. 

في نفس الوقت كانت وما زالت سياسية الحكومات الاسترالية المتعاقبة تعويض شركات التعدين والغاز مبلغ يقارب 9 مليار دولار كبدائل لأسعار المحروقات التي يستعملونها في المناجم، هذا عدا عن نسبة الضرائب المنخفضة التي تحصلها الحكومة من تلك الشركات.

مؤخراً أقرت حكومة العمال الفيدرالية وحكومة نيو سوث ويلز العمالية خطة بقيمة  2.5 مليار دولار لإنقاذ مصهر تاماجو للآلمنيوم التابع لشركة ريو تينتو.

 علماً ان الشركة سجلت مؤخرًا صافي ربح قدره 6.7 مليون دولار أمريكي للنصف الأول من العام (بزيادة قدرها 47%)

وهذه المساعدة واحدة من سلسلة حزم الإنقاذ الحكومية الأخيرة التي بلغت مليارات الدولارات للشركات ذات الأرباح العالية والثانية لريو تينتو نفسها. 

بررت الحكومتين ان توماجو أكثر من مجرد مصهر، إنها أصل صناعي ذو أهمية وطنية، يقع في قلب القدرة التصنيعية لأستراليا. 

الاربعاء 19/8/2026 اقر مجلس الشيوخ مشروع قانون التأمين الوطني للإعاقة المثير للجدل الذي قدمته الحكومة الفيدرالية مع تعديلات "جوهرية" بعد اتفاق حزب العمال والائتلاف المعارض (الاحرار- الوطني). 

هذا المشروع سيحسن وضع ميزانية الحكومة الفيدرالية بمقدار 37.8 مليار دولار على مدى أربع سنوات. 

يهدف مشروع قانون التأمين الوطني للإعاقة، الذي طرحته حكومة ألبانيزي، إلى الحدّ بشكل كبير من نموّ هذا البرنامج الذي تبلغ ميزانيته 50 مليار دولار سنويًا، وذلك من خلال خفض الميزانيات والانفاق أولًا، ثمّ خفض عدد المستفيدين منه بدءًا من عام 2028. ومن المتوقع أن يتمّ استبعاد أكثر من 240 ألف مشترك من برنامج التأمين الوطني للإعاقة خلال السنوات الأربع التي تلي تطبيق قواعد الأهلية الجديدة.

والقانون الجديد سيعطي صلاحيات وزارية جديدة تُخوّل الوزير خفض التمويل بشكل حادّ من فئات مُحدّدة لجميع المشتركين. 


وبخصوص قوانين المقامرة والرهانات توصلت حكومة العمال الفيدرالية مع المعارضة لاتفاق بشأن قوانين المقامرة متجاهلين صرخات حزب الخضر والنواب المستقلين حتى بعض نواب الإئتلاف الذين صوتوا ضد المشروع. 

اعربت قوى سياسية واجتماعية عن أسفها لأن الحكومة لم تحقق إصلاح للنظام بشكل سليم يراعي الأزمة الوطنية، واعتبروا ان ذلك يعود إلى "قوة الضغط الكبيرة" التي تتمتع بها قطاعات المراهنات والرياضة والإعلام التي تجني مردوداً عالياً من الاعلانات الخاصة بالمقامرة. 

وقد تجاهلت الحكومة توصيات لجنة بيتا مورفي النائبة العمالية السابقة، التي دعت إلى حظر كامل لإعلانات المقامرة والإغراءات المتعلقة بها.بينما علقت الحكومة على المشروع بانه "لن يُرضي الجميع" وبأسلوب ضبابي قال رئيس الوزراء انثوني ألبانيزي إن الإصلاحات تركز على "مشكلة المقامرة".

واعتبر السينتور المستقل ديفيد باكوك"اتفاق حزب العمال والائتلاف بشأن مشروع قانون المقامرة إنه خيانة لجميع الأستراليين." 

أخيراً، يبدو ان اشتراكية الرأسمالية بتعويض خسائر الشركات الكبرى من أموال دافعي الضرائب، والاحتفاظ بالارباح وعدم المساهمة في تعويض الحكومة بعد التعافي هي في صلب السياسة الحكومية. 

وهذا ما يتفق عليه الحزبين الكبيرين بالإضافة لحزب أمة واحدة الذين يقتطعون مساعدات الفقراء، ويعتبرونها تشكل خطراً على أداء الاقتصاد، ويبلعون السنتهم ويصمتون عندما يتم تعويض الشركات الكبرى والتي تعود ملكية بعضها بنسبة 80% لمستثمرين أجانب. 

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا تكتفي الحكومات بتقديم الأموال النقدية وانقاض الشركات من أموال دافعي الضرائب، بينما يمكنها الحصول على أسهم وتحقيق قيمة للمنفعة العامة؟

وهذا بالضبط ما فعلته الحكومة الالمانية اثناء جائحة كورونا عندما انقضت شركات الطيران حيث اشترت أسهم في تلك الشركات.

لكن يبدو ان اولويات الطبقة السياسية الأسترالية التي تتداول السلطة منذ تأسيس النظام الفيدرالي عام 1901 هو الشركات الكبرى واصحاب الرأسمال.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

كيف واجهت دول آسيان "صدمة هرمز"

 


بقلم: د. عبدالله المدني*

مما لا جدال فيه أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريانا حيويا لأمن الطاقة العالمي والتجارة الدولية، تسبب في أضرار ومعاناة لدول كثيرة في العالم. غير أن درجة الضرر تفاوتت من دولة إلى أخرى بشكل هائل بحسب قوة اقتصاد كل دولة وحجم مخزونها الاستراتيجي من النفط، وسياساتها الخاصة بدعم الوقود وهياكل الإستيراد.

وإذا ما تساءلنا عن الطرف الأكثر تضررا على مستوى دول منظومة آسيان الجنوب شرق آسيوية مثلا، نجد أن الفلبين أتت في المقدمة، وكانت أكثر ضحايا الأزمة ليس فقط لأنها رابع أكبر دول آسيان من حيث المساحة والثانية من حيث عدد السكان (نحو 118 مليون نسمة)، وإنما أيضا بسبب عدم امتلاكها لمخزونات استراتيجي من النفط، واعتمادها بشكل شبه كامل على الخام القادم من الخليج. ولهذه الأسباب أعلن رئيسها "فرديناند ماركوس الإبن" حالة الطواريء الوطنية في قطاع الطاقة لمدة عام واحد، معتبرا أن إغلاق هرمز تهديد مباشر لأمن الطاقة في البلاد، ومفوضا الحكومة باتخاذ تدابير لمكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار مع تقديم حزمة أوسع لدعم المعيشة وقطاع النقل. غير أن هذه الإجراءات لم تمنع إضراب سائقي حافلات "الجيبني" الشعبية، احتجاجا على أسعار الوقود المرتفعة (في شهري مارس وأبريل الماضيين مثلا كانت أسعار الوقود في الفلبين توازي ضعف أسعارها في ماليزيا وتايلاند وفيتنام)، ولم تمنع ارتفاع أسعار الديزل بشكل غير مسبوق، وهو ما فتح المجال واسعا أمام حملة انتقادات واسعة ضد الحكومة لفشلها في تكوين احتياطي استراتيجي من الخام كبقية الدول، وعدم اكتراثها بتحديث شبكات الطاقة.

أما في اندونيسيا فقد أدت تداعيات الأزمة إلى قفزة حادة في أسعار وارداتها من النفط الخام، وهذا بدوره أدى إلى استنزاف احتياطياتها من النقد الأجنبي، الأمر الذي تسبب في الضغط على العملة الوطنية (الروبية) وتدني قيمتها إلى مستويات لم تشهدها البلاد حتى خلال أزمة الانهيار النقدي الآسيوي سنة 1997، وهي الأزمة التي أطلق عليها "أزمة توم يام كونغ" في إشارة إلى أشهر الأطباق في المطبخ التايلاندي، كون الأزمة بدأت في تايلاند وتأثرت بها كل شريكاتها في تكتل آسيان.

لاوس هي الأخرى وقعت ضحية للأزمة أيضا، لكن بصورة مختلفة عن شريكاتها. فهذه الدولة الصغيرة ذات الملايين الثمانية والمفتقدة لمنفذ بحري، والتي لا يزيد ناتجها المحلي الاجمالي عن 18 مليار دولار، عانت كثيرا في البدايات بدليل إغلاق المئات من محطات الوقود وارتفاع أسعار الديزل بنسبة 100%، واضطرار السلطات إلى تقليص أيام الدراسة وأعداد الحصص المدرسية، لكنها سرعان ما استعادت توازنها ونجحت في النهوض مجددا عن طريق إبرام صفقة رسمية مع شركة الطاقة الحكومية في تايلاند المجاورة لتوريد الوقود المكرر عبر الحدود البرية المشتركة، الأمر الذي ساعدها على تجاوز مشكلتها، وإنْ كانت ستخرج من عام 2026 وميزانيتها تشكو من عجز خطير.

وهذا لا يعني أن تايلاند لم تعان من تداعيات أزمة هرمز، فهي كشريكاتها الأخريات عانت، بدليل أن وارداتها  من النفط الخام تقلصت بنسبة 50%، ثم بدليل قيامها بتقليص حجم معظم صادراتها الاستراتيجية من أجل حماية احتياطياتها الوطنية، لكنها في الوقت نفسه، ورغم كل الضغوط، أبقت شريان الحياة مفتوحا أمام جارتها اللاوسية. أما السبب فهو أن البلدين يرتبطان بعلاقات تبادل وتعاون صحية، عمادها المصلحة المشتركة. وبعبارة أخرى فإن "فزعة" تايلاند تجاه لاوس لها علاقة بواردات تايلاند من الطاقة الكهرومائية الآتية من لاوس. حيث أن بانكوك التي تتبع حكومتها استراتيجية تنويع مصادر الطاقة، اتجهت قبل مدة إلى تعميق الاعتماد المتبادل مع لاوس عبر زيادة مشترياتها للطاقة الكهرومائية المولدة من السدود اللاوسية. ومن المؤكد أن استمرار تايلاند في تصدير النفط لجارتها، في عز هذه الأزمة الخانقة ناتج عن سياسة بانكوك الحكيمة لجهة تكوين مخزون طواريء نفطي، على العكس من الفلبين.

ومثل هذه العلاقة التبادلية غابت في حالة اندونيسيا والفلبين، إذ واجه كل منهما صدمة هرمز بمفرده لإفتقارهما إلى شبكة من العلاقات التبادلية يمكن الاعتماد عليها في أوقات الطواريء وزمن توقف حركة النقل عبر المضايق الدولية لسبب ما.

وهكذا كشفت أزمة هرمز عن نقاط ضعف في أمن الطاقة في منطقة جنوب شرق آسيا، أما الدرس المستخلص منها فهو أن نجاح أعضاء أي تجمع إقليمي في التماسك وتجاوز المخاطر بأقل الأضرار يعتمد على التعاون وتبادل الخدمات والمصالح بين جيران وشركاء يحتاجون لبعضهم البعض. فما بالك لو كان هؤلاء الجيران يرتبطون بأواصر الدم والثقافة والتاريخ والعقيدة كحال دول مجلس التعاون الخليجي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م

 




الأربعاء، 5 أغسطس 2026

في الذكرى العاشرة لصدور حكم دولي لصالح الفلبين


 

بقلم د. عبدالله المدني*

بحر الصين الجنوبي، الذي عرف عند المسلمين ببحر الصنف، هو جزء من مياه المحيط الهاديء يمتد من سنغافورة ومضيق ملقا جنوبا إلى مضيق تايوان شمالا بمساحة تقارب 3.5 مليون كيلومتر مربع. وعلى الرغم من أنه يحمل إسم الصين، إلا أنه ليس بحرا صينيا وإنما مياه دولية تمر به ثلث الشحنات البحرية العالمية. في هذه المساحة المائية الشاسعة يوجد أرخبيل من الجزر الصغيرة ــ معظمها غير مأهول ــ لكنها موضع نزاع حول حقوق السيادة بين الصين والدول الآسيوية المتشاطئة الأخرى.

 من هذه الدول الفلبين التي تنازع الصين السيادة على جزيرة "وودي" وجزيرة "باغاساس" وشعاب "فيري كروس" و"ميستشيف" و"سوبي"، و"سكاربورو" و"سيكند توماس" المرجانية، والتي لهذا السبب أطلقت على المياه المحاذية لها من بحر الصين الجنوبي إسم "بحر الفلبين" منذ عام 2012.

في الثاني عشر من يوليو المنصرم حلت الذكرى السنوية العاشرة لحكم محكمة التحكيم الدائمة (PCA) في لاهاي لصالح الفلبين بشأن الدعوى التي رفعتها مانيلا ضد بكين، وهو حكم تجاهلته الأخير ولم تعترف به وعدته بمثابة قصاصة ورق لا قيمة لها، بدليل أنها، منذ صدوره، راحت تتوسع في عسكرة المناطق المتنازع عليها ببناء المنشآت العسكرية والقواعد ومهابط الطائرات والتحصينات الدفاعية، الأمر الذي يعكس مدى التصدع الحاصل في النظام العالمي والاستهتار بالقانون الدولي من جهة، ويعكس من جهة أخرى مضي الصين في سياساتها التوسعية على حساب جاراتها الصغيرات الأقل قوة. 

الأغرب من كل هذا أن الدول الأربع عشرة التي احتفلت بهذه الذكرى، لم تكن بينها أيا من دول منظومة آسيان سوى الفلبين صاحبة القضية، إذ فضلت شريكات الفلبين الآخريات الصمت. وهذا لئن عكس شيئا فإنما يعكس مدى تصدع هذا التكتل الآسيوي، أو استمراره في سياسة النأي بالنفس عن مشاكل الدول الأعضاء الخاصة. كما أنه يدل، من جهة أخرى، على مدى حذر وخوف بعض الدول الأعضاء من اتخاذ مواقف قد تغضب الصين، فيرتد عليها ذلك بخسائر اقتصادية.

ومما يجدر بنا ذكره في هذا المقام أن "رابطة آسيان" الجنوب شرق آسيوية سوف تحتفل في أغسطس من العام القادم بالذكرى الستين لتوقيع ميثاقها. وستكون المناسبة، بلا شك، فرصة للإحتفال بستة عقود من التقدم الاقتصادي والتعاون الثقافي والدبلوماسي، لكنها ستكون في الوقت نفسه لحظة لمواجهة فشل الرابطة في الوفاء بإلتزاماتها لجهة تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة من خلال احترام العدالة وسيادة الحق والقانون والالتزام بمباديء ميثاق الأمم المتحدة.

ولعله من نافلة القول أن حقيقة كون رابطة آسيان تكتلا قائما على التوافق ومبدأ عدم التدخل ــ مصدر ضعفها الرئيسي ــ وبالتالي عدم وقوفها خلف الفلبين في قضيتها ضد الصين، ساهم في تشجيع بكين على القول بأنها على حق، وأنه  حتى شريكات الفلبين لا يعترفون بحقها، الأمر الذي شجعها على مواصلة استغلال الأراضي المتنازع عليها عسكريا وتنقيبيا دونما رادع، بل وشجع مؤيدوها على الترويج لسياساتها "الحكيمة" على مواقع التواصل.

يعود أصل القضية الخلافية بين مانيلا وبكين إلى عام 2013 حينما طلبت الفلبين في عهد زعيمها السابق المثير للجدل "رودريغو دو تيرتي" من محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي البت في الحقوق التاريخية والمطالبات البحرية للفلبين في بحر الصين الجنوبي، وأيضا البت في مدى قانونية السلوك الصيني في المنطقة. كان رد فعل بكين هو رفض إرسال ممثلين عنها إلى جلسات التحكيم، بل ورفض قبول الخطابات التي أرسلها قضاة المحكمة إليها. على أن هذا الرفض لم يمنع المحكمة من القيام بمهامها وإجراءاتها القانونية لأن المادة التاسعة من الملحق السابق لإتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي وقعت الصين عليه، ينص بشكل واضح على أن غياب أحد أطراف النزاع أو امتناعه عن الدفاع عن قضيته لا يشكل عائقا أمام سير إجراءات التحكيم.

وهكذا قضت المحكمة بتاريخ 12 يوليو 2016م، وفقا للأصول القانونية المتبعة، بأن عدم مشاركة الصين لا يمكن استخدامه للإنتقاص من حق الفلبين في التحكيم الدولي، ثم أصدرت حكمها لصالح الفلبين والذي تضمن رفض المحكمة لإدعاءات الصين بامتلاك حقوق تاريخية للسيطرة على الموارد داخل "خط النقاط التسع" باعتبار هذا الخط باطلا لتعارضه مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإدانة المحكمة تصرفات الصين كونها تنتهك الحقوق السيادية لجمهورية الفلبين داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة، بما فيها أعمال التنقيب عن النفط والصيد وإعاقة السفن الفلبينية. كما حملت المحكمة الصين مسؤولية التسبب في أضرار جسيمة للبيئة البحرية لأنها قامت ببناء الجزر الإصطناعية ومارست أنشطة حصاد الشعب المرجانية دون وجه حق.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م


 

الاثنين، 3 أغسطس 2026

مركز فِكر في الذكرى السنوية لتفجير مرفأ بيروت


استذكر مركز فِكر الذكرى السنوية لتفجير مرفأ بيروت، مؤكداً أهمية التوصل إلى عدالة شفافة تكشف الحقيقة وتُنصف الضحايا.

وأضاف المركز: ليكن الرابع من آب مناسبةً جامعة للصلاة على نية الضحايا، والدعاء بالشفاء للمصابين، وبالصبر لأهاليهم، وأن يحمل للبنان الأمن والاستقرار والازدهار.


                  رئيس مركز فِكر

                  المحامي شادي أبو عيسى