الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

توتر مفاجيء بين تايلاند واسرائيل


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

أولت إسرائيل اهتماما خاصا بعلاقاتها مع مملكة تايلاند منذ أن اعترفت بانكوك بها في عام 1950، وتحديدا بعد أن أقاما علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء في عام 1958، وذلك لأسباب عدة منها موقع تايلاند المتوسط في منطقة جنوب شرق آسيا، وحاجة إسرائيل في سنواتها المبكرة إلى تعزيز وترسيخ وجودها بين دول العالم الآسيوي ككيان معترف به.

شهدت العلاقات البينية تطورات سريعة شملت مختلف المجالات، ولاسيما المجالات الاقتصادية والسياحية والتجارية والتكنولوجية والدفاعية. وعلى هامش التعاون في هذه الحقول تم تبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين على أعلى مستوى. وكانت زيارة رئيسة الحكومة الأسرائيلية الأسبق غولدا مائير لبانكوك سنة 1962، حينما كانت وزيرة للخارجية، وزيارة رئيس أركان جيش الدفاع تسيفي يتسور، من أهمها.

لقد وجد الإسرائيليون في تايلاند بلدا سياحيا جميلا وآمنا يناسب امكاناتهم المادية ومطالبهم الأمنية بدليل قيام 420 ألف سائح إسرائيلي بزيارة تايلاند العام الماضي وحده، كما وجدت تل أبيب في تايلاند مصدرا للتزود بالعمالة الزراعية الرخيصة والمسالمة في الأوقات التي كانت تعاقب فيها العمالة الفلسطينية بإغلاق الضفة والقطاع، علما بأن عددهم وصل في إحدى المراحل إلى عشرات الآلاف. في المقابل وجدت تايلاند في إسرائيل بلدا متقدما صناعيا وتكنولوجيا وعسكريا، فاستعانت بها في تطوير صناعاتها تكنولوجيا، وعقدت معها اتفاقيات لتزويد جيشها بالمسيرات والمدافع وقذائف الهاون والبنادق الآلية، وراحت تستورد منها مختلف أنواع البضائع حتى حلت في المرتبة السادسة في قائمة الدول الآسيوية المستوردة من إسرائيل.

وعلى الرغم من محاولات بعض التنظيمات الفلسطينية المتطرفة مثل منظمة أيلول الأسود إتخاذ تايلاند كمسرح لعملياتها، على نحو ما حدث في عملية احتجاز الرهائن داخل السفارة الإسرائيلية ببانكوك سنة 1972، وعلى الرغم من قيام حركة حماس باختطاف العشرات من العمالة التايلاندية من المستوطنات والتسبب في معاناتهم في عملية السابع من أكتوبر 2023، فإن علاقات البلدين استمرت، بل راحت تتعزز وتترسخ لوجود مصالح مشتركة.

وعلى ضوء هذه الخلفية، لا يمكن القول أن التوتر الذي حدث مؤخرا بين البلدين سوف يؤدي إلى أزمة وقطيعة كما يتمنى البعض. لكن ما هو تفاصيل التوتر الذي أحدث شرخا بسيطا في جدار العلاقات الإسرائيلية ــ التايلاندية، وجعل الخارجية التايلاندية تستدعي سفير تل أبيب في بانكوك "ألونا فيشر ــ كام" إلى مقرها للإحتجاج.

في الآونة الأخيرة ظهر إستياء في صفوف التايلانديين من سلوك وتصرفات السياح الإسرائيليين، فهذا يتهمهم بالبخل الشديد، والآخر يتهمهم بسرقة أواتلاف محتويات الغرف الفندقية، والثالث يصفهم بالمزعجين والقذرين، والرابع يحذر من التعاطي معهم، إلى أن ظهرت تحذيرات على ألسنة تايلانديين من المشاهرين والنشطاء السياسيين حول ضرورة وضع حد لما وصف بعمليات إسرائيلية للإستيلاء على الأراضي والسيطرة على منتجعات سياحية شهيرة من خلال صفقات عقارية مضللة وأعمال تجارية مغشوشة. ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير حينما قامت السلطات، في إطار تحقيقاتها، بالعثور على مقبرة يهودية غير مرخصة (أو أنهى أجل ترخيصها)، ونبشها، وإخراج الجثث منها. وهو ما اعتبره التايلانديون انتهاكا لقوانين البلاد واستخفافا بالعادات والثقافة المحلية من قبل الاسرائيليين. وأعقب ذلك حدث آخر اعتبره التايلانديون تدخلا فجا من السياح الإسرائيليين لفرض آرائهم على شعب حر في وطن حر، وذلك في إشارة إلى تلاسن بين سائح إسرائيلي اعترض على تايلاندي صاحب حديقة للحيوانات لوضعه علم فلسطين على أسوار حديقته.

وهكذا أخذت الأجواء تتوتر أكثر فأكثر، خصوصا بعد قيام نحو 300 تايلاندي بقيادة "سوندي ليمثونغكول"، وهو شخصية محافظة مثيرة للجدل تملك إحدى الوسائل الإعلامية، بالتظاهر أمام السفارة الإسرائيلية في بانكوك، وترديد عبارات نابية ضد اليهود عموما، بل وقيام بعضهم برفع الشعار النازي، وترديد أغنية لمغني الروك التايلاندي المناهض للصهيونية  "إيد كاراباو".

أما سفيرة تل أبيب في بانكوك، فقد وصفت ما يجري بأنه عملية مدبرة، يقف وراءها ويدعمها بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة في جنوب تايلاند المدعومة بدورها من النظام الايراني، بهدف تخريب علاقات بلادها بمملكة تايلاند. وأضافت: "لو أن التظاهرة أمام سفارتها كان فقط بقصد المطالبة بتحسين سلوك السياح الإسرائليين او معارضة وجودهم في تايلاند، لما تخللتها خطابات الكراهية والاهانة بحق اليهود، ولما رفعت أثناءها هتافات "حرروا فلسطين"، و"أخرجوا من غزة".

ونخالة القول أن هناك اليوم ثمة مشاعر معادية للإسرائيليين بين التايلانديين، لا تفسير واضح له سوى القلق من أن يستوطن الإسرائيلي تايلاند ويوسع نشاطه ويسيطر على العقارات والأنشطة التجارية فيها، فيزاحم المواطنين في أرزاقهم، خصوصا وأن بعضا من الإسرائيليين الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية يديرون بالفعل بعض الفنادق والمطاعم والشركات السياحية الناجحة ويضعون عليها لافتات جذب باللغة العبرية.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م




جاكرتا وبكين ... تعاون فضائي أم عمل تجسسي؟


 بقلم: د. عبدالله المدني*

على الرغم من حاجة اندونيسيا للصين لجهة الاستفادة من مساعداتها الاقتصادية والتنموية والاستثمارية والتكنولوجية، وحاجة الأخيرة للأسواق الاندونيسية الواسعة لتصريف منتجاتها، وعلى الرغم أيضا من الزيارات الكثيرة المتبادلة على أعلى المستويات بين البلدين، وتعاونهما كأعضاء في 19 منظمة دولية وإقليمية، ووجود توأمة بين عشر مدن صينية وأندونيسية، وانحدار جزء كبير من الشعب الأندونيسي من أصول صينية، إلا أن العلاقات بينهما يخيم عليها الشكوك والهواجس، وتبدو فاقدة لعنصر الثقة المتبادلة. بل حتى على المستوى الشعبي، هناك ما لا يقل عن 30% من الأندونيسيين (أي نحو 85 مليون نسمة) لديهم نظرة سلبية تجاه الصين والصينيين، طبقا لإستطلاع أجرته شبكة البي بي سي. 

والأسباب عديدة، بعضها قديم توارثته الأجيال منذ واقعة الانقلاب الدموي الفاشل الذي دبرتها الصين الماوية سنة 1965 للإستيلاء على السلطة وتحويل إندونيسيا من بلد مسلم محايد إلى دولة ذات نظام شيوعي شمولي موالي لبكين وتعاليم المعلم ماو تسي تونغ (بلغ عدد ضحايا الانقلاب ما بين 500 ألف ومليون قتيل)، والبعض الآخر حديث مرتبط بالمخاوف من النزعة التوسعية للصين وسياسات فخ الديون وإغراق الأسواق التي تتبعها بكين، علاوة على مسائل السيادة البحرية وحقوق الصيد واستغلال الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. 

وباختصار شديد، يمكن وصف علاقات الطرفين بأنها نموذج لشراكة اقتصادية تهيمن عليها الهواجس وتتخللها توترات وتحديات استراتيجية عميقة، خصوصا في ظل اصرار جاكرتا على الحفاظ على علاقات ودية متشعبة مع واشنطن.

نتحدث اليوم عن طبيعة العلاقات الاندونيسية الصينية على ضوء قيام الصين مؤخرا ببناء قمر صناعي لصالح أندونيسيا وإطلاقه بواسطة صاروخ من سواحلها. أطلقت إندونيسيا على القمر إسم "لامبونغ 1"، تيمنا باسم مقاطعة لامبونغ الواقعة بجزيرة سومطرة، وقالت أنه سيساعد المقاطعة في مراقبة مزارعها ومحاصيلها وسواحلها من الفضاء، بينما قالت الشركة الصينية التي قامت بصناعة القمر  بالتعاون مع حكومة مقاطعة لامبونغ وإحدى الجامعات الصينية والهيئة الوطنية للأبحاث في أندونيسيا أن القمر يتمتع بقدرة على إلتقاط  صور عالية الدقة للمزارع، والكشف عما إذا كانت المحاصيل سليمة أم تالفة، أو عما إذا كانت المياه نظيفة أم ملوثة، مضيفة أن القمر يحمل حاسوبا قويا يقوم بتحليل الصور في الفضاء وارسال النتائج مبسطة مع تعليق مثل "هذا الحقل يحتاج إلى ماء أكثر أو أقل" بدلا من الاكتفاء بإرسال الصور الخام.

هذا الحدث أثار مجددا إلعديد من الأسئلة التي أثيرت من قبل، ومنها مدى الحذر الواجب على جاكرتا وقت قبولها العروض والمساعدات التكنولوجية، لاسيما حينما يكون العرض المقدم حول انظمة وتقنيات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري، ومن الأسئلة أيضا كيف يضمن الاندونيسيون حصولهم على نتائج أبحاث قمرهم الصناعي دون مرورها أولا على الصينيين الذين قد يحاولون تغييرها. غير أن السؤال الأهم كان "ما الذي يمنع بكين من استخدام القمر الاندونيسي في التجسس وجمع البيانات حول حركة السفن والقطع البحرية في مضيق سوندا الاندونيسي وربما أيضا في مضيق لومبوك الاستراتيجي الذي يعد ممرا اقتصاديا وعسكريا يربط المحيطين الهندي والهادي، ومسارا حيويا للقوات الاسترالية او القوات الحليفة للعبور نحو بحر الصين الجنوبي ومناطق التوتر المحتملة كتايوان.

إن صفقة بناء القمر بدت جدا مغرية، حيث لم تنفق حكومة مقاطعة لامبونغ أي أموال من ميزانيتها، وتكفل الصينيون بكل شيء ابتداء من صناعة القمر وإطلاقه، وانتهاء بتدريب الاندونيسيين على كيفية استخدام بيانات القمر وتحليلها. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الحكومة الصينية دأبت منذ فترة طويلة على تشجيع إبرام مثل هذه الصفقات بعيدا عن الحكومتين المركزيتين، بمعنى أن تبرم الصفقة بين حكومة مقاطعة محلية صينية ونظيرتها في الدولة الاجنبية أو بين حكومة مدينة وتوأمتها في الدولة الأخرى. وهذا الأسلوب، بطبيعة الحال، مفيد لأنه يمضي بوتيرة أسرع، ويقطع شوطا بعيدا في التنفيذ قبل أن يتنبه المشرعون والاعلاميون والنشطاء في الدولة الأجنبية إلى الجوانب السلبية للعرض الصيني ويقفون في وجهه.

ويمكن القول أن ما حدا بالبعض إلى التساؤل حول ما إذا كان "لامبونغ 1" مشروعا صينيا بريئا أم عملا تجسسيا هو أن السلطات الأندونيسية عثرت قبل فترة وجيزة على عوامة استشعار ضخمة على هيئة سفينة مثبته في قاع البحر عند سواحل مضيق لومبوك لرصد الغواصات. وعلى الرغم من الفشل في تحديد هوية الجسم، إلا أن أصابع الإتهام وجهت إلى الصين كونها الجهة الوحيدة المستفيدة من هكذا عمل، ناهيك عن وجود تحركات صينية مشبوهة دائمة في المنطقة، ولا سيما في أعقاب إتفاقية (AUKUS) التي أبرمتها استراليا مع الولايات المتحدة وبريطانيا للحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م




الخميس، 24 سبتمبر 2026

النتائح العكسية للضغط الصيني على اليابان


بقلم: عبدالله المدني*

تمر العلاقات الصينية اليابانية اليوم بأسوأ حالاتها. وهي لئن كانت دوما تحت وطأة أحمال تاريخية قديمة ونزاعات حول الأراضي والمياه، إلا أنها عانت منذ نوفمبر 2025 من تداعيات تصريحات أطلقتها رئيسة الحكومة اليابانية "ساناي تاكائيتشي" في برلمان بلادها، بأن "أي هجوم عسكري صيني على تايوان سيشكل وضعا يهدد بقاء اليابان، وبالتالي فلا بد من تدخل القوات اليابانية"، وهو ما اعتبرته الحكومة الصينية موقفا عدائيا وتصرفا غير مقبول.

مذاك راحت بكين تمارس الضغوط وتطلق التهديدات وتفرض العقوبات على جارتها اليابانية لثنيها عن مواقفها بخصوص تايوان، وإجبارها على القبول بمبدا الصين الواحدة. من جانبها رفضت حكومة تاكائيتشي المواقف الصينية المتشنجة، وأقدمت على خطوات مضادة مثل: توسيع نطاق تدريباتها العسكرية مع أستراليا والهند وإندونيسيا والفلبين، وتنويع سلاسل التوريد، والإعلان عن رفضها التراجع بشأن ملف تايوان، والعمل من أجل تغيير سياساتها الدفاعية السلمية. وهكذا راحت العلاقات بين البلدين تزداد سوءا وتوترا.

ومن المناسب هنا أن نعيد التذكير بأن قضية تايوان تحظى بأهمية بالغة في السياسة الداخلية للصين، وليس فقط في سياستها الخارجية، وهي في الوقت نفسه قضية تهم اليابان لأن الأخيرة احتلتها لمدة 50 عاما عقب هزيمة الصين في الحرب اليابانية الصينية بين عامي 1894 و 1895، وتعاملت آنذاك مع التايوانيين على أنهم رعايا يابانيين وليسوا صينيين.

أما الجديد في الموضوع فهو أن وفدا من المشرعين اليابانيين، مكونا من ممثلين عن الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم وحزب "كوميتو" و"تحالف الإصلاح الوسطي" المعارضين، زار مؤخرا الصين في مسعى تصالحي، والتقى هناك بنائب رئيس الدائرة الدولية في الحزب الشيوعي الصيني الحاكم "لوكانغ". لكن بدلا من أن يستجيب المسؤول الشيوعي الصيني لمساعي الوفد الزائر، ويثمن المبادرة التصالحية اليابانية، راح يصعد، معلنا رفضه المصالحة ومؤكدا أن بلاده تعتزم الابقاء على العقوبات التي فرضتها على اليابان إلى أن تلبي تاكائيتشي المطلب الصيني بسحب تصريحاتها "العدائية" بشأن تايوان.

والحقيقة ان بكين بهكذ موقف فوتت على نفسها فرصة التفاهم مع طوكيو، مثلما حدث في مناسبات سابقة حول قضايا خلافية ثنائية. وهو ما اعتبره بعض المراقبين بمثابة نهج متشدد جديد في السياسة الخارجية الصينية، يبعدها عن النهج البراغماتي الذي اتصفت به في العقود الأخيرة، بينما اعتبره، من وجهة نظري، نهجا فاشلا غير فعال لم يؤد إلا إلى نتائج عكسية، بمعنى أن حكومة تاكائيتشي لم ترهبها التهديدات الصينية، ولم تتراجع عن موقفها المعلن، بل وعملت بخطى حثيثة على تجاوزها عبر صياغة موقف دفاعي قوي مع الدول الحليفة. ذلك أن جميع الخطوات التي اتخذتها بكين خلال الأشهر العشرة الماضية، ومنها وقف وإلغاء التبادلات الثقافية، وفرض قيود على التبادلات السياحية ، وتقليص الواردات الصينية من المأكولات البحرية اليابانية، وحظر توريد الصادارات ذات الإستخدام المزدوج إلى اليابان (بما في ذلك المعادن النادرة)، لم تؤثر في اليابان إلا بدرجة طفيفة جدا.

وبالمثل لم تعان اليابان الذعر من الأنشطة العسكرية الصينية بالقرب من حدودها، بما في ذلك قيام الجيش الأحمر الصيني بتسيير دوريات لسفنها وطائراتها داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة لليابان، وقيامه بتدريبات ومناورات بالذخيرة الحية في محيط جزيرة "أوكينوتوري" الواقعة في بحر الفلبين والتي تمثل أقصى نقطة في جنوب اليابان، دعك من إقدام الصين باستفزازات مثل إرسال سفن أبحاث للقيام بمسح تحت سطح الماء قبالة جزيرة أوكيناو. 

وحينما أيقنت بكين أن عقوباتها وتهديداتها لم تهز اليابان قيد أنملة، لجأت إلى إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا مثلما حدث في يونيو 2026، حينما حلقت قاذفات صينية وروسية معا فوق بحر اليابان، علما بأن هذا الإجراء لم يثمر إلا عن تزايد قلق اليابان من روسيا باعتبارها تمثل تهديدا أمنيا محتملا، وهو قلق شعر به اليابانيون منذ أن غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022.

ونختتم بالقول أنه ليس أمام بكين الآن سوى الانتظار حتى سقوط حكومة تاكائيتشي، آملا في أن تخلفها حكومة أكثر تجاوبا مع المطالب الصينية، وهو أمل مشكوك فيه لأن تاكائيتشي تحظى بشعبية قوية، وحكومتها تستند إلى دعم برلماني قوي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م

 


الجمعة، 11 سبتمبر 2026

الانتخابات الاسرائيلية، مصير بين المقاطعة والتشويه والتقصير


كتب جواد بولس


 بعد تقديم القوائم المشاركة في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة، قدّم حزب "عوتسما يهوديت"، الذي يترأسه الوزير ايتمار بن غفير، يوم الاربعاء الفائت، طلبا الى "لجنة الانتخابات المركزية"  لشطب "القائمة العربية الموحدة" التي يرأسها د. منصور عباس.

وقد كانت هذه الخطوة متوقعة؛  فمحاولات شطب القوائم العربية ومنعها من المشاركة في هذه الانتخابات تندرج في صلب برامج الأحزاب اليهودية اليمينية المتطرفة وتتماشى مع مطلبها العنصري بضرورة إقصاء المواطنين العرب عن الحياة السياسية.

يشار الى أن "لجنة الانتخاب المركزية" هي جسم سياسي مكوّن من ممثلي أحزاب الكنيست ويرأسها القاضي المستوطن نوعم سولبرغ، قاضي المحكمة العليا. قد تقبل هذه اللجنة بتركيبتها الحالية طلب شطب القائمة الموحدة، وعندها ستنتقل المواجهة الى ساحة المحكمة العليا، التي من المرجح أن ترفض الطلب وتُبقي على ترشيح القائمة، كما حدث مرات سابقة مشابهة.

بدأت مقالتي بتسليط الضوء على محاولات القوى اليمينية العنصرية الدؤوبة بالمسّ بأحد أهم مستحقات المواطنة في الدول التي تعتمد في نظامها السياسي مبدأ الديمقراطية البرلمانية، وهو حق جميع المواطنين في المشاركة بالعملية السياسية التي تحدد طبيعة وشكل النظام السياسي للدولة. لا يمكننا الحديث عن محاولات الاقصاء العنصرية من دون أن نتناول محاولات الاقصاء الذاتية التي تنادي بها بعض الجهات الناشطة بين المواطنين العرب أنفسهم. وإن تعودنا في الماضي على خوض هذه النقاشات بروتينية مكررة، لا يمكن أن نتجاهل خصوصيتها في هذه اللحظات السياسية المفصلية التي ستكون فيها الانتخابات لا مجرد موعد دوري لاختيار 120 برلمانيا ،بل اختبارا حقيقيا ومصيريا لتحديد مكانة المواطن العربي وقدرته على التأثير في مستقبل النظام السياسي الآتي وشروط بقائه ليعيش في ظله. فالدعوات الى مقاطعة الانتخابات، مهما كانت دوافع أصحابها، ومهما كانت مشروعية الانتقادات التي يوجهونها الى الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية، تحتاج الى نقاش يتجاوز الانفعالات والشعارات التقليدية المعهودة، وينأى عن استحضار مراسم الخيبة من ممارسات بعض القيادات وأطرهم التنظيمية، مهما كانت حقيقية وصحيحة . 

إن الامتناع عن التصويت، في الأوضاع السياسية المتهاوية داخل الدولة ، وإن كان يندرج ضمن الحقوق الطبيعية للمواطنين، سوف تكون له، هذه المرة، نتائج سياسية وخيمة في تحديد موازين القوى داخل البرلمان وخارجه، وقواعد لعبة جديدة بين  مؤسسات الدولة ومواطنيها العرب؛ ولنا في ما يصرحه وينفذه عمليا قادة الأحزاب العنصرية وميليشياتها، أكبر وأوضح دليل على ما ينتظرنا. 

من حق تلك التيارات التي ترفض المشاركة في الانتخابات أن تطرح سؤالها الأساسي: ما جدوى العمل البرلماني إذا كانت قدرة النواب العرب على تغيير الواقع معدومة أو محدودة؟  وما قيمة المشاركة إذا كانت الأحزاب التقليدية قد فقدت جزءا من ثقة الناس، وإذا كانت تلك القيادات عاجزة عن تقديم اجابات مقنعة للأزمات المتراكمة؟ هذه أسئلة مشروعة، بل ان الديمقراطية الحقيقية تحتاج الى مثل هذه الأسئلة، غير أن مشروعية السؤال لا تعني بالضرورة صحة النتيجة التي تقود الى ضرورة المقاطعة.  

يمكن الاجابة على هذه التساؤلات في البداية بتساؤل معاكس، وهو ماذا لو لم يكن ضمن نواب الكنيست نوّاب عرب يدافعون عن حقوق المواطنين ويطالبون بها ويحققون بعضها ويتصدون بنجاح أحيانا لكل ما من شأنه الاساءة لهم؟ أو نواب يهود يدعمون حقوق المواطنين العرب ويتصدون للاساءة المدمّرة لهم كما يخطط له نواب الأحزاب العنصرية الفاشية المتطرفة ؟  

السياسة ليست فن تحقيق الممكن الكامل، بل تعني، في وجهها الآخر، فن ادارة الممكن في ظل موازين قوى غير متكافئة؛  بيد أنها تعني في الأصل القدرة على صياغة هذا الممكن والمشاركة في تشكيله من موقعك وأنت تحافظ  على مجتمع حصين ومتماسك وعلى هويتك الوطنية ومتمسكا بطموحاتك المبدئية. لا يدّعي المشاركون في الانتخابات أن البرلمان/الكنيست هي الساحة النضالية الوحيدة التي  يمكن فيها صياغة هذا الممكن وتشكيله ؛ لكنها تبقى، من دون شك، أهم هذه الساحات وأكثرها اتاحة كي يمارس المواطن المسيّس والعادي والقلق أحد أهم حقوق المواطنة وواجباتها، وهو محاولة التأثير على شكل نظام الحكم وقوانين الدولة ووظائف مؤسساتها السيادية. وكما يطرح المقاطعون تساؤلاتهم النظرية حول شرعية المشاركة في البرلمان الصهيوني أو نجاعة تلك المشاركة، يمكن مساءلتهم بمثلها : فما هي ساحات نضالاتهم الناجعة والمؤثرة التي قاموا بها خارج ساحات البرلمان ووفقا لمبادئهم وبرامج نضالاتهم؟ وهل ساهمت خياراتهم بافشال سياسات القمع والعنصرية والحد من صعود القوى اليمينية المتزمتة والعنصرية والفاشية، التي تتأهب، من خلال الانتخابات المقبلة، أن تستلم زمام الحكم لتنهي ما بدأت بتنفيذه في دورة الحكومة الحالية؟  



يمكننا تحديد أربع جهات رئيسية تطالب بمقاطعة الانتخابات. أولها أصحاب مشروع دولة الخلافة الاسلامية؛ فعقيدة هذا التيار لا تجيز لهم الاعتراف بالمؤسسة السياسية الأم، ولا إضفاء الشرعية عليها بما يتجاوز معنى المشاركة الإجرائية، مثل مشاركتهم في السلطات المحلية مثلا. هذا موقف فكري نحترمه لكننا نختلف معه ونناقش تداعيته واسقاطاته، لا على من يؤمنون به وحسب، إنما على جميع أبناء المجتمع ومن هم خارجه ويتأثرون بتبعاته.

أما التيارات التي ترى في المقاطعة تعبيرا عن موقف وطني وقومي، فالنقاش معهم كان وما زال حول طبيعة الدولة وحدود المشاركة والانخراط في مؤسساتها؛ وهو خلاف سياسي وفكري قديم ومشروع. لكن السؤال العملي الموجه له يبقى: هل أدت في الماضي أو ستؤدي المقاطعة في الظرف السياسي الحالي الى تحقيق الأهداف التي ينشدونها؟  وما هي هذه الأهداف فعلا؟ أم أن المقاطعة تركت وستترك الساحة للقوى السياسية الأخطر علينا وعليهم، فالساحات لا تعرف الفراغ ولا السياسة تقبل من يجعلها عاقرا. 

وهناك من يطالبون بالمقاطعة من يأسهم، بسبب تراجع دور الأحزاب والحركات السياسية وغياب دور المؤسسات القيادية واختلال عمل مؤسسات المجتمع المدني؛ وهي الفئة التي أنهكتها الخيبات. لا تضمن السياسة النتائج الذي يريدها المواطن، كما ولا يوجد حزب يستحق ثقة المواطن المطلقة، ولكن الفرق بين الناخب الذي يصوت ثم يبقي لنفسه الحق كي يحاسب من انتخبه، والمواطن الذي ينسحب ويقاطع، أن الأول يحتفظ بأداة التأثير وقدرته على المساءلة، بينما يتنازل الثاني عنها ويتخلى عن دوره كعضو حيوي ومؤثر في مجتمع مهدد ومحاصر.

أما الفئة الرابعة، وقد تكون اخطر الفئات جميعها، فهي فئة المزايدين والمحرضين والمدسوسين الذين يقومون بنشر مسببات التيئيس المغرض والتشهير والدعوة الى اعتماد هويات متشظية ووهمية والتحريض على جميع الأحزاب العربية والقيادات العربية وعلى جميع المؤسسات بهدف تقويض شرعيتها. ومن خلال تقويض شرعياتهم ينتقلون للهجوم على شرعية العمل السياسي الوطني بهدف إخلاء الساحات لعملاء ووكلاء سياسات القمع والعنصرية والاضطهاد والطائفية؛ وهؤلاء يجب فضحهم والتصدي لهم. 

يخطىء من لا يرى أن الانتخابات المقبلة هي معركة على انتاج القوة السياسية التي ستضع حدود الشرعية في كل التقاطعات التي سنواجهها، نحن المواطنين العرب، في علاقاتنا مع مؤسسات الدولة ؛ وفي هذا السياق يصبح التصويت فعلا من افعال المواطنة الفاعلة والمشتبكة،  لا فعلا من أفعال الولاء. قد نختلف على تقييم دور الأحزاب وعلى جدوى العمل البرلماني وعلى حدود المشاركة في نظام سياسي لا نتفق معه، قد نختلف على كل ذلك، ولكن يجب ألّا يتحول هذا الاختلاف الى صراع بين "المخلصين" "والخونة"  أو بين المشاركين والمقاطعين، بل يجب أن يبقى نقاشّا مسؤولا حول أي الخيارات يمنح مجتمعنا قدرة أكبر على الصمود وحماية وجوده ومصالحه وصيانة حرياته ومحاسبة ممثليه والتأثير على القرارات التي ستحدد مستقبل ومساحات وجوده في الدولة.

انها معركة على المصير .    

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

مأساة نيبال .. أسبابها وتداعياتها وتحذيراتها؟

 


بقلم: د. عبدالله المدني*

فوجيء العالم بأسره مؤخرا بصور صادمة بثتها وكالات الأنباء العالمية عن بشاعة الكارثة وحجم الخسائر والتدمير الذي تعرضت لها دولة نيبال الفقيرة اقتصاديا والمعزولة جغرافيا في منتصف نهار 26 أغسطس المنصرم، ما حدا ببعض الدول المعروفة بجهودها الإغاثية إلى سرعة إرسال المساعدات الإنسانية.

شبه البعض ما حدث بكارثة التسونامي المدمرة في اليابان في 11 مارس 2011، والتي تسببت في خسائر بشرية ومادية ضخمة، مع فارق أن تسونامي اليابان كان عبارة عن زلزال في المحيط الهادي قبالة السواحل اليابانية الشرقية، خلف أمواجا عاتية تجاوز ارتفاعها عشرة أمتار، بينما تسونامي نيبال حدث جراء اندفاع موجة هائلة من المياه والجليد والصخور والطين والقاذورات لمسافة تزيد عن 170 كيلومترا عبر وادي نهر "بوت كوشي"، وهو واد يربط العاصمة النيبالية كاتمندو بعاصمة التبت لاهاسا. ويسلكة عادة السياح الأجانب وعشاق تسلق الجبال. ولا ننسى هنا فارقا آخر بين الكارثتين وهو أن اليابان نجحت في إحتواء وتجاوز كارثتها بسرعة قياسية بسبب امكاناتها اللوجستية الهائلة وخبرتها الطويلة في التعامل مع الكوارث الطبيعية، بينما عجزت نيبال عن القيام بعمل مماثل لإفتقارها إلى المال والأجهزة والخبرة ووسائل الانذار المبكر، وهو ما تسبب في تحول يوم عادي في حياة النيباليين المسالمين إلى كابوس مؤلم. حيث جرفت المياه قرى بأكملها مع سكانها، وهدد باجتياح تجمعات سكانية في منطقتي نواكوت ودادينغ، وانهار نحو 30 جسرا، وتضررت الطرق ووسائل المواصلات، وانقطعت خدمات الاتصالات، وتهدمت آلاف المنازل، وعثر على 360 جثة طافحة فوق المياه، وأبلغ عن فقدان آلاف المواطنين والعديد من قوات الأمن ونحو 644 سائحا من 33 دولة. 

يرجع الخبراء المتخصصون في الجيومورفولوجيا الجليدية وعلم المناح وتضاريس منطقة الهيمالايا الكارثة التي حلت بنيبال إلى انهيار مفاجيء لجزء ضخم من نهر جليدي بعد انهيار الصخور الأساسية التي كانت تستند إليها الكتلة الجليدية، ويؤكدون أنه بسبب تفاقم التغير المناخي والاحتباس الحراري تشهد الانهار الجليدية حول العالم ذوبانا مستمرا، حتى في المناطق شاهقة الارتفاع مثل جبال الهيمالايا، بل أن بعض هؤلاء الخبراء يشير إلى أن جبال الهيمالايا تحديدا معرضة لخطر كبير لأن ارتفاعها الشاهق ومنحدراتها الشديدة، المكونة من طبقات من الصخور والتربة المتجمدة منذ آلاف القرون، تبدأ في الذوبان مع ارتفاع درجات الحرارة، فتفقد استقرارها. وإذا ما حدثت هزة أرضية أو حدث انهيار للمنحدر، فإن ذلك يخلق بالتأكيد تدفقا مفاجئا قويا ومدمرا، خصوصا وأن مخزونات الجليد في الهيمالايا هائلة جدا، وتفوق ما هو موجود في أي مكان آخر باستثناء القطبين الشمالي والجنوبي.

وبسبب قوة الموجة المندفعة، وارتفاعها إلى نحو 30 مترا، جرفت في طريقها كتلا كبيرة من الصخور والأحجار والأشجار الضخمة التي قامت بدورها بتحطيم كل ما كان في طريقها من مساكن وبشر وأدوات وآلات وحيوانات، محولة منطقة كانت تعج بالمساكن والحركة إلى مكان قاحل يسوده صمت القبور. ويمكن تفسير ضخامة القوة المندفعة، وبالتالي ضخامة حجم الخسائر المادية إلى أن الانهيار الجليدي وما رافقه من انهيار صخري جاء من علو ناهز 5200 متر، وبدأ انحدارا حادا نحو قاع الوادي جارفا كل شي أمامه، هذا علما بأن سقوط كميات ضخمة من الصخور من علو شاهق يولد عادة قدرا كبيرا من الحرارة الكافية لتذويب كتل الجليد وتحويلها إلى مياه متدفقة قوية. 

والجدير بالذكر أن حوادث انهيار الأنهار الجليدية المؤدية إلى كوارث ناجمة عن الفيضانات وتدفقات الحطام تكررت في السنوات الأخيرة. فالنيبال نفسها شهدت في عام 2025 فيضانا اصغر قوة وأقل تدميرا تسبب في خسائر محدودة، بينما شهدت سويسرا في العام نفسه ذوبان نهر جليدي وبالتالي تدفق هائل للحطام تسبب في تدمير قرية "بلاتن". وفي عام 2023 أدى انهيار وقع في جورجيا إلى فيضانات وخسائر بشرية ومادية في إحدى المنتجعات الجبلية.

وطبقا لخبراء الزلازل والفيضانات والانزلاقات الأرضية، فإن بعض الإجراءات مثل: الخفض السريع لانبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير وسائل مراقبة المناطق الجبلية، والاستعداد الدائم للقيام بعمليات إجلاء سريعة ومنظمة، قد تساعد في تقليل الخسائر والحيلولة دون وقوع مآسي انسانية صادمة كما حدث في النيبال.

وأفادت تقارير حكومية أوليه بأن النيبال خسرت في صباح واحد استثمارات تزيد قيمتها عن 200 مليار روبية، وهو ما يعني خسارة كبيرة لإقتصاد ضعيف مثل الاقتصاد النيبالي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م



الأحد، 6 سبتمبر 2026

الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين حدين: ضغوط خارجية، وحاجة وطنية لتجديد الشرعيات


فتحي كليب / مسؤول دائرة العلاقات الخارجية

في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

تشكل الانتخابات البرلمانية في مختلف دول العالم، فضلا عن كونها شكلا من أشكال إشراك المواطنين في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، عبر انتخاب من يمثلهم في المؤسسات الوطنية، إحدى أهم أدوات التغيير السياسي والمجتمعي، وتجديد الحياة الديمقراطية، وإعادة إنتاج الشرعيات. فالانتخابات لا تقتصر وظيفتها على اختيار ممثلين جدد، وإنما تتيح للمجتمع مراجعة تجربته السياسية، ومحاسبة مؤسساته، وتجديد قياداته، وإعادة ترتيب أولوياته الوطنية، بما يتلاءم مع المتغيرات والتحديات التي يواجهها.

غير أن الحالة الفلسطينية، بما يحيط بها من تعقيدات، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته على الأرض والحدود وموارد الشعب الفلسطيني، تجعل من الانتخابات استحقاقا مختلفا في دلالاته ووظائفه. فالشعب الفلسطيني لا يعيش، حتى الآن، في دولة مكتملة السيادة، وإنما ما زال في مرحلة تحرر وطني، الأمر الذي يفرض على العملية الديمقراطية الفلسطينية أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة هذه المرحلة ومتطلباتها، وأن توائم بين ضرورات البناء الديمقراطي الداخلي ومتطلبات النضال الوطني وأهدافه.

بهذا المعنى، تبدو الوظيفة الأساسية للانتخابات غائبة إلى حد كبير عن المشهد الفلسطيني الراهن. فبدل أن تشكل الانتخابات العامة مدخلا ديمقراطيا لإعادة بناء الحياة السياسية، وتوحيد الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والمجتمعية حول رؤية وطنية مشتركة وأهداف جامعة، قد تتحول، في ظل استمرار الانقسام وغياب التوافق السياسي، إلى عامل جديد يعمّق حالة التشرذم والاستقطاب، ويكرّس الانقسام القائم، بدل أن تسهم في تجاوزه وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس ديمقراطية.


ان الانتخابات ليست مجرد آلية لإدارة الخلافات، وإنما هي في الأساس أداة لترسيخ الوفاق الوطني، الذي يجب أن يسبق العملية الانتخابية، لا أن يكون نتيجة لها. فليست مخرجات الانتخابات وحدها القادرة على معالجة الأزمات، بل إن نجاحها يرتبط بوجود توافق مسبق على القضايا الوطنية الأساسية. والمقصود بالوفاق هنا ليس إخفاء الخلافات أو تشكيل قوائم ائتلافية شكلية، وإنما بناء توافق سياسي حقيقي حول الأسس والمبادئ المشتركة. ومن الممكن تحقيق وفاق سياسي حتى في ظل تعدد القوائم الانتخابية وعدم وجود وفاق انتخابي. لذلك، ينبغي أن تكون الانتخابات مدخلا لبناء مرحلة جديدة وتعزيز المشروع الوطني، لا وسيلة لإدارة الأزمة أو تكريس الانقسام. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا نذهب إلى الانتخابات في ظل غياب التوافق على الأسس الوطنية التي ينبغي أن تقوم عليها؟

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية بشكل خاص، أن الاحتكام إلى منطق الأغلبية والأقلية، بمعناه العددي المجرد، في ظل غياب التوافق الوطني، لم يؤد إلى بناء نظام سياسي مستقر، بل أسهم في تعميق الصراع الداخلي، ووصل في مراحل سابقة إلى صدامات مؤلمة ما زال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها حتى اليوم. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إجراء الانتخابات، وإنما في توفير البيئة السياسية والوطنية التي تجعل من نتائجها مدخلا للشراكة، وليس مناسبة جديدة لإنتاج الانقسام.

أما على مستوى الوظيفة الثانية للانتخابات، وهي التغيير، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدا، وتقترب أحيانا من حدود التمنيات والآمال، في ظل عدم وجود قناعة راسخة لدى بعض القوى السياسية بضرورة التغيير. فهناك قوى ومراكز نفوذ قد تنظر إلى أي تغيير محتمل باعتباره تهديدا لمواقعها أو نفوذها ومصالحها، وبالتالي قد تتعامل معه باعتباره خسارة سياسية ينبغي مقاومتها بمختلف الوسائل. وهنا تتحول الانتخابات، بدلا من كونها آلية لإعادة بناء النظام السياسي وتجديده، إلى ساحة صراع على النفوذ والمواقع.

ومن هنا تبرز القضية الأساسية التي يقر بها الجميع نظريا، لكن قلة تعمل على ترجمتها واقعا على الأرض، وهي أن أي أطر أو مؤسسات وطنية ستنتج عن الانتخابات ستظل محكومة بالتعقيدات التي يفرضها الاحتلال. فواقع الاحتلال يجعل المسألة الفلسطينية مختلفة عن التجارب الديمقراطية في الدول المستقلة ذات السيادة الكاملة. ونحن لا نزال نعيش مرحلة تحرر وطني، وبالتالي فإن ما ينبغي أن يحكم علاقتنا الداخلية هي قوانين الشراكة والتوافق الوطني.

ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال التقليل من قيمة الديمقراطية أو الانتخاب، بل على العكس، فإن الديمقراطية الحقيقية في الحالة الفلسطينية يجب أن تتسع لمفهوم الشراكة، وأن تجعل من المؤسسات المنتخبة إطارا جامعا لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني، لا أداة لإقصاء طرف أو استبعاد قوة سياسية أو اجتماعية. فالديمقراطية الفلسطينية المنشودة هي تلك التي توفق بين حق المواطن في اختيار ممثليه، وبين الحاجة الوطنية إلى حماية وحدة الشعب والقضية والنظام السياسي.

وبغض النظر عن التمنيات والطموحات، فإن الحقيقة الماثلة أمامنا اليوم هي أن الانتخابات الفلسطينية تسير على حدين متعاكسين: الأول يتمثل في الضغوط الخارجية لإجراء الانتخابات، بغض النظر عن الاعتبارات والخلفيات التي تقف خلف هذه الضغوط، وهي اعتبارات لا تنسجم بالضرورة مع الدوافع والحاجات الفلسطينية الداخلية لإجراء الانتخابات. والثاني يتمثل في الحاجة الفلسطينية الحقيقية إلى تجديد شرعيات مؤسساتنا الوطنية، وضخ دماء جديدة فيها، وإتاحة المجال أمام جيل جديد من الشباب للمشاركة في الحياة السياسية، وتقديم رؤى وأفكار جديدة قادرة على الإبداع في مجال بناء المؤسسات الوطنية والدولة الفلسطينية المنشودة.


ومن المهم هنا الفصل بين الأمرين: فكون هناك ضغوط أو مصالح خارجية تدفع باتجاه الانتخابات لا يعني أن الحاجة الفلسطينية إليها غير حقيقية. فالشعب الفلسطيني بحاجة فعلية إلى تجديد مؤسساته وشرعياته، وإلى إعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وإلى إنهاء حالة الجمود السياسي والمؤسساتي التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

وبالرغم من كل ما سبق، لا بد من التأكيد الدائم على الأهمية والضرورة الوطنية لتنظيم انتخابات المجلس التشريعي في موعدها المقرر، والنظر إلى ذلك باعتباره خطوة مهمة على طريق إعادة بناء نظامنا السياسي الفلسطيني وإصلاح مؤسساته، على أسس الديمقراطية التشاركية، وفي إطار مؤسساتي يحفظ التعددية السياسية ويضمن مشاركة الجميع.

فالانتخابات التشريعية ينبغي أن تكون جزءا من مسار وطني شامل لإعادة بناء النظام السياسي، وأن تشكل خطوة على طريق إنهاء الانقسام والتشتت، لصالح انضواء الجميع تحت سقف منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والإطار الوطني الجامع لمختلف مكوناته السياسية والاجتماعية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدعوة إلى حوار وطني شامل تشارك فيه القوى والفصائل الفلسطينية كافة، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة وممثلي المجتمع المدني والفعاليات المجتمعية، بهدف رسم الخطوات والضمانات الكفيلة بوصول موكب الانتخابات إلى محطته الأخيرة بسلام، وبما يحول دون تحويلها إلى محطة جديدة للصراع الداخلي.

إن الحوار الوطني المطلوب ليس حوارا لتأجيل الانتخابات أو الالتفاف عليها، وإنما حوار لتوفير شروط نجاحها، والاتفاق على قواعد اللعبة السياسية، وضمان احترام نتائجها، ومنع استخدامها كوسيلة لإقصاء الآخرين. كما ينبغي أن يهدف إلى إعادة تقديم الحالة الوطنية الفلسطينية أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي، من موقعها القادر على تجاوز الصعوبات والانقسامات، والتوحد في الميدان وفي المؤسسة، بما يصون مصالح شعبنا وحقوقه الوطنية المشروعة.

وفي هذا الإطار، يجب أن تكون الانتخابات جزءا من استراتيجية وطنية أوسع، تعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة، وفي مختلف أماكن وجوده، وتؤكد حقه في النضال من أجل الحرية وتقرير المصير والاستقلال وحق العودة، تحت سقف منظمة التحرير الفلسطينية.

إن تشكيل المجلس التشريعي، من خلال انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وديمقراطية، يمثل خطوة شديدة الأهمية على طريق إصلاح نظامنا السياسي الفلسطيني، فالمؤسسات المنتخبة ليست مجرد هياكل قانونية، وإنما هي تعبير عن الإرادة الشعبية، وعن حق المواطنين في الرقابة والمساءلة والمشاركة في صناعة القرار. ومن هنا، فإن إعادة تفعيل الحياة البرلمانية من شأنها أن تعيد التوازن إلى النظام السياسي، وتعزز الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وتفتح المجال أمام نقاش عام حول السياسات الوطنية والاجتماعية والاقتصادية، بما يسهم في استعادة ثقة المواطن بمؤسساته.

كما أن تشكيل المجلس التشريعي من خلال انتخابات حرة وديمقراطية وشفافة في الضفة الغربية، وفي القلب منها القدس، وفي قطاع غزة، من شأنه أن يكفل وحدة الضفة والقطاع تحت ولاية المؤسسة الوطنية الفلسطينية الجامعة، وأن يغلق الطريق أمام المشاريع والمحاولات المفضوحة لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، أو التعامل مع القطاع باعتباره كيانا منفصلا له مسار سياسي خاص.

وفي هذا السياق، فإن الحكومة الفلسطينية الجديدة التي ستنال ثقة المجلس التشريعي يجب أن تتولى واجباتها الوطنية تجاه أبناء شعبنا في قطاع غزة، بالمساواة الكاملة مع مسؤولياتها تجاه شعبنا في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بما يضمن إطلاق مسار وطني مشترك، تقوده منظمة التحرير الفلسطينية، على طريق الحرية والاستقلال وحق العودة.

لذلك، فإن تعطيل الانتخابات أو تأجيلها بصورة متكررة من شأنه أن يشوه البنية السياسية لنظامنا، ويضعف ثقة الشعب بمؤسساته وقدرتها على حمايته وضمان مصالحه وحقوقه الوطنية المشروعة، كما يوسع الفجوة بين المواطن ومؤسساته، ويعزز حالة الإحباط والعزوف السياسي. وعليه، فإن أي دعوة أو محاولة لإلغاء الانتخابات أو تأجيلها، على غرار ما جرى في العام 2021، لن يكون من شأنها سوى تعميق الشكوك حول جدية المؤسسة الوطنية في تحمل مسؤولياتها تجاه شعبها، وضمان حقوقه الوطنية، وأمام الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي، كما ستطرح أسئلة جدية حول مدى الالتزام بالتوافقات الوطنية السابقة.

وفي المقابل، فإن إجراء الانتخابات في موعدها لا ينبغي أن يعني تجاهل المخاطر أو الصعوبات المحيطة بها، بل يتطلب من الجميع تحمل مسؤولياتهم في توفير شروط نجاحها، وحمايتها من التدخلات الخارجية، وضمان نزاهتها وشفافيتها، والالتزام المسبق باحترام نتائجها، والاتفاق على أن صندوق الاقتراع لا يمكن أن يكون مدخلا إلى الإقصاء أو الاستفراد، بل وسيلة لتجديد الشرعية وبناء الشراكة.

وفي هذا السياق، تندرج مهمة إعادة بناء المؤسسات الوطنية الجامعة، عبر الانتخابات والتوافق الوطني، وعلى أسس التشاركية الديمقراطية، دون إقصاء أو استبعاد لأي مكون من مكونات شعبنا، لأن قوة النظام السياسي الفلسطيني لا تقاس بقدرة طرف على السيطرة على مؤسسات القرار، وإنما بقدرته على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي وتحويله إلى مصدر قوة وطنية.

إن الانتخابات التشريعية المقبلة، إذا ما جرى ادارتها في إطار وطني مسؤول، يمكن أن تشكل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتجديد المؤسسات والشرعيات، وإشراك جيل جديد من الشباب، واستعادة ثقة المواطن، وفتح الطريق أمام مصالحة وطنية حقيقية. أما إذا جرى التعامل معها باعتبارها مجرد استحقاق قانوني أو معركة لتثبيت مواقع النفوذ، فإنها قد تتحول إلى عامل إضافي في تعميق الأزمة. فالنجاح الحقيقي للانتخابات لا يقاس فقط بيوم الاقتراع أو بعدد الناخبين والمقاعد التي تحصل عليها هذه القوة أو تلك، وإنما بقدرتها على فتح الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة توحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، وتوفير إطار وطني جامع قادر على مواجهة الاحتلال ومشاريعه، وصون الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا.

وبهذا المعنى، فإن المعركة الحقيقية ليست بين حزب وآخر، ولا بين أغلبية وأقلية، وإنما بين منطقين: منطق الاستفراد والإقصاء وإدارة الانقسام، ومنطق الشراكة الوطنية والديمقراطية والتوافق وإعادة بناء المؤسسات. والخيار الذي ينبغي أن ينتصر هو الخيار الذي يجعل من الانتخابات أداة لتوحيد الشعب الفلسطيني، وتجديد شرعيته، وإعادة بناء مؤسساته، وتعزيز قدرته على مواجهة الاحتلال والدفاع عن حقوقه الوطنية، وصولا إلى الحرية والاستقلال والعودة.


السبت، 5 سبتمبر 2026

إلى دولة رئيس وزراء أستراليا السيد أنتوني ألبانيزي المحترم: إستنكار تدمير بلدات وقرى جنوبيّة لبنانيّة والمطالبة بموقف أسترالي حازم




دولة رئيس الوزراء المحترم  

نحن أبناء الجالية الأستراليّة ـ اللبنانية نتوجّه إليكم بهذا البيان لنعبّر عن بالغ استنكارنا وإدانتنا الشديدة لما ترتكبه إسرائيل من أعمال تدمير واسعة بحقّ بلدات وقرى في جنوب لبنان، وما يرافق ذلك من هدم للمنازل وتدمير للممتلكات الخاصّة والعامّة واستهداف للبنى التحتية والمرافق الحيويّة التي يعتمد عليها السكّان في حياتهم اليوميّة.

إنّ ما يجري في جنوب لبنان يثير لدينا ألماً عميقاً ولا سيّما أن أعداداً كبيرة من أبناء الجنوب يعيشون في أستراليا ويعتبرونها وطنهم الثاني فيما يبقى لبنان وطنهم الأوّل، وجنوب لبنان أرض آبائهم وذكرياتهم وبيوتهم التي يعودون إليها كلّما سنحت لهم الفرصة. وقد جرى تدمير عدد كبير من هذه البيوت التي بناها أصحابها بجهد سنوات طويلة والتي كانت ملاذاً لهم ولعائلاتهم خلال زياراتهم إلى وطنهم الأم.

إننا نستنكر بشدّة سياسة تدمير المنازل والممتلكات المدنيّة بصورة منهجيّة ونرى أن استهداف بيوت المدنيين وممتلكاتهم، من دون مبرِّر قانوني واضح أمر لا يمكن تبريره. 

ومن هنا نطالب حكومة أستراليا الفيدرالية التي نؤمن بدورها في الدفاع عن سيادة القانون وحماية المدنيين بأن تتّخذ موقفاً واضحاً وحازماً اتجاه ما يجري وأن تشجب أعمال التدمير وأن تعمل عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة من أجل وقف هذه الأعمال وحماية السكّان والمنشآت المدنيّة.

كما نطالب الحكومة الأستراليّة بأن تعمل على ضمان حقّ المواطنين الأستراليين من أصل لبناني الذين دُمِّرت منازلهم وممتلكاتهم في جنوب لبنان، في الوصول إلى آليّات قانونيّة عادلة للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم. 

ونحن نلفت عنايتكم دولة رئيس الوزراء إلى التصريحات التي صدرت عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن التعامل مع مناطق في جنوب لبنان على نحو يشبه ما جرى في غزّة، إن مثل هذه التصريحات تثير مخاوف جديّة من اتساع نطاق الدمار واستهداف المناطق المدنيّة الأمر الذي يستوجب من الحكومة الأستراليّة موقفاً واضحاً وعدم التهاون مع أي أعمال قد تؤدّي إلى المزيد من قتل المدنيّين وتدمير منازلهم وقراهم ومؤسّساتهم.

إنّنا نؤمن بأنّ أستراليا بما تمثّله من دولة ديمقراطيّة تحترم القانون وحقوق الإنسان قادرة على أن تؤدّي دوراً إيجابيّاً  ومسؤولاً في الدعوة إلى حماية المدنيّين واحترام القانون الدولي.  

وفي الوقت الذي نعبّر فيه عن تضامننا الكامل مع أهلنا في جنوب لبنان نؤكد أنّ مطلبنا ليس موجّهاً ضدّ أيّ شعب أو جماعة بل هو دفاع عن حق المدنيّين في الأمن والحياة والكرامة وعن حقّهم في بيوتهم وأرضهم وممتلكاتهم. 

لذلك نناشد دولتكم وحكومتكم الفيدراليّة أن تتحمّلوا مسؤوليتكم وأن ترفعوا صوت أستراليا بوضوح ضدّ أيّ انتهاكات تستهدف المدنيّين وممتلكاتهم وأن تعملوا من أجل وقف التدمير وحماية القرى والبلدات الجنوبية وضمان حقوق المتضررين ومن بينهم المواطن الأسترالي من أصل لبناني في العدالة والتعويض.

وتفضّلوا دولة رئيس الوزراء بقبول فائق الاحترام والتقدير. 

ـ اللّقاء التشاوري الأسترالي اللبناني. 


الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

من سيفشل حرب ترامب الاقتصادية ضد ايران؟


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن حرب إقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الايراني لتركيعه أو اسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن "أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات او الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة". 

وبعد أن توعد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بقطع شريان التمويل عن الاقتصاد الايراني عبر توسيع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات الاصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري وتهديده كل دولة تسهل غسل الاموال الايرانية باستبعادها من نظام الدولار، اتجهت الأنظار إلى عدة دول تربطها بإيران علاقات اقتصادية وتجارية ونفطية متينة. غير أن الأنظار تركزت تحديدا على الصين، باعتبارها الشريك التجاري الأهم لإيران والمستورد الأكبر لنفطها (تستحوذ الصين على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية)، ولأن العقوبات الأمريكية على طهران لن تكون مؤثرة تماما ما لم تمتثل لها بكين. 

ويصدق هذا القول، بدرجة أقل، على موسكو التي تعتمد عليها طهران في مجالات تعاون حيوية أخرى. خصوصا وأن وزير الاقتصاد الإيراني "علي مدني زاده" ذكر الصين وروسيا بالإسم في معرض تعليقه على القرارات الأمريكية، حينما قال ما مفاده أن الحرب الاقتصادية الأمريكية على بلاده مآلها الفشل لأن الصين وروسيا لن توافقا عليها ولن تمتثلا لها.

يعتقد مراقبون كثر، أن دولا مثل باكستان وتركيا والعراق، وجميعها ساهمت بصورة أو بأخرى طيلة السنوات الماضية في تقويض العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال تهريب النفط والمقايضة وغسيل الأموال وتزوير سجلات السفن وتأسيس الشركات الوهمية، سوف تضطر إلى الانصياع للمطالب الأمريكية، لكن من المستبعد أن ترضخ الصين وروسيا بسهولة، خصوصا وأنهما ضد مبدأ فرض عقوبات اقتصادية وتجارية أحادية الجانب. وفي هذا السياق، ردت الخارجية الصينية على تصريحات ترامب حول شن حرب اقتصادية على شركاء ايران التجاريين بقولها "أن ذلك لن ينجح في حل التوترات في المنطقة"، كما أن الصينيين لا يريدون خلق سابقة بسماحهم للأمريكان بتحديد من يمكنهم ومن لا يمكنهم التعامل معه.

أما روسيا فإنها تعمل فعليا بمعزل عن النظام المالي الأمريكي وإطار العقوبات الأمريكية، وتربطها منذ 2025 بإيران معاهدة شراكة مدتها عشرين عاما. وبموجب هذه الاتفاقية تعزز كثيرا حجم التجارة بينهما ليصل إلى نحو خمسة مليارات دولار، حيث زودت موسكو طهران بشحنات كبيرة من الذخائر وقطع غيار الطائرات المسيرة مقابل مشتريات ضخمة من المنتجات الزراعية والسمكية والمواد الغذائية والمصنوعات الكيميائية.

ستشكل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لواشنطن هذا الشهر، وهي الأولى لزعيم صيني إلى أمريكا منذ عقد، أول فرصة لمعرفة مدى تصميم واشنطن المضي قدما في تهديداتها ضد الدول المتعاونة مع ايران، لاسيما وأن الصين ليست دولة من الدول الهامشية بالنسبة لإيران وانما دولة تغذيها بالسلاح والتكنولوجيا والسلع ذات الاستخدام المزدوج. كما وأنها تساعدها دبلوماسيا من خلال احباط أية قرارات أممية ضدها في مجلس الأمن، وعسكريا من خلال تزويد حرسها الثوري بصور ملتقطة بالأقمار الصناعية للقواعد والمنشآت الأمريكية في الخليج لتستهدفها. 

فإذا ما قررت إدارة ترامب التعامل الصارم مع الصين كغيرها من الدول فإن من شأن ذلك أن تتعقد أكثر العلاقات الأمريكية الصينية المعقدة أصلا. وإذا كانت واشنطن تملك ورقة حرمان المنتجات الصينية من دخول أسواقها الواسعة أو تقييدها برفع الرسوم الجمركية إلى حدودها القصوى، فإن الصين قد ترد بتقييد تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، وهو ما هددت به سابقا فأجبرت ترامب على التراجع نسبيا عن سياساته المتعلقة بالتعريفات الجمركية. كما وأن بكين قد تصعد باللجوء إلى ورقة تايوان بفرض حصار عليها.

ومن ناحية أخرى، ستواجه الولايات المتحدة معضلة اقناع دول أخرى أقل شأنا بالكف عن التعاون مع إيران. وتأتي تركيا، حليفتها في حلف الناتو على رأس القائمة باعتبارها  ثاني أكبر مستورد للصادرات الإيرانية بعد الصين، ثم تأتي الهند، الشريك الإستراتيجي للولايات المتحدة والتي تعد مصدرا رئيسيا لواردات إيران من الغذاء والدواء. أما باكستان التي تلعب دورا غامضا في الوساطة وحظي قادتها هذا العام بمديح امريكي غير مسبوق فمتورطة في تهريب النفط الايراني وتساعد شركاتها المصرفية على اعادة أموال النفط المهرب والمباع إلى الخزينة الإيرانية بطرق ملتوية، يساعدها في ذلك الطرق البرية المعقدة والعلاقات التاريخية والقبلية التي تربطها بإيران.

وجملة القول أن بكين وموسكو هما اللتان تطيلان عمر النظام الإيراني، وإنْ تظاهرنا خلاف ذلك أمام دول الخليج العربية، وهما اللتان منعتا مرارا صدور قرارات أممية ضدها، وهما اللتان ستحولان دون تنفيذ العقوبات الامريكية بشكل مؤثر. 



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م