الأربعاء، 5 أغسطس 2026

في الذكرى العاشرة لصدور حكم دولي لصالح الفلبين


 

بقلم د. عبدالله المدني*

بحر الصين الجنوبي، الذي عرف عند المسلمين ببحر الصنف، هو جزء من مياه المحيط الهاديء يمتد من سنغافورة ومضيق ملقا جنوبا إلى مضيق تايوان شمالا بمساحة تقارب 3.5 مليون كيلومتر مربع. وعلى الرغم من أنه يحمل إسم الصين، إلا أنه ليس بحرا صينيا وإنما مياه دولية تمر به ثلث الشحنات البحرية العالمية. في هذه المساحة المائية الشاسعة يوجد أرخبيل من الجزر الصغيرة ــ معظمها غير مأهول ــ لكنها موضع نزاع حول حقوق السيادة بين الصين والدول الآسيوية المتشاطئة الأخرى.

 من هذه الدول الفلبين التي تنازع الصين السيادة على جزيرة "وودي" وجزيرة "باغاساس" وشعاب "فيري كروس" و"ميستشيف" و"سوبي"، و"سكاربورو" و"سيكند توماس" المرجانية، والتي لهذا السبب أطلقت على المياه المحاذية لها من بحر الصين الجنوبي إسم "بحر الفلبين" منذ عام 2012.

في الثاني عشر من يوليو المنصرم حلت الذكرى السنوية العاشرة لحكم محكمة التحكيم الدائمة (PCA) في لاهاي لصالح الفلبين بشأن الدعوى التي رفعتها مانيلا ضد بكين، وهو حكم تجاهلته الأخير ولم تعترف به وعدته بمثابة قصاصة ورق لا قيمة لها، بدليل أنها، منذ صدوره، راحت تتوسع في عسكرة المناطق المتنازع عليها ببناء المنشآت العسكرية والقواعد ومهابط الطائرات والتحصينات الدفاعية، الأمر الذي يعكس مدى التصدع الحاصل في النظام العالمي والاستهتار بالقانون الدولي من جهة، ويعكس من جهة أخرى مضي الصين في سياساتها التوسعية على حساب جاراتها الصغيرات الأقل قوة. 

الأغرب من كل هذا أن الدول الأربع عشرة التي احتفلت بهذه الذكرى، لم تكن بينها أيا من دول منظومة آسيان سوى الفلبين صاحبة القضية، إذ فضلت شريكات الفلبين الآخريات الصمت. وهذا لئن عكس شيئا فإنما يعكس مدى تصدع هذا التكتل الآسيوي، أو استمراره في سياسة النأي بالنفس عن مشاكل الدول الأعضاء الخاصة. كما أنه يدل، من جهة أخرى، على مدى حذر وخوف بعض الدول الأعضاء من اتخاذ مواقف قد تغضب الصين، فيرتد عليها ذلك بخسائر اقتصادية.

ومما يجدر بنا ذكره في هذا المقام أن "رابطة آسيان" الجنوب شرق آسيوية سوف تحتفل في أغسطس من العام القادم بالذكرى الستين لتوقيع ميثاقها. وستكون المناسبة، بلا شك، فرصة للإحتفال بستة عقود من التقدم الاقتصادي والتعاون الثقافي والدبلوماسي، لكنها ستكون في الوقت نفسه لحظة لمواجهة فشل الرابطة في الوفاء بإلتزاماتها لجهة تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة من خلال احترام العدالة وسيادة الحق والقانون والالتزام بمباديء ميثاق الأمم المتحدة.

ولعله من نافلة القول أن حقيقة كون رابطة آسيان تكتلا قائما على التوافق ومبدأ عدم التدخل ــ مصدر ضعفها الرئيسي ــ وبالتالي عدم وقوفها خلف الفلبين في قضيتها ضد الصين، ساهم في تشجيع بكين على القول بأنها على حق، وأنه  حتى شريكات الفلبين لا يعترفون بحقها، الأمر الذي شجعها على مواصلة استغلال الأراضي المتنازع عليها عسكريا وتنقيبيا دونما رادع، بل وشجع مؤيدوها على الترويج لسياساتها "الحكيمة" على مواقع التواصل.

يعود أصل القضية الخلافية بين مانيلا وبكين إلى عام 2013 حينما طلبت الفلبين في عهد زعيمها السابق المثير للجدل "رودريغو دو تيرتي" من محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي البت في الحقوق التاريخية والمطالبات البحرية للفلبين في بحر الصين الجنوبي، وأيضا البت في مدى قانونية السلوك الصيني في المنطقة. كان رد فعل بكين هو رفض إرسال ممثلين عنها إلى جلسات التحكيم، بل ورفض قبول الخطابات التي أرسلها قضاة المحكمة إليها. على أن هذا الرفض لم يمنع المحكمة من القيام بمهامها وإجراءاتها القانونية لأن المادة التاسعة من الملحق السابق لإتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي وقعت الصين عليه، ينص بشكل واضح على أن غياب أحد أطراف النزاع أو امتناعه عن الدفاع عن قضيته لا يشكل عائقا أمام سير إجراءات التحكيم.

وهكذا قضت المحكمة بتاريخ 12 يوليو 2016م، وفقا للأصول القانونية المتبعة، بأن عدم مشاركة الصين لا يمكن استخدامه للإنتقاص من حق الفلبين في التحكيم الدولي، ثم أصدرت حكمها لصالح الفلبين والذي تضمن رفض المحكمة لإدعاءات الصين بامتلاك حقوق تاريخية للسيطرة على الموارد داخل "خط النقاط التسع" باعتبار هذا الخط باطلا لتعارضه مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإدانة المحكمة تصرفات الصين كونها تنتهك الحقوق السيادية لجمهورية الفلبين داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة، بما فيها أعمال التنقيب عن النفط والصيد وإعاقة السفن الفلبينية. كما حملت المحكمة الصين مسؤولية التسبب في أضرار جسيمة للبيئة البحرية لأنها قامت ببناء الجزر الإصطناعية ومارست أنشطة حصاد الشعب المرجانية دون وجه حق.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م


 

الاثنين، 3 أغسطس 2026

مركز فِكر في الذكرى السنوية لتفجير مرفأ بيروت


استذكر مركز فِكر الذكرى السنوية لتفجير مرفأ بيروت، مؤكداً أهمية التوصل إلى عدالة شفافة تكشف الحقيقة وتُنصف الضحايا.

وأضاف المركز: ليكن الرابع من آب مناسبةً جامعة للصلاة على نية الضحايا، والدعاء بالشفاء للمصابين، وبالصبر لأهاليهم، وأن يحمل للبنان الأمن والاستقرار والازدهار.


                  رئيس مركز فِكر

                  المحامي شادي أبو عيسى


الأربعاء، 29 يوليو 2026

سنغافورة وأندونيسيا .. أي نمط من العلاقات


 بقلم: د. عبدالله المدني*

نظرة صغيرة إلى خارطة العالم تكفي لمعرفة مدى الفارق الكبير بين دولة المدينة الواحدة السنغافورية وجارتها الأندونيسية المكونة من 17 ألف جزيرة، على أن الفوارق تتعدى المساحة إلى الثقل السكاني والموارد الطبيعية والمكانة الدولية ونمط التحالفات الخارجية وغيرها، وهي فوارق هائلة لكنها لم تمنع البلدين من تأسيس علاقات تعاون وطيدة في الإطار الثنائي من خلال قمم رؤسائهما السنوية أو في الإطار الجماعي من خلال عضويتهما في منظومة آسيان الجنوب شرق آسيوية.

صحيح أن الفوارق الجغرافية والاقتصادية والبشرية بين البلدين، حتمت أحيانا تباينا في المواقف السياسية، إلا أنهما بصفة عامة نجحتا على مدى العقود الماضية في تقديم نموذج عالمي لما يجب أن تكون عليه علاقات الدولة الصغيرة بالدولة الكبيرة. ويبدو أن تلك الصيغة، التي أرساها قادة البلدين التاريخيون، مستمرة اليوم في ظل القادة الجدد الحاليين، والذي يمثلهم اليوم في جاكرتا الرئيس "برابوو سوبيانتو"، وفي سنغافورة رئيس الحكومة "لورانس وونغ"، اللذين عقدا مؤخرا قمة في جاكرتا، شدت أنظار المراقبين، بسبب انعقادها في وقت يمر فيه العالم والإقليم بتحولات وتوترات وحالة من عدم اليقين، خصوصا مع الصراع الدائر حاليا بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز، وهو صراع ولّد قلقا في سنغافورة وجاكرتا حيال مستقبل مضيق ملقا الاستراتيجي والحيوي لتجارة البلدين.

يجمع المراقبون على أن الرجلين يحاولان بطرق برغماتية أن يتغلبا على بعض الخلافات والتوترات الطارئة بين بلديهما، والتي عادة ما تحجبها المصافحات الحارة، والعبارات الدبلوماسية، ومظاهر الإستقبال والحفاوة. 

من هذه الخلافات أولا الهواجس والشكوك السنغافورية حول النزعة القومية المتزايدة في أندونيسيا لجهة السيطرة على الموارد وطرق توجيهها وإدارتها، ومنها ثانيا المنافسة المحتدمة بين الصندوق السيادي الأندونيسي المعروف باسم "داننتارا"، وصندوقي السيادة السنغافوريين "تيماسيك" و"جي آي سي" حول الاستثمارات والاستحواذات، ومنها ثالثا تردد جاكرتا في تصدير رمال البحر والرواسب إلى سنغافورة لمساعدة الأخيرة على استصلاح أراضيها، وهو ما تنظر إليه الحكومة السنغافورية على أنه موقف غير ودي يعيق توسعها العمراني، ومنها رابعا شكوى أندونيسيا من أن سنغافورة تتعامل معها على أنها مجرد مصدر للمواد الخام الرخيصة، وليست عملاقا اقتصاديا لا يمكن تجاهله.

كانت تلك نماذج من الخلافات التي  يحاول الطرفان تجاوزها أو إيجاد الحلول لها وفق تسويات براغماتية، لأن كلا منهما في حاجة إلى الطرف الآخر. فسنغافورة، الصغيرة مساحة والمكتظة سكانا، مثلا بحاجة إلى أندونيسيا لجهة مساعدتها في امتلاك امتدادات ومساحات جغرافية للتوسعة العمرانية، ولتلبية احتياجياتها من الطاقة النظيفة، إذ أنها تفتقر إلى أراضي شاسعة لإنشاء بنية تحتية واسعة للطاقة المتجددة (بدون كهرباء نظيفة من أندونيسيا تخاطر مراكز التصنيع والبيانات السنغافورية بفقدان قدرتها التنافسية العالمية). وهي في الوقت نفسه بحاجة إلى ضمانات لإستقرار سلاسل التوريد (الزراعية والغذائية تحديدا)، وإلى الأسواق الإندونيسية الواسعة لتسويق منتجاتها المالية والتكنولوجية.

أما أندونيسيا فهي بحاجة إلى خبرات وتجارب السنغافوريين المتراكمة في إدارة المشاريع والموارد بنجاح ودون هدر أو فساد، وبحاجة إلى تأسيس شراكات معهم في مجال تعزيز صناعاتها التحويلية المحلية لترسيخ الاعتراف بثقلها الاقتصادي في إقليم جنوب شرق آسيا، وفي مجاات البنية التحتية الرقمية وشبكات الكهرباء العابرة للحدود وتكنولوجيات الطاقة النظيفة. كما أنهم ينظرون إلى سنغافورة كمصدر لإستثمارات بمليارات الدولارات، بينما تريد سنغافورة ضمانات قانونية بألا تتأثر إستثماراتها بتقلبات الداخل اإندونيسي. وبإختصار شديد هناك اعتماد متبادل، غير متكافيء، بين البلدين.

ولا يكتمل الحديث عن العلاقات الإندونيسية السنغافورية، المتميزة بصفة عامة بالإستقرار، دون التطرق إلى تأثرها من وقت إلى آخر بالتنافس بين بكين وواشنطن. فسنغافورة رغم أنها تعمل كقناة مالية رئيسية لتدفق روؤس الأموال الصينية إلى الخارج، فإنها تحافظ على تحالف عسكري واستراتيجي مع الولايات المتحدة. وبالمثل فإن أندونيسيا تحاول موازنة نفوذ بكين الاقتصادي الهائل بعلاقات دفاعية متينة مع الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الغربيين. غير أن نقطة الخلاف هنا تكمن في مخاوف سنغافورة من أن تنجرف إندونيسيا بشكل مفرط إلى فلك بكين الاقتصادي، فيختل التوازن الامني في بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، وهذه المخاوف تقابلها مخاوف في جاكرتا من اندفاع سنغافورة في المخططات الأمنية الأمريكية بصورة  تثير التنين الصيني وتستفزه، أو تقوض وحدة منظومة آسيان



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يوليو 2026م

 


الثلاثاء، 21 يوليو 2026

أزمة في اليابان عنوانها التجنيد العسكري


 بقلم: د. عبدالله المدني

أثناء مطالعاتي الصباحية للصحف الصادرة في شرق آسيا باللغة الانجليزية، وقع نظري على خبر تداولته تلك الصحف، بينما لم أجد له أثرا في صحافتنا العربية، ولو بصورة مقتضبة.

الخبر يتعلق بتصريح أدلت به النائبة اليابانية المعارضة "تشيكاجي كوغا" في منتصف يونيو المنصرم، خلال جلسة للغرفة العليا للبرلمان الياباني، وقالت فيه مامعناه أن "قوات الدفاع الذاتي" اليابانية تتألف في معظمها من أبناء الأسر المتعثرة، لأن أبناء الأسر الميسورة لا يلتحقون بها.

أثار هذا التصريح، الذي يشيء بوجود خلل معياري داخل المؤسسة الدفاعية اليابانية لجهة التجنيد، موجة من التعليقات المضادة. إذ سارع وزير الدفاع الياباني "شينجيرو كويزومي" إلى رفضه جملة وتفصيلا، خصوصا وأن صاحبته لم تقدم دليلا على مزاعمها. وهو ما دفع النائبة "كوغا" إلى سحب تصريحها والاعتذار للأمة. كما أن حزبها الدستوري الديمقراطي أصدر توبيخا بحقها.

الحدث وما تلاه من ردود أفعال فتح باب النقاش على مصراعيه، خصوصا وأن البلاد تمر بتحولات في سياساتها الدفاعية منذ مجيء رئيسة الحكومة الحالية "ساناي تاكائيتشي" إلى السلطة بتخويل شعبي كاسح، وببرنامج طموح للتغيير داخليا وخارجيا.

صحيح أن اليابان اوقفت التجنيد الالزامي، بل وألغته رسميا منذ مايو 1947، تمشيا مع دستورها السلمي الجديد لحقبة ما بعد الحرب، فأصبح الانضمام إلى جيش الدفاع الذاتي تطوعيا بالكامل لمن يبلغون سن 18 عاما. وصحيح أن البلاد تعاني اليوم من مشكلة سكانية تتمثل في انخفاض أعداد المواليد وارتفاع أعداد المسنين، وهو ما خلق بدورة مشكلة في جيش الدفاع الذاتي لجهة تجنيد العناصر. لكن الصحيح أيضا أن ما زعمته النائبة المعارضة حول التجنيد القائم على الفقر عار عن الصحة.

إن فكرة "التجنيد القائم على الفقر" قد تكون صحيحة في الولايات المتحدة ــ كما يقول "بيتر تشاي" الباحث المشارك في كلية العلوم السياسية والاقتصادية بجامعة واسيدا بطوكيو في أحد مقالاته ــ فالجيش الأمريكي يستقطب في صفوفه الكثيرين من الشباب المفتقرين إلى خيارات أخرى، لاسيما وأن العمل العسكري يحقق لهم الوجاهة الاجتماعية ويمنحهم مزايا اقتصادية كالتأمين الصحي الشامل وتمويلات التعليم والسكن المريح. أما في اليابان فلا ينطبق هذا الطرح لأسباب كثيرة منها أن البلاد تتمتع بمعدلات توظيف شاملة للخريجين من الشباب الذين ينهون دراستهم، بمعنى أنه يمكنهم الاختيار من بين قائمة طويلة من الخيارات المدنية المتنوعة، ومنها أيضا وجود نظام رعاية صحية شاملة ونظام تعليم مجاني راق ونظام إسكان متقدم، فلا يحتاج الفرد الياباني للإلتحاق بالجيش من أجل هذه المزايا. وتشير الإحصائيات المتوفرة إلى أنه في عام 2023 توفرت 3.5 فرصة عمل لكل باحث عن وظيفة من المتخرجين الجدد من المرحلة الثانوية في اليابان وبالتالي لا دليل على أن جيش الدفاع الياباني كان الملجأ الرئيسي المتاح أمام الشباب الأقل حظا من الناحيتين التعليمية والاقتصادية.

يقودنا الحديث السابق إلى سرد بعض مما أورده الباحث بيتر تشاي في بحثه المشار إليه آنفا حول نظرة اليابانيين إلى "قوات الدفاع اليابانية" منذ العقود الأولى لتأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ففي العقود الأولى التي تلت الحرب مباشرة كانوا ينظرون إليها بعين الشك والريبة، لاسيما وأنها كانت وقتذاك محل نقاشات شعبية حول دستوريتها. تلك النظرة السلبية النافرة تحولت تدريجيا في العقود اللاحقة إلى نظرة إيجابية داعمة، خصوصا في أعقاب انخراطها في أنشطة إنسانية داخليا وخارجيا، كأعمال الإغاثة والانقاذ ونزع الألغام، والمشاركة في قوات حفظ السلام الدولية.

وهناك ثمة مفارقة تسترعي الانتباه. فعلى الرغم من أن نتائج استطلاع للرأي أجري في يناير المنصرم كشف أن 90% من الشعب الياباني معجب بأداء جيش الدفاع الذاتي، غير أنهم لا يترجمون هذا الإعجاب بالانخراط في صفوفه، بدليل أن 9% منهم فقط (طبقا لإستطلاع أجري عام 2024) مستعدون للإلتحاق بالجيش للدفاع عن اليابان.

مما لاشك فيه أن 9%، نسبة ضئيلة جدا، بل واحدة من أدنى النسب المسجلة بين دول العالم. وهنا نتوقف لنقول أن الفجوة الكبيرة بين الإعجاب بالجيش ورفض خدمته تكتسب أهمية بالغة في هذا المنعطف من تاريخ اليابان، والذي تحاول فيه رئيسة الحكومة تاكائيتشي دفع البلاد نحو استراتيجية دفاعية طموحة، تشمل زيادة الانفاق الدفاعي ليصبح 2% من الناتج المحلي الاجمالي، وتزويد الجيش بأسلحة متطورة بعيد المدى، وتعديل بنود الدستور الحائلة دون انخراط البلاد في الأعمال القتالية الخارجية من أجل الأمن والسلام، والإضطلاع بدور أمني إقليمي أكثر نشاطا واستجابة لمتطلبات الاستقرار في شرق آسيا. وبطبيعة الحال فإن طموحات تاكائيتشي لا يمكن تحقيقها برفع كفاءة السلاح دون رفع أعداد المجندين.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يوليو 2026م

 



الاثنين، 13 يوليو 2026

الذكرى السنويّة الأولى للمجزرة في السويداء ومثلّث برمودا؛ الشرع، إسرائيل والهجري




وقفات على المفارق

** فاتحة: هذه الوقفات لـ "طويلي البال"، فالمناسبة وتداعياتها وآفاق الحلّ تستأهل، وفيها وقفات مع: (1) البراء من الهوى والبصر والبصيرة (2) القرائن والوقائع والقول الفصل (3) التفاهمات الإسرائيليّة السوريّة (4) الخاصرة الرخوة والعود الأحمد (5) الشرع والطبيخ بالمرقة (6) الخيارات بين فكّ الخناق والدولة الديموقراطيّة (7) الأُنشوطة (العُقدة) والعفو العام!

** الوقفة الأولى.. والبراء من الهوى والبصر والبصيرة.

أن تكتب في أيّ شأن بتجرّد وبراء من الهوى ليس بالأمر السهل، ولكنّك تستطيع أن تفعل رغم الطبيعيّة الإنسانيّة إن اتّخذت من الوقائع والقرائن بوصلة. وحينها حتّى لو اجتهدت فيها فلن تعدم البصر والبصيرة وتميل عن سواء السبيل إلى نجم الشمال\ النجم القطبيّ. أن نبنّي موقفًا اعتمادًا على الهوى والعصبيّة العمياء دون القرائن وحدوثها سنبقى نحارب طواحين الهواء شأننا شأن "دون كيشوت" بطل الكاتب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا في روايته الشهيرة.     

** الوقفة الثانية.. والقرائن والوقائع والقول الفصل.    

في هذه الوقفات سأعمل قدر المستطاع على الحيدة عن الاجتهاد وأترك للقرائن والوقائع "أن تتكلّم" علّها تنير لنا طريق الخلاص من "جهنّم الباشان". وَ "جهنّم الباشان" هذه ليس اجتهادًا منّي هي صرخات الضحايا التي تملأ الدنيا والصادرة عمّن يتيسّر لهم الصراخ في السويداء وذويهم خارجها وفوّهات البنادق لهم في المرصاد، فـ %40 على الأقلّ من دروز سورية يعيشون في مناطق مختلفة خارج "الباشان"، عدا عشرات الآلاف من المغتربين جسدًا المقيمين روحًا وأهلًا في سورية. وأمّا القرائن:

2أ_ يوم 8 كانون الأوّل 2024 سقط النظام السابق. وما كادت تهدأ احتفالات "ساحة الكرامة" في الجبل حتّى خرج الـ "مانيفستو الهجري" بالدولة العلمانيّة (!). وما كاد يحلّ 14 كانون الأوّل 2024 حتّى عقدت "قيادات" الطائفة في إسرائيل اجتماعًا وعلى جدول أعماله وقف التهجّمات على الشرع التي بدأت تغزو وسائل التواصل من شخصيّات درزيّة إسرائيليّة تحت شعار: "هذا يضر في جماعتنا!"، وكان الشيخ الهجري نجم الاجتماع ويخاطب الاجتماع بكلمة هاتفيّة يشيد فيها بقيادات الدروز في إسرائيل وبإسرائيل، ويُطمأن من ناحيتهم أنّ إسرائيل في ظهر الدروز!

2ب_ على ضوء "المانيفستو" توالت الاتصالات بين السلطة الجديدة في دمشق والجبل وتوالت الاجتماعات واللقاءات والبيانات، كلّ متابع يعرفها، وفي صلبها الـ "مانيفستو". أوصلت كلّ هذه إلى توافقات 12 آذار 2025 في دارة الشيخ الهجري في قنوات، وبدأ تنفيذ التوافقات.

2ت_ 14 آذار 2025، تمامًا يومين بعد التوافقات، يدخل وفد مشايخ من بلدة حظر إلى إسرائيل رغم استنكار فاعليّات حظر ببيان عامّ واضعٍ النقاط على الحروف!!! وكتبنا؛ الحركة التقدميّة حينها: "هذا الوفد هو استغلال سياسيّ رخيص لمحتلّ (حضر) على يد محتّل (إسرائيل) احتلّت البلدة كما غيرها مُقطّعةً بأهلها السبُل لموطنها وأهلها في الوطن...  هذا الوفد، بشكله وتوقيته، هو حلقة في اللعبة الإسرائيليّة التي تلعبها إسرائيل في سوريّا لدقّ الأسافين بين مكوّنات الشعب السوريّ وبين الدروز أنفسهم؛ سوريّا وإقليميّا، خدمة لمخطّطاتها ومخطّطات من وراءها في المنطقة، مستغلّة الواقع المعقّد في سوريّا والمنطقة."        

2ث_ 25 نيسان 2025، في عزّ العمل على تنفيذ توافقات آذار، يدخل وفد ضخم من قرابة الـ 500 رجل دين من سورية، وكثير منهم هذه المرّة من السويداء، يدخلون إسرائيل لزيارة دينيّة!!! وَ "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!".. فهلّل غالبيّة الدروز وكبّروا، اللهم إلّا صوت "الحركة التقدميّة للتواصل" والتي أصدرت مرّة أخرى بيانًا محذّرة من هذا التصرّف وأبعاده. 

2ج_ ما كاد يعود الوفد انفجرت الصدامات في جرمانا وأشرفيّة صحنايا، ونفّذت عمليّات تنكيل وحشيّة. وقفت إسرائيل موقف المتفرّج اللهم إلّا من إلقاء بعض المفرقعات الـ "نتانياهويّة" والـ "كاتسيّة" حول القصر الجمهوري، فأُسقِط في يد "القيادات" الدرزيّة الإسرائيليّة وتغيّرت لهجتها وتوجّهاتها كليّا. لتصدر بيانًا مطوّلا يوم 1 أيّار 2025 اختُتم بالآتي: " نتوجه إلى كافّة أطياف الشّعب السّوريّ، مُناشدين إيّاهم بوأد الفتنة واجتثاث الطّائفيّة، والامتناع عن الانجرار وراء الجهات الإرهابيّة، الّتي تعرّض السّلم الأهليّ للخطر الجسيم، مع التأكيد على شجب واستنكار كلّ إساءة للأنبياء والرّسل والأديان، وعلى وجه الخصوص الرّسول العربيّ الكريم وخاتم النّبيّين عليه أتمّ الصّلاة والسّلام."

2ح_ حوصر الأمر في جرمانا والأشرفيّة وتمّت العودة إلى التوافقات يوم 1 أيّار 2025. وهدأت الأمور نسبيّا وسط متابعة التواصل لحلّ، فهدأت الأمور على كلّ المحاور. ومرّة أخرى وفق بيان القيادات أعلاه جاء: "وفق المعلومات الموثوقة الّتي تردنا حتّى الآن من الأخوة والأهل في سوريا، فهناك هدوء نسبيٌّ مشوبٌ بحذر كبير، مع وجود تطوّرات مُتجدّدة على مدار السّاعة."   

2خ_ بين 11 تمّوز الـ 13 منه حدثت أعمال خطف وخطف متبادل أدّت إلى اشتباكات مسلّحة دار رحاها في السويداء وحيّ المقوّس البدوي وغيرها، وتفاقم الوضع. (لجان التحقيق الدوليّة) 

2د_ يوم 12 تمّوز 2025 كان الشرع يزور أذربيجان، وعلى هامش زيارته يلتقي في باكو عاصمة الدولة ممثّلون عن الولايات المتّحدة وإسرائيل وسلطة دمشق وممثّل الأمم المتّحدة. 

2ذ_ يوم 14 تمّوز تمّ لقاء جمع وجهاء دروز ووجهاء العشائر البدوية، تمّ فيه الاتفاق على إطلاق سراح كافة المختطفين كخطوة أولى ضمن مساعٍ لتهدئة التوتر وخفض التصعيد، فتم الافراج عن المختطفين الدروز في حي المقوس، واستلمت مجموعة السيد عقبة الشاعر المختطفين البدو. غير أنّ هذه التوافقات لم تعش طويلًا وبدأت تظهر المعلومات عمّا يُرتكب في قرى المقرن الشمالي الغربيّ والغربيّ من الجبل وصولًا إلى السويداء، يعني منذ الـ 13 وخلال الـ 14 والـ 15 كانت الانتهاكات الهمجيّة تُرتكب على الهوية الدينية، قامت بها مجموعات جهادية متطرفة تابعة للجيش والامن العام، ومن قبل جهاديين يرتدون زي الجيش. (لجان التحقيق الدوليّة)

2ر _ كيف دخلت هذه الجحافل الهمجيّة وقامت بما قامت به؟! كيف سقطت السويداء العاصمة؟! وَ36 قرية بهذه السرعة؟! أين كانت جحافل "المضافات والجوفيّات" تاركة حماة هذه القرى الأبطال وأهلها لقمة سائغة في يد الهمج؟! أو كانت تذود عن عرين الشيخ في قنوات، والذي كان أصدر بيانًا مرحّبًا بدخول "قوّات الأمن" ما فتئ أن تراجع عنه مطلقًا صيحة "يا غيرة الدين" مدّعيًا أنّه كان أجبر على إصدار بيانه الأوّل!؟ ومن يا ترى القادر كان على إجباره؟!؟!

2ز _ وفي حوالي الساعة 14:30 ظهر الـ 15 تدخل سلاح الجو الإسرائيلي واستهدف تجمعاً لقوات الأمن العام في محيط مبنى قيادة الشرطة وسط مدينة السويداء، بعد ساعتين من قصف استهدف تجمعاً آخراً قرب مبنى فرع الأمن الجنائي.. صحّ النوم!  (لجان التحقيق)

وصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزيره كاتس أن القصف الذي شنّته إسرائيل تجاه الأراضي السورية جاء بدعوى حماية الدروز، استنادًا إلى ما وصفاه بـ "التحالف الأخوي العميق" مع أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل. وأكدا أن دخول الجيش السوري إلى المنطقة الجنوبية المحاذية للحدود الإسرائيلية يمثل انتهاكًا لسياسة نزع السلاح وتهديدًا لأمن إسرائيل. (وسائل الإعلام) ... طيّب كيف دخل؟!؟!

2س_ تحقّق "على التمام والكمال" ما أرادت إسرائيل وأدواتها؛ فوُئِد التوجّه الأكثريّ الذي كان سائدًا في الجبل والداعي إلى ترتيب العلاقة مع السلطة الجديدة حسب تفاهمات آذار 2025، وتوُّج الشيخ الهجريّ زعيمًا أوحدَ للجبل أو ما تبقّى من الجبل المليء بالمهجّرين وراح ينفّذ الـ "مانيفستو الهجري" في دولة الباشان؛ العلمانيّة الديموقراطيّة حليفة الدول المتحضّرة؛ الولايات المتّحدة وإسرائيل والإمارات!!!

2ش_ وصدرت البيانات تباعًا من شيوخ العقل الثلاثة وفيها: "٢- دعوة للتدخل الدولي: مطالبة بضرورة تدخل المجتمع الدولي لوقف الاعتداءات. ٣- طلب لجنة تحقيق: دعوة لتشكيل لجنة تحقيق دولية لتوثيق الجرائم.". 

2ص_ تدخّل مجلس الأمن وأصدر قراره يوم 10 آب 2025 وجاء فيه: "وقال المجلس في بيانه الرئاسي- الذي يصدر بإجماع أعضائه الخمسة عشر: "يجب على السلطات السورية المؤقتة أن تضمن مساءلة جميع مرتكبي أعمال العنف وتقديمهم إلى العدالة بغض النظر عن انتماءاتهم. ويحيط مجلس الأمن علما كذلك بقرار إدارة شؤون الدفاع التابعة للسلطات السورية المؤقتة إنشاء لجنة للتحقق من انتماءات الأفراد الضالعين في أعمال العنف وخلفياتهم، ويشدد على أهمية الشمول والشفافية في عمليات العدالة والمصالحة وضرورتها الملحة لإحلال السلام المستدام في سوريا". الشيخ الهجري: No!

2ض_ طيّب.. وحدث التدخّل الدولي كما طلب المشايخ وصدر بيان عمّان الثلاثي يوم 16 أيلول 2025 ملبيّا المطالب بالتمام والكمال تقريبًا، غير أنّ الغريب أن الهجري يرفضه!

2ط_ تقرير منظّمة الحقوق الدوليّة 15.1.26 15 ، وفيه: "إن القوات الحكومية السورية والجماعات المسلحة البدوية والدرزية المحلية مسؤولة عن انتهاكات جسيمة خلال الاشتباكات في محافظة السويداء الجنوبية في سوريا في يوليو/تموز 2025. ينبغي للسلطات السورية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات من جميع الأطراف، بما يشمل الملاحقة الملائمة بحق القادة العسكريين وكبار المسؤولين الذين أمروا بارتكاب الانتهاكات أو يتحملون تبعات جرائم الحرب بموجب مسؤولية القيادة." الهجري: No!

2ظ_ تقرير لجنة التحقيق الدولية آذار 2026: وفيه: "يرحب المجلس الوطني لحقوق الإنسان بصدور تقرير لجنة التحقيق الدولية (A/HRC/61/CRP.7) كوثيقة إدانة تاريخية توثق الجرائم المرتكبة في السويداء. ويعرب المجلس عن قلقه البالغ حيال الحصيلة الدموية المرعبة التي بلغت 1,707 قتلى في المجتمع الدرزي المحلي (بينهم 1,190 رجلاً، و99 امرأة، و22 صبياً، و31 فتاة)، ونزوح 200,000 من الريف الغربي. كما شهد المجتمع البدوي المحلي الأصغر حجماً وفيات تأكد منها مقتل 53 رجلاً، و9 نساء، و5 فتيان، و3 فتيات، ونزوح أكثر من 45,000. وأُفيد أيضاً بمقتل ما لا يقل عن 225 عنصراً من القوات الحكومية، سقط العديد منهم في غارات جوية إسرائيلية في تموز/يوليوز" وفي توصيات التقرير جاء: "توصيات: دعا التقرير إلى تكثيف الجهود لضمان المساءلة الشاملة، وتوفير ضمانات ملموسة واتخاذ إجراءات لمنع تكرار الأحداث، وتعزيز المصالحة وبناء الثقة، ومكافحة خطاب الكراهية. وحث المجتمع الدولي إلى دعم الحكومة لتنفيذ توصيات اللجنة. ودعا الأطراف الخارجية، بما في ذلك إسرائيل، إلى وقف الأعمال التي قد تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار وإلحاق الأذى بالمدنيين."

بغضّ النظر عن أبعاد "اعتمار العمامة السياسة".. إذا كان اعتقد الشيخ الهجري وشيخا العقل الآخران في بيانهم أعلاه أنّ التحقيق الدوليّ سيجلب لهم الدولة المستقلّة وحقّ تقرير المصير، فشأنهم كشأن "الجالب الدبّ لكرمه" إلّا إذا سارعوا للاستفادة من هذه التقارير.. على الأقلّ كُرمى لمن يدّعون حمايتهم؟!

** الوقفة الثالثة.. والتفاهمات الإسرائيليّة السوريّة.

3أ_ تفاهمات باريس 24-25 تمّوز 2025 نصّت: "تُقام – حسب الاتّفاق – مجالس محليّة بمشاركة سكّان السويداء، الذين يعيّنون (!) لمعالجة المرافق والخدمات الضروريّة في المنطقة. مثالًا، تقام لجنة للتقصّي وموثقة خروقات الاتّفاق، تقدّم تقاريرها للجانب الأميركي إذا اقتضت الحاجة... وقد تقرّر أن القنيطرة ودرعا، المجاورتان لحدود سوريا- إسرائيل، يُنزع سلاحهما، وتُقام لجان أمنيّة محليّة بمشاركة سكّان المدن – شرط ألّا يكون تحت إمرتهم سلاح ثقيل."

3ب_ باريس الجولة الخامسة 6.1.26 بحضور المبعوث ويتكوف.. انطلاق المباحثات السورية الإسرائيلية، وفيها: "إن المباحثات تتركز بشكل أساسي على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية."

3ت_ ما رأي أصحاب الـ "مانيفستو الهجري" والدولة المستقلّة في هذا: "السيادة السوريّة الكاملة فوق كلّ اعتبار"؟!

** الوقفة الرابعة.. والخاصرة الرخوة- عودٌ على نشر سابق والعود أحمد!

4أ_ الوقائع والقرائن أعلاه تكامليّا وتقابليّا ودون الحاجة لتحليل ولا لاجتهاد توصلك إلى النتيجة: أنّ هنالك من عَمِل منذ أيّام الأسد ويعمل أيّام الشرع؛ قوى عالميّة وإقليميّة وفي مقدّمها إسرائيل؛ مرّة مباشرة ومرّة مستعملة أدوات لها هنا وهنالك، عمِل ويعمل على أن تكون السويداء وتبقى الخاصرة الرخوة لسورية بغضّ النظر عن شكل النظام السوريّ وخلاصات وتفاهمات لقاءت باريس- باكو – باريس. فسورية إن تعافت ستكون، لطبيعة شعبها رغم ما مرّ ويمرّ عليه اليوم، رقمًا صعبًا في الصراع العربيّ الإسرائيليّ وفي صلبه قضيّة العرب؛ القضيّة الفلسطينيّة، ومهما اعتور هذا الصراع اليوم من معوّقات، وهذا هاجس إسرائيل الأكبر!  

4ب_ الأخبار المتواترة عن الواقع في الجبل بجزئيه؛ جبل "الباشان" (!) والثلث المتبقّي منه (36 قرية) التي تحت سيطرة النظام في دمشق، متضاربة ومتناقضة والغالب عليها السوداويّة، وبغضّ النظر لا حلّ إلّا الاتّفاق الثلاثيّ (الرُّباعي- أميركا لا تفعل ما لا يرضي إسرائيل الشريك الغائب الحاضر). ولكنّ حتّى إن تمّ فالسويداء ستبقى إلى أمد غير منظور خاصرة رخوة لسورية لن تُمحى من ساحاتها صور نتانياهو يلفّه العلم الإسرائيلي ولن يسمَح نتانياهو وأذرعه (بقي أو ذهب) أن تُمحى صوره وصور العلم إلى أمدٍ بعيد، ولعلّ في مقابلة الشيخ الهجري الأخيرة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيليّة يوم 13.1.26 القول الفصل. هذا إلًا إذا أعادت إلى السويداء قواها العقلانيّة، رغم الجراح، تاريخَها وتراثَها القوميّ العروبيّ، رغم أنّ هذا يبدو آنيّا بعيد المنال في المستقبل المرئيّ!  

** الوقفة الخامسة.. والشرع وَ "الطبيخ بالمرقة" - عودٌ...!

5أ_ المتابع ما يُكتب أو يُقال عن الشرع ليس بحاجة لـ "فراسة" زائدة كي يرى أنّ غالبيّتَه ليست براءً من الهوى، فاختزال كلّ ما يفعل بالقول: إنّه أداة تحرّكها قوى إقليميّة وعالميّة هو تسطيح، ومن الناحية الأخرى كلّ من يراه المنقذ المقدام المنتظر فرؤيته غرضيّة. بعيدًا عن ذلك، وبغضّ النظر عن انتماء الشرع الفكري وبراءتي من الهوى تجاهه من عدمها، أقول: إنّ اختيارات الشرع حين كان بطور أبو محمّد الجولاني تُسجّل له؛ ذاتيّا وموضوعيّا، فمن الناحية المبدئيّة؛ لماذا من يختار أن يقاوم الحاكم الظالم ويقاوم عدوّ الأمّة بطريق معيّن تُعلّق على صدره الأوسمة؟! ومن يختار طريقًا آخر تعلّق له "المشانق" وأوّلا على يد شركائه الموضوعييّن في المقاومة؛ وأقصد أولئك الذين رأوا في الأسد الشرّ المطلق، ولم يروا غضاضة في التحالف ضدّه مع الشيطان ولو موضوعيّا؟!     

5ب_ وأمّا "دولة الباشان العظمى" فهي ورقة رابحة في يد الشرع يلعب فيها على "طاولة شطرنج" مع إسرائيل، وكشأن اللاعبين الماهرين اللعبة ستطول إلى ما شاء ذلك اللاعبان خصوصًا وأنّ والحَكم هو المتمثّل في "المندوب السامي" الأميركي، وخصوصًا وأنّ البيادق أهل السويداء والضحايا!

الكهرباء والوقود والطحين و ... و ... مفاتيحها في الشام يلعب فيها الشرع على هواه، والمقابل حسب تقرير "واشنجطون بوسط" الأخير (بالمناسبة لم نكن بحاجة لهذا التقرير اللهم إلّا في بعض التفاصيل) فمفتاح هذا المقابل هو في تل – أبيب. لدى "أبناء عمومتنا" قولٌ مفاده: "دعهم يُطبخون في مرقتهم"، لا أعرف إن كان أصلانيًّا عندهم أم "لطشوه" كما عادتهم من تراث شعوب أخرى، وبغضّ النظر فهذا هو القاسم المشترك بين إسرائيل والشرع؛ فليُطبخ أهل دولة الباشان بمرقتهم!

  كنت كتبت مرّة: "بالأمس القريب شاهدت فيلمًا يرصد أحوال الناس في سوق السويداء، الفيلم من انتاج وسيلة إعلام "باشانيّة" غير معادية، لإظهار معاناة الناس أمام الرأي العام كما كان يعلّق المنتج\ المخرج. من الناس الذين قابل المخرج؛ بائع نبات دُّردار جمعه كقوله من أطراف بلدته جاء به إلى السوق علّه يجمع قوت يومه، وقال: "والله علينا الكلفة للكيلو 13 (هكذا ما عرفت 13 ماذا؛ ألف ليرة واللا مليون) وحتّى بـ 10 ما ماشي معنا...". فالله يجيركم يا أهل السويداء والمهجّرين منكم من مرارة الدُّردار!

** الوقفة السادسة... والخيارات بين فكّ الخناق والدولة الديموقراطيّة – عود...!

6أ_ الخيار هو بين فكّ الخناق، كأفضليّة أولى، عن أهل الجبل؛ المهجّرين والمحتاجين والطلّاب وذوي الشهداء والمغيّبين، وَ "قطع دابر" المتاجرين في مآسيهم ورعاة الخناق؛ المشغِّلين في تل أبيب، أو الاكتفاء في إطلاق المواقف ضدّ السلطة في دمشق في سبيل دولة المواطنة وعلمانيّتها أو مدنيّتها طريقًا لفكّه كأفضليّة أولى حسب بعض الأطروحات. الخيار الثاني رغم شرعيّته بعيد المنال ومؤجّل إلى "أن يفعل الله أمرًا كان مفعولا"، أمّا الأوّل فهو في متناول اليد إن أحسن أصحاب هذا الطرح التشبيك ميدانيّا مع بقيّة دروز سورية أوّلا من حَمَلة الهمّ العام، وهم الغالبيّة، والعبور من التشخيص إلى المداواة.

6ب_ بغضّ النظر عن الموقف من الحكم الجديد في الشام، وإذا كان الهدف الآن هو إخراج دروز الجبل وبالتالي كلّ دروز سورية من عنق الزجاجة المصنوعة في مصانع زجاج "فينيسيا" الإسرائيليّة، فلا طريق للخروج من الخناق إلّا بوضع اليد في يده – حتّى ولو من خلال لبس القفّازات الجلديّة -، وهنا لافتة للنظر، ولسخرية الأقدار، "نظريّة" "دروز المؤسّسة الإسرائيليّة" في تحليل وضع اليد في يد المؤسّسة رغم ما ارتكبت وترتكب في حقّ الدروز والتحريم على دروز سورية وضع اليد في يد مؤسّستها قبلًا واليوم، فلماذا ما يحلّلونه لأنفسهم يحرّمونه على غيرهم؟! 

6ت_ صحيح أنّ قاسمًا مشتركًا يجده المتابع في أطروحات النّخب القلميّة، وهو تبنّي مبادرة عمّان آنفة الذكر، لكنّ التبنّي النظريّ لا يكتمل إلّا بأدوات تنفيذ، وفي الخصومات و\أو العداوات بين الأخصام وبين الأعداء. التشبيك ميدانيّا عمليّاتيًا بين حَمَلة الهمّ العامّ – النُّخب -، بدءًا من خشني الأيادي في شوارع السويداء والأشرفيّة مرورًا بالمتعبّدين في بيوت الله والمقتدرين؛ مقيمين أو مغتربين وانتهاء بالنُّخب القلميّة؛ مقيمة أو مغتربة، هو السبيل للخروج من "عنق الزجاجة"، وحتمًا ستجد هذه النُّخب الدعم من قطاعات واسعة من نُخب بقيّة المكوّنات السوريّة وتتلاشى خيبة الأمل فيها. هذا هو دور النُّخب القلميّة وهذه هي رسالتها التاريخيّة، فهي المطالبة بالتشبيك وقادرة حين تخرج من الاجتهاد الفكريّ إلى العمل الميدانيّ، معلّقة - لا مُبطلة – الأطروحات الفكريّة والسياسيّة على أهميّتها، إلى أجل يعود فيه المهجّر ويأخذ حقّة المُصاب وينال مبتغاه طالب العلم ويقيت أطفاله المحتاج، فرفع الحراب الحادّة الملطّخة عن رقاب العباد هي القول الفصل!              

** الوقفة السابعة.. والأُنشوطة والعفو العام!

القرائن والوقائع أعلاه ليست بحاجة لاجتهاد كيّ تُهدي الجميع إلى سواء سبيل، ولكن في كلّ واقعة وكلّ قرينة عُقدٌ هي أناشيط (عُقدة في حبل يسهل انحلالها بمجرد سحب أحد طرفيها). الثلاثيّ أعلاه؛ إسرائيل وسلطة الشام والشيخ الهجري (المثلّث البرمودي)، هم القابضون على أطرافها ولن يُفلت أيّ منهم الطرف في المعطيات "القرائنيّة" أعلاه ما دام كلّ يعتقد أن في بقائها بقاؤه وبقاء مصالحة وبغضّ النظر عن بقاء ومصالح الناس التي تحيط رقابهم الأناشيط حدّ الاختناق هؤلاء يمهلون ولا يهملون وحينها لن تنفع؛ "لات ساعة ندم". 

الطالب من إسرائيل إرخاء طرف العقدة كـ "الطالب الدبس من قفا النمس"، ولكن باستطاعة السلطة في دمشق إن كانت تروم حياة أن ترخي طرف الأنشوطة وهذا من مصلحتها، وهكذا الشيخ الهجري ومن معه والذي يبدو أنّه بدأ بالنزول عن الشجرة التي "تُسُلّق" عليها، وحينها تقصر الطريق إلى توافق على عفو عام كأحد السبل اللهم إلّا عن الملطّخة أياديهم مباشرة بدماء الناس في المجازر وأيّا كان الناس، وكذا ربابنة العصابات، ولا يستهيننّ أحد بالـ "بالمصالحات العشائريّة" وفي سياقنا حين تُرفد بتوافقات عمّان الثلاثيّة، وبإشبينتها؛ القوى النخبويّة السوريّة كلّ النّخب حين تخرج من القول إلى الفعل، ولا ضير في دفعة إقليميّة!

قلت قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم!

سعيد نفّاع 

12-11 تمّوز 2026


الأربعاء، 8 يوليو 2026

بنغلاديش الجديدة تخاطر بالرهان على الصين

  


د. عبدالله المدني*

منذ تأسيس دولة بنغلاديش المستقلة في عام 1971 وهي تعيش معضلة المفاضلة بين جارتيها الكبيرتين المتنافستين، الهند والصين. وكان للتقلبات السياسية في دكا وتغير الاحزاب الحاكمة فيها تأثير واضح على اتجاه بوصلة البلاد نحو إحدى الجارتين على حساب الجارة الأخرى. وقد تجلى ذلك بوضوح في التنافس الطويل والمرير على السلطة بين الأرملتين الغريمتين حسينة واجد وخالدة ضياء. فبقدر ما كانت بنغلاديش تقترب من الهند وتبتعد عن الصين (مع بعض الاستثناءات) في ظل حكومات الشيخة حسينة، كان يحدث العكس في زمن حكومات خالدة ضياء (والدة رئيس الوزراء الحالي طارق ضياء الرحمن).

وعليه، فإن قيام طارق رحمن مؤخرا بزيارة لمدة أربعة أيام إلى بكين، هي الأولى له خارج بلده منذ تسلمه رئاسة الحكومة البنغلادديشية خلفا للرئيس الانتقالي البروفسور محمد يونس، ليس بالأمر الغريب، ويمكن وضعه في سياق ما هو معروف عن الحزب الوطني البنغلاديشي الحاكم من تفضيل للصين على الهند، خصوصا في ظل ما يعتري العلاقات الهندية ــ البنغلاديشية اليوم من توترات بسبب احتضان نيودلهي لزعيمة بنغلاديش السابقة الشيخة حسينة واجد منذ خلعها في انتفاضة شعبية في عام 2024.

أن بنغلاديش تخاطر كثيرا بانتهاج سياسة المحاور، والمراهنة على الصين من أجل إغاظة الهند. فمهما كانت الإغراءات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي وعد بها قادة بكين نظراءهم الجدد في دكا، ترغيبا وتشجيعا على الإرتماء في أحضانهم، فإن الهند تبقى هي الجارة الأقرب جغرافيا وتاريخيا وثقافيا واجتماعيا، بل صاحبة الفضل الأول والدور الحاسم في تمكين البنغلاديشيين من تأسيس دولتهم المستقلة قبل 55 عاما. هذا في الوقت الذي كانت فيه الصين معارضة لانفصالها عن باكستان، بل استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي في اغسطس 1972 ضد قرار قبول بنغلاديش عضوا في الأمم المتحدة.

وبسبب الدور الهندي في قيام بنغلاديش، شهدت العلاقات بين دكا ونيودلهي عقودا طويلة متقطعة من التعاون الوثيق في المجالات الدبلوماسية والثقافية والأمنية والاقتصادية، وفي حقول مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والطاقة والزراعة. وفي الوقت نفسه، قامت الصين بتعزيز حضورها الاستراتيجي والاقتصادي في بنغلاديش تدريجيا، لتصبح اليوم شريكها التجاري الأكبر بحوالي 18 مليار دولار أمريكي سنويا، كما قامت باستثمارات كثيفة بمليارات الدولارات في مشاريع البنية التحتية، ولاسيما الموانيء والطرق والجسور، وعقد صفقات دفاعية لبناء مصنع للمسيرات بالقرب من الحدود الهندية والتدريب العسكري والانتاج الدفاعي. 

وإذا ما نظرنا إلى نتائج القمة الصينية ــ البنغلاديشية الأخيرة التي عقدت في أواخر يونيو المنصرم، نجد أن الملف الاقتصادي كان طاغيا، بدليل توقيع حزمة من الاتفاقيات شملت مجالات التجارة والتكنولوجيا الخضراء، ومشاريع البنية التحتية، وتحديدا تحريك مبادرة متعثرة منذ مدة طويلة ومثيرة للجدل حول ترميم نهر تيستا المرعب (بسبب فيضاناته المدمرة) وإدارته بمعزل عن الهند. 

ويبدو أن مطالب بنغلاديش من الصين تمحورت حول حصولها على دعم مالي بمليارات الدولارات لمواجهة ما يعانيه اقتصادها من خلل وضعف، وضخ المزيد من الإستثمارات الصينية لخلق فرص عمل واسعة في بنغلاديش وبالتالي تخفيض معدلات البطالة. أما مطالب الصين فقد كانت ــ طبقا للأخبار المسربة ــ قيام دكا بالتأكيد على دعمها لسياسة "الصين الواحدة"، وانخراطها بشكل أوسع في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، ولاسيما إطارها الأمني، وهو الإطار الذي تبدو دكا متخوفة منه بسبب حساسيات اقليمية.

في اعتقادنا واعتقاد العديد من المراقبين أنه من الأفضل والأجدي لحكومة طارق رحمن، وهي تدشن لعهد جديد، أن تعتمد سياسة التوازن والحياد البرغماتي في تعاملها مع جارتيها الكبيرتين المتنافستين على النفوذ في الإقليم، لأنها ببساطة شديدة لا تستطيع إغفال مكانة ونفوذ الهند السياسي والتاريخي العميق في بنغلاديش، ولا تستطيع في الوقت نفسه إغضاب الصين المتغلغلة اقتصاديا وتجاريا وتنمويا فيها، بل والتي صارت أيضا مصدرا لتسليح جيشها. حيث بإمكان دكا أن تنخرط في تعاون تنموي مع بكين لأن مثل هذا التعاون ــ بعكس التعاون الأمني والدفاعي ــ لا ينطوي على تبعات استراتيجية، ولأنه يحقق، من جانب آخر، تطلعات البلاد لجهة الإستفادة من قدرات الصين الرائدة في مجالات التكنولوجيا والطاقة الخضراء وأشباه الموصلات والمركبات الكهربائية. 

وبعبارة أخرى يمكن لبنغلاديش الجديدة أن تتخذ من النموذج الفيتنامي مثالا لكيفية التصرف مع طرفين كبيرين متنافسين. ففيتنام تحتفظ بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه عملت على تعزيز علاقاتها وروابطها الاقتصادية والاستثمارية مع بكين. أما كيف نجحت هانوي في تحقيق هذه المعادلة الصعبة، فإن الجواب هو بالمرونة،  وحسم الأمور دون إبطاء، وإستخدام آليات تنفيذ فعالة وجذابة، وإشعار الآخر بأنه يتعامل مع بلد يقدر الدعم الخارجي ويستطيع استيعابه والاستفادة منه بأفضل الطرق.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يوليو 2026م




الثلاثاء، 7 يوليو 2026

استراليا البيضاء لن تبعث حية

 


كتب عباس علي مراد

"الثقافة الآحادية هي حنين الى الهراء والعبث"

 اندرو هايستي نائب زعيم المعارضة الفيدرالية في مجلس النوب

ووزير الصناعة والقدرات السيادية في حكومة الظل 


دعك من استطلاعات الرأي، والتي تظهر تقدم بولين هانسون في تلك الاستطلاعات على الرغم من أن آخر استطلاع 7/7/2026 يظهر تراجع شعبية بولين هانسون بشكل ملحوظ،  بلغ هذا التراجع تسع نقاط منذ  ان بلغت هانسون الذروة  وحصلت على 31.5 بالمئة من اصوات الناخبين.

 منذ ان ظهرت بولين هانسون على الساحة السياسية في العام 1996 وهي تقيم على الهامش السياسي في البلاد، ولكن منذ  فترة زمنية كانت هناك حملة إعلامية منظمة من كبار الاعلاميين مثل اندرو بولت، الن جونز، كارستيفانوفيتش وغيرهم لجعل بولين هانسون وجهاً مألوفاً في الحياة السياسية، حتى أصبحت مؤخراً تبدو وكأنها المخلص الذي ينتظره الاستراليون.

منذ ثلاثين عاماً لم تلقي هانسون خاطباً امام نادي الصحافة الوطني في كامبرا، وكان اول ظهور لها للتحدث في النادي الشهر الماضي حيث وقعت الكارثة السياسية لهانسون، حيث افرغت شحنات من عنصريتها وعجرفتها على قطاعات واسعة في المجتمع، وهاجمت التعددية الثقافية، وقالت ان أستراليا ليست بلد متعدد الثقافات، بل انه دولة ذات ثقافة أحادية وكانت هذه المسألة الاكثر بروزاً رغم أن هانسون لم توفر قطاعات أخرى مثل الهجرة، الإعلام، العلاقات الصناعية، السكان الاصليين، القطاع الصحي، والقطاع التعليمي وغيرها..

في ما خص الهجرة قالت هانسون أنها سوف ترحل 75 ألف "مهاجر غير شرعي" والانسحاب من  اتفاقية الأمم المتحدة لللاجئين وتخفيض عدد المهاجرين الى 130 ألف سنوياً.

القطاع الصحي، إعادة النظر بنظام المساعدات الوطني للذوي الاحتياجات الخاصة (أن دي أي أس)، والميديكير وتقديمات الضمان الاجتماعي.

قوانين اماكن العمل، قدمت هانسون اصحاب الأعمال على الموظفين الذين وصفتهم بالكسالى ودعت لمنح ارباب العمل الحق لطرد هؤلاء الموظفين.

القطاع التعليمي، تريد هانسون تخفيض دعم المدارس الرسمية بما فيها المساعدات التقديمات الخاصة بذوي الإحتياجات الخاصة، الذين تريد إخراجهم من المدارس لانها تعتبرهم يثيرون الاضطرابات يعيقون تعلم التلاميذ الآخرين، وهاجمت المعلمين متهمة إياهم بأنهم يفتقرون لمهارات القراءة والكتابة، وحتى انها لم توفر قطاع رعاية الأطفال من انتقاداتها.

اما بالنسبة لخطابها العنصري  ضدى الاسيويين والمسلمين والافارقة وهي اللازمة التي رافقتها منذ دخولها البرلمان، حيث قالت في اول خطاب برلماني لها ان أستراليا تَغرق بالآسيويين وبالنسبة للمسلمين انه لا يوجد مسلم جيد والافارقة العصابات الاجرامية.

خطاب بولين هانسون ضد التعددية الثقافية والترويج للأحادية الثقافية لم يأتي من فراغ، فرئيس الوزراء الأسبق جان هاورد (أحرار) اعترف مؤخراً انها لم يؤيد يوماً التعددية الثقافية، وكان هاورد قد الغى مفوضية التعددية الثقافية والمعروف ان هانسون كانت مرشحة على لائحة حزب قبل ان يتم طردها بسبب تصريحاتها العنصرية ضد الآسيويين.

كما تقدم فإن خطاب هانسون في نادي الصحافة كانت نقطة التحول حيث وضعت هانسون ومقارباتها السياسية، الثقافية، الاجتماعية والإقتصادية تحت المجهر بالإضافة الى عجرفتها وجهلها كما تقول الكاتبة الصحافية نيكي سافا،  رغم الارتباك الذي أحدثته في الحياة السياسية خصوصاً في حزب الأحرار، الذي تردد رئيسه وزعيم المعارضة الفيدرالية انغس تايلور بدعم التعددية الثقافية بشكل صريح بدل التصدي لظاهرة هانسون حيث فضل اتباع استراتيجية مختلفة وضعت قيادته على المحك .

كذلك خرجت بعض الأصوات داخل الإئتلاف ودعت للتحالف الانتخابي مع بولين هانسون من أجل هزيمة العمال، وأكثر المروجين لهذا التوجه هو طوني أبوت رئيس الحزب الفيدرالي، ورئيس الوزراء الأسبق مما إضطر بعض برلمانيي الحزب للقول أن سياسة الحزب تقررها حكومة الظل وليس رئيس الحزب الذي يعتبر دوره إدارياً اكثر منه تقريرياً.

وكان ابوت أدلى في لندن بتصريحات متطرفة عن الخطر الثقافة الانكلو- كيلتية بسبب هحرة جماعات تشكل خطراً الثقافة المسيحية -اليهودية في أستراليا

ورداً على هانسون وابوت، كان التصريح الأعنف من النائب اندرو هايستي الذي يطمح لتولي زعامة الحزب، والذي أعلن الحرب على هانسون وتعهد بتدميرها قبل أن تدمره، وأضاف انه مستعد للموت قبل ان يرضخ لهانسون، وانه لن يسلم مفاتيح حزب الاحرار لها، وكانت هانسون قد استهدفت هايستي وهو العسكري السابق في الوحدات الخاصة في الجيش الأسترالي بعد ان أدلى بشهادته ضد زميله السابق بن روبرت سميث المتهم بجرائم حرب في أفغانستان والذي تدعمه هانسون وتدافع عنه.

وهنا يتبادر الى الذهن السؤال الأساسي لماذا تأخرت الطبقة السياسية الاسترالية خصوصاً الحزبين الكبيرين، باتخاذ مقاربة مختلفة لحل القضايا التي تؤرق المواطنين مثل غلاء المعيشة واسعار المنازل والهجرة وغيرها؟

 تحاول هانسون ركوب موجة القلق التي تسيطر على المواطنين، والذي وحسب استطلاعات الرأي يعتبر التصويت لهانسون إحتجاجاً على سياسية الحزبين أكثر من تأييد هانسون، والتي لا تملك فكرة تقريباً عن أي شيء بما فيها إجازة الأمومة المدفوعة، حيث تعتقد هانسون ان الناخبين أغبياء لتفسير روايتها المبسطة (أبيض- أسود) عن التعددية الثقافية التي يمثلها فريق كرة القدم الأسترالي (السوكاروز) كما تقول الكاتبة نيكي سافا.

وهنا نخلص اللى استنتاج انه إذا ما استمر الانحدار الاخلاقي والانقسام داخل حزب الأحرار، فإن حزب أمة واحدة سيبقى عائماً سياسياً حتي يستعيد الحزب توازنه السياسي، وأيضاً حتى يتضح تأثير التغييرات الضريبية المتعلقة بالضريبة على ارباح رأس المال والمديونية السلبية ومعاش الإدخار التقاعدي، التي اتخذتها الحكومة في الميزانية والتي أقرها البرلمان بمجلسيه بمساعدة حزب الخضر.

أخيراً، هل هذه الاحزاب على إستعداد لخوض هذا النقاش الجاد حول هذه القضايا ذات الأهمية البالغة، حتى  يقتنع الشعب بأن الطبقة الحاكمة تُولي اهتمامًا حقيقيًا لقضاياه، والحكم بمسؤولية بعيداً عن تجديفات هانسون عن الآحادية الثقافية والتعددية الثقافية المغلفة بجهل وعنصرية مقيته ، لان هناك تسليم بأن أستراليا قطعت شوطاً كبيراً في مجال التعددية الثقافية والتي ترتكز على ثلاثة أسس هي ثقافة السكان الأصليين، الثقافة الانكلو سكسونية وثقافة المهاجرين الجدد، ولا عودة ألى سياسة أستراليا البيضاء التي لن تبعث حية سواء شاء ابوت وهانسون أم لم يشاءا.

ومن هنا حتى الانتخابات الفيدرالية القادمة اعتقد ان ظاهرة هانسون ستكون الى انحصار، بسبب عدم وجود سياسات واضحة لهانسون او حتى مرشحين لتلك الانتخابات، وكذلك نحن قريباً مع موعد مع اختبار انتخابي قريب في ولاية فكتوريا والتي تقدم فيها حزب أمة واحدة على حزبي الأحرار والعمال في إستطلاعات الرأي.

لكن لننتظر ونرى.

الأربعاء، 1 يوليو 2026

عودة التوتر بين بكين ومانيلا بسبب شعاب باناتاغ



بقلم: د. عبدالله المدني*

مركز التوتر يقع في بحر الصين الجنوبي بالقرب من الفلبين، وأسبابه اتهام مانيلا لبكين بوضع أجسام تجسسية غريبة في شعاب "سكاربورو" التي يطلق عليها الفليبينيون "باناتاغ"، وهذه الشعاب المرجانية تسيطر عليها الصين منذ عام 2012 على الرغم من صدور حكم من محكمة التحكيم الدولية الدائمة سنة 2016 لصالح مانيلا لوقوعها ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، علما بأن الصين تجاهلت القرار وواصلت سيطرتها على المنطقة، بل وتنمرت قواتها على قوارب صيادي الأسماك الفلبينيين البسطاء.

المختلف هذه المرة في القضية أن تداعياتها امتدت إلى دول أخرى في المنطقة. صحيح أن شركاء الفلبين في منظومة آسيان لم يتضامنوا مع الفلبين خوفا على تجارتهم ومصالحهم الاقتصادية مع التنين الصيني، بل أن إحدى شريكات مانيلا الأكثر قربا جغرافيا، وهي إندونيسيا كان وزير ماليتها يبحث في بكين، في هذا التوقيت بالذات، كيفية الارتقاء بعلاقات بلاده مع بكين وسبل تنمية روابطهما الاقتصادية والمالية. لكن دولة من خارج آسيان وهي اليابان، قررت أن تنتصر للفلبين. ففي البيان الرسمي الذي صدر في 28 مايو المنصرم في ختام زيارة الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الإبن لطوكيو، ورد ما يفيد بعزم البلدين على إجراء محادثات ثنائية لترسيم المناطق الاقتصادية الخاصة لهما (مع استثناء تايوان الواقعة بين الفلبين واليابان ).

وهنا جنّ جنون الصينيين فأصدرت خارجيتهم بيانا في 7 يونيو الجاري وصفت فيه مفاوضات ترسيم الحدود بين الفلبين واليابان بالباطلة وغير القانونية، وفوق هذا، سارعت بكين بتسيير دوريات مسلحة في المنطقة، بل أعلنت صراحة أن تلك الدوريات جاءت ردا على المفاوضات اليابانية ــ الفليبينية. وبهذه الاجراءات الصينية توسعت حلقة النزاع لتدخل فيها تايوان، التي استفزها رد الفعل الصيني، الذي اشتمل على تسيير دوريات بالقرب من سواحلها الشرقية، فقررت نشر سفنها الحربية لمراقبة السفن التجارية العابرة والاستفسار لاسلكيا عن حمولتها ووجهاتها. وكانت الخارجية التايوانية قد أشادت في بيان صادر في 31 مايو المنصرم بالإتفاق بين مانيلا وطوكيو، وأعربت عن تطلعها للتعاون معهما في الحفاظ على الأمن البحري في منطقة المحيطين الهندي والهاديء، وهو بيان فاقم حدة الغضب عند الصينيين.

في رأينا أن ردود الفعل الصينية المبالغة تندرج في خانة مخاوفها من احتمالات صعود اليابان عسكريا مرة أخرى وتوسع نفوذها في المنطقة، لاسيما وأن زعيمة اليابان "ساناي تاكائيتشي" عازمة على التخلي تدريجيا على القيود المفروضة على قدرات بلادها العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، كرد فعل طبيعي على التطورات الجارية في العالم، ومنها الصعود العسكري المخيف للتنين الصيني، وقيام الأخير بدعم الدب الروسي عسكريا وإعلاميا ودبلوماسيا في حربه ضد أوكرانيا.

من ناحية أخرى، تبدو بكين اليوم أكثر قلقا  وحساسية من أي وقت مضى تجاه أي تحرك ياباني، فما بالك لوكان هذا التحرك بين اليابان والفلبين، وهما دولتان تحيطان بتايوان، وبينهما ما يُعرف بإتفاقية الوصول المتبادل المبرمة في سبتمبر 2025 والتي تسمح بإجراء مناورات عسكرية مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ونشر قوات الدفاع اليابانية فوق أراضي الفلبين. وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى تصريح تاكائيتشي في نوفمبر 2025، الذي أثار زوبعة وحنقا في الدوائر الصينية، وذلك حينما أعلنت أن أي هجوم صيني على تايوان قد يدفع اليابان إلى اتخاذ إجراء عسكري مضاد من منطلق الدفاع عن النفس.

ومما قيل على لسان عدد من المراقبين، أن بكين طلبت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمته الأخيرة مع نظيره الصيني "شي جينبينغ" في مايو المنصرم أن يلجم حليفتيه اليابانية والفلبينية، ويضغط لوقف تعاونها العسكري، إنْ كان يريد إستقرارا في المنطقة.

نخالة القول، إن منطقة بحر الصيني الجنوبي تشهد تطورات وتطورات مضادة، تختلط فيها المزاعم التاريخية بالتنافس الاقتصادي والاحتكاك الجغرافي، ما جعلها مفتوحة على كل الإحتمالات، خصوصا وأن النزاع هنا بين دولة كبرى تسعى إلى التوسع والهيمنة وتعزيز نفوذها ومصالحها  بشتى الوسائل في مواجهة دول أقل قوة لا تطمح إلا إلى حماية أمنها الوطني وسيادتها وحقوقها. فالصين، كما أسلفنا تشعر بالخطر من قيام ما يعطل مساعيها نحو البروز كقوة عالمية مهيمنة، لذا تكثر من توجيه رسائل مبطنة إلى مانيلا وطوكيو وتايبيه، وإلى سيئول وعواصم دول آسيان أيضا مفادها أن الولايات المتحدة لن تحميكم من غضب الصين، ولن تستطيع ايقاف صعود الصين، وتجلى ذلك في تهديد من يتهمها بالتوسع بمزيد من توسيع نطاق سيادتها على المياه الواقعة شرق تايوان، وببناء المزيد من القواعد فوق الجزر المتنازع عليها.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م



الثلاثاء، 23 يونيو 2026

مذكرة التفاهم الايرانية ــ الأمريكية، هل ستصمد؟


  

بقلم: د. عبدالله المدني*

كتب الكثير عن مذكرة التفاهم التي وقعت مؤخرا عن بعد بين النظام الايراني والولايات المتحدة الأمريكية، بوساطة باكستانية، لإنهاء حرب المائة يوم في الخليج العربي، وسوف تستمر الكتابة طويلا عن ظروفها وخفاياها وملابساتها وبنودها، وسط توقعات البعض بأنها لن تصمد، وستنهار عند أول اختبار حقيقي لها. أما أسباب واحتمالات انهيارها فكثيرة، لعل أولها أن الاتفاقية موقعة بين طرفين، كل منهما لا يثق في الآخر، حيث أن التجارب والسوابق التاريخية علمتنا أن الثقة المتبادلة بين طرفي أي نزاع، شرط أساسي لنجاح أي تسوية بينهما.

وفي الحالة التي أمامنا نجد أن العداء مستحكم بين واشنطن وطهران منذ قيام ما يعرف بجمهورية إيران الإسلامية في عام 1979، لإختلاف وتناقض سياسات وقيم ومباديء كل منهما. ما جعلهما منذ أكثر من أربعة عقود مضت في حالة صراع دائم بأدوات مختلفة، وهواجس وشكوك متبادلة، بل خلق لدى كل منهما نوازع انتقامية، خصوصا وأن النظام الايراني مارس الإرهاب بمختلف ألوانه ضد المصالح الأمريكية في كل مكان، وهو ما اضطرت معه واشنطن للرد عبر ملاحقة اتباعه ورموزه أو عبر تشديد الحصار وتضييق الخناق عليه.

يشتكي الإيرانيون من أن الولايات المتحدة لم تظهر منذ عام 1979 أي نوايا حسنة تجاههم، بل رفعت لواء التهديد والاعتراض ضد نظامهم الجديد منذ اليوم الأول، بينما يشتكي الأمريكيون من أن النظام الفقهي الإيراني خالف كل القوانين والنواميس الدولية المتعارف عليها في العلاقات بين الامم المتحضرة، ولم يثبت قط  إلتزامه بوعوده، وراح بدلا من ذلك يمارس الخداع عبر المناورة والتسويف والدجل والبلطجة وفبركة الأخبار وقلب الحقائق وتأسيس الميليشيات لزعزعة الأمن والسلم ونشر الفتن والقلاقل، استمرارا ومواصلة لسياسة التحريض على أمريكا والغرب والدول الحليفة، المترسخة في العقيدة الايرانية.

يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآن أنه سيحيل ما أتفق عليه مع إيران إلى الكونغرس الأمريكي لمراجعته. وعلى الرغم من صعوبة التكهن بالنتيجة، فإن طرح الاتفاقية للمناقشة أمام المشرعين الأمريكيين المختلفين في مواقفهم من الحرب الترامبية ونتائجها قد يفضي إلى اعتراضهم عليها أو على الأقل الإعتراض على بعض بنودها.

من جانب آخر، تشتد المعارضة الجماهيرية والشارعية في إيران ضد الاتفاقية، مدفوعة ومدعومة من قوى التطرف داخل النظام من تلك التي راحت تخوّن من تفاوض بإسم إيران، وتطالب باستقالته. وهذه الجماهير ــ بطبيعة الحال ــ تنطلق من القيم والخرافات والأساطير الدينية التي تمّ غرسها في رأسها، وفي مقدمتها قيم الرفض والمقاومة حتى الإستشهاد، فداء للمرشد والإمام الغائب.

وهناك إسرائيل التي أعلن رئيس حكومتها "بنيامين نتنياهو" صراحة معارضته الشديدة لأي بند في الاتفاقية ينص على الوقف الدائم لإطلاق النار على جميع الجبهات (بما فيها لبنان)، قائلا: "إن القوات الإسرائيلية سوف تستمر في القتال وستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وغزة وسوريا طالما دعت الحاجة لحماية بلادنا". وهو لئن أذعن صاغرا للمطالب الامريكية بوقف حربه على لبنان، فإن لا شيء يمنعه من معاودة الحرب في حال تحرش حزب الله الإرهابي بالجيش الاسرائيلي.

وإذا افترضنا أن شيئا مما سبق لم يعترض طريق الاتفاق اليوم، وسارت الأمور على مايرام، فإن أشياء أخرى قد تسقطها خلال مهلة الشهرين القادمين اللئين حددا للتفاوض حول القضايا المؤجلة والتي تشمل ملفات جوهرية مثل: برنامج إيران النووي، وصواريخها الباليستية، ومخزونها من اليورانيوم المخصب، وأذرعتها الميليشاوية الاقليمية في الشرق الأوسط.

وهنا يتوقع على نطاق واسع أن يحدث الصدام بين الطرفين المتفاوضين، فواشنطن لن تقبل بأقل من وقف طهران تخصيب اليورانيوم كليا، بينما الأخيرة ستصر على التخصيب كحق من حقوقها السيادية كدولة مستقلة، والشيء ذاته ينطبق على ملف الصواريخ البالستية التي لا يمكن للنظام الايراني التخلي عن صناعتها وتطويرها باعتبارها سلاحا لتخويف وابتزاز دول الجوار. أما برنامج إيران النووي، الذي قيل أن طهران إلتزمت بوقفه كبند متضمن في الاتفاقية الموقعة، فلا يوجد ما يضمن التخلي عنه تماما خصوصا وأن الإيرانيين كثيرا ما نقضوا وعودهم والتزاماتهم.

وفي رأينا ورأي العديد من المراقبين أن الاتفاق الموقع فقط أوقف حربا كشفت عما يمكن لطرفيها أن يفعلا في بعضهما البعض، وأعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري عن إيران، لكنه لم يصل إلى تسوية نهائية للصراع الامريكي الايراني، وإنما انتهى إلى هدنة ستكشف الأيام القادمة مدى صمودها، أو مدى حاجتها إلى هدنات أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م


الأحد، 21 يونيو 2026

إعادة كوريا الشمالية إلى بيت الطاعة الصيني


  بقلم: د. عبدالله المدني

لا تغرك عبارات الصداقة والتعاون والتضامن التي عادة ما تسبق أو تلي اللقاءات الصينية ــ الكورية الشمالية على أي مستوى. فخلفها توجد تعقيدات وتباينات كثيرة وغموض وعتب وحساسية، وإلا لما قام الرئيس الصيني "شي جينبينغ" مؤخرا بزيارة خاطفة ومفاجئة إلى بيونغيانغ لملاقاة نظيره الكوري "كيم جونغ أون"، وهي الزيارة الأولى له إلى العاصمة الكورية الشمالية منذ عام 2019.

لقد اعتاد زعماء الصين منذ زمن المعلم المؤسس "ماو تسي تونغ" ألا يقوموا بأنفسهم بزيارة عواصم حلفائهم الموثوقين، وعند وجود قضية تستدعي لقاء على مستوى القمة، كانوا يستدعون زعماء تلك الدول إلى بلاطهم في بكين. وهم لطالما استخدموا هذا الأسلوب مع الزعيم الكوري الشمالي الحالي "كيم جونغ أون"، ومن قبل مع والده وجده.

صحيح أن الصين شكلت طوال العقود الماضية الرئة التي تتنفس بها كوريا الشمالية، بدليل سيطرة الأولى على 95% من تجارة الثانية الخارجية، وذلك في ظل ما تعانيه بيونغيانغ من عقوبات وعزلة دولية بسبب سياساتها الرعناء ونظامها الحديدي القمعي وتهديد جاراتها بالباليستي والنووي. وصحيح أن الصين كانت سعيدة وراضية بهذا الوضع،  أي دوران كوريا الشمالية في فلكها بالكامل وإبداء الطاعة العمياء لها، مقابل تزويدها بالطعام والكساء والوقود والآلات والمركبات وكل أسباب الحياة والبقاء، تحت شعار "الأخوة الإشتراكية الخالدة". غير أن هذا الأمر يبدو أنه تغير خلال السنوات الأربع الماضية منذ أن بدأت بيونغيانغ التقرب من موسكو عبر تزويدها بالذخيرة وقذائف المدفعية في حرب الأخيرة ضد أوكرانيا، وصولا إلى قرار بيونغيانغ في عام 2024 بنشر ما لايقل عن 11 ألف جندي كوري شمالي للقتال إلى جانب القوات الروسية.

لقد أتاح هذا التطور في العلاقات بين موسكو وبيونغيانغ حصول الأخيرة على مكافأة مالية من الروس بمليارات الدولارات فاقت إجمالي قيمة تجارتها الخارجية لعام 2025 والتي بلغت نحو 3.3 مليار دولار، بل وحصولها ايضا على تكنولوجيا الطائرات المسيّرة المتقدمة، ومعدات الدفاع الجوي، والمساعدات الفضائية، والصواريخ المضادة للطائرات، وأنظمة الحرب الإلكترونية، علاوة على مفاعل نووي لغواصة.


وعلى هامش هذا التطور توثقت علاقات البلدين بقوة، وقام الزعيم الروسي فيلاديمير بوتين في عام 2024 بأول زيارة له إلى بيونغيانغ منذ عام 2000، وهذا بدوره لامس جنون العظمة عند كيم وجعله يعتقد أنه صار أكثر حرية في التصرف، ولعل ما زاده غرورا أنه عومل في بكين على قدم المساواة مع بوتين إبان مشاركتهما في احتفالات عيد يوم النصر الصيني في سبتمبر من العام الماضي.

لقد مثل تصريح كيم بأن مخططات بلاده النووية (المدعومة تكنولوجيا من موسكو) لا رجعة فيها، تحديا صريحا وهيكليا للصين، التي تنشد الإستقرار، ولا تريد سباقا نوويا في محيطها تشترك فيه سيئول وطوكيو، كي تواصل صعودها دون مآزق وانشغالات بملفات ثانوية، خصوصا وأن التصريح جاء قبيل بدء زيارة جينبيغ إلى بيونغيانغ. أما ارتماء كوريا الشمالية في احضان موسكو فقد عُدّ في بكين بمثابة تمرد على بنود معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة الموقعة في عام 1961 بين البلدين، والتي تمّ تجديدها للمرة الثالثة في سنة 2021، علما بأن بندها الأول ينص على تقديم مساعدات عسكرية فورية بكل الوسائل المتاحة في حال تعرض أي من الطرفين لهجوم. ومما لاشك فيه أن هذه المعاهدة جعلت الصين ضامنا وحيدا لكوريا الشمالية، لكن مع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وبيونغيانغ والموقعة في عام 2024 أصبح لدى نظام كيم الحديدي ضامن ثان.

يرى كيم نفسه اليوم غير معزول، ويجد أن بلاده صارت محل تنافس بين القوى العظمى في ظل نظام عالمي متصدع، ويرى في زيارة جينبينغ لعاصمته تجسيدا لحرص الصينيين على صداقته وانعكاسا لمخاوفهم من فقدانه كورقة ضغط ضد خصومهم، لتصبح هذه المخاوف أعظم رصيد يملكه.

يقول المراقبون أن كيم يخدع نفسه بهذه التصورات، لأن استراتيجية الصين الاقليمية تقوم على الاستفادة القصوى من كوريا الشمالية في مشاغبة الولايات المتحدة وحليفاتها الآسيويات، وفي هذا السياق لا مانع عند الصينيين من امتلاك بيونغيانغ لقوة نووية وباليستية متطورة محدودة، شريطة أن تبقى دولة مطيعة عازلة تدور في فلكهم وتأتمر بأوامرهم، دون تطلعات للعب أدوار خارجية أكبر من حجمها، كدورها في الحرب الروسية ــ الأوكرانية. والمفارقة هنا ــ ويالها من مفارقة ــ أن بكين شجعت بسذاجة كوريا الشمالية، في وقت من الاوقات، على نجدة روسيا لمنع انهيارها، فتعمقت الروابط بين بيونغيانغ وموسكو، بشكل بات يهدد نفوذ الصين السياسي في روسيا من جهة، وهيمنة الصين على قرارات كوريا الشمالية من جهة أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م




الثلاثاء، 9 يونيو 2026

تعاظم أهمية تحالف "كواد" الرباعي


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

يخطيء من يعتقد أن تحالف "كواد" الرباعي المكون من الولايات المتحدة الأمريكية والهند وأستراليا واليابان قد مات وانتهى أو تقلص دوره وأهميته. وبالمثل يخطيء من يعتقد أن مبرراته قد انتفت بعد القمة الأمريكية ــ الصينية الأخيرة في منتصف مايو الفائت. فهذه القمة لم تثمر عن شيء سوى "مكاسب اقتصادية محدودة وهدنة سياسية هشة مع استمرار التنافس الهيكلي العميق"، بحسب تعبير الزميل حسين شبكشي. 

ثم أن ظهور "كواد" في عام 2007 كحوار أمني رباعي وشراكة استراتيجية غير رسمية بمبادرة من رئيس وزراء اليابان الأسبق "شينزو أبي" كان هدفه الأساسي هو الحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهاديء حرة ومفتوحة، وضمان ازدهارها، في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد وسياسات بكين للهيمنة والتوسع وعسكرة المياه الدولية. والمعروف أن بكين سارعت بالتعبير عن قلقها من هذا التحالف وقت إطلاقه في 2007 ثم مرة أخرى وقت إحيائه في عام 2017، بل اعتبرته بمثابة "ناتو آسيوي" غرضه محاصرة الصين واستفزازها من خلال تبني عقلية الحرب الباردة، على الرغم من تأكيد أعضاء التحالف أن "كواد" لا يستهدف دولة بعينها، ويركز على التعاون في مجالات الملاحة البحرية ومراقبة الحدود وإلأمن البحري وأمن الطاقة والتكنولوجيات الحيوية.

ومما لا شك فيه أن مبررات وجود تحالف مثل "كواد" كقوة موازنة فعالة قد تضاعفت اليوم في ظل سياسات الإدارة الأمريكية الحالية، وما يجري في المضايق والمياه الدولية من صراعات، الأمر الذي يستدعي ــ من وجهة نظرنا ــ ضرورة تحويله من حوار أمني إلى تحالف رسمي مفتوح أمام دول مؤثرة أخرى.

نستطيع فهم أولئك الذين قالوا بموت "كواد" وانتفاء أهميته، فبعضهم ينطلق من موقف عدائي مطلق ضد واشنطون وسياسات ترامب، والبعض الآخر لا يستطيع إخفاء إعجابه بالنظام الصيني وسياسات الرئيس "شي جينبينغ"، والبعض الثالث بنى فرضيته على حقيقة أن قادة التحالف لم يعقدوا أي قمة منذ قمة ديلاوير بالولايات المتحدة عام 2024، وأن القمة التي كانت مقررة في نيودلهي العام الماضي قد ألغيت (كان السبب تدهور العلاقات الأمريكية ــ الهندية على خلفية حملة الرئيس دونالد ترامب الصارمة على الهجرة، وفرضه تعريفات جمركية عالية على الواردات من الهند، ناهيك عن التوترات الناجمة عن مشتريات الهند من النفط الروسي، والتقارب الأمريكي ــ الباكستاني).

ويبدو لنا أن هذا البعض الثالث غير قادر على استيعاب فكرة أن لكل دولة من دول "كواد" سياساتها الخاصة المستقلة وتتصرف بما يمليها عليها مصالحها الوطنية ولها أجنداتها الخاصة بالحفاظ على نفوذها وتعزيزها، وعليه فقد تختلف لكنها تلتقي عند نقطة مقاومة الطموحات الصينية التي تراها من وجهة نظرها مزعزعة للإستقرار في المحيطين الهندي والهاديء. ولأن الديناميكيات الهيكلية في منطقة المحيطين لم تعد على حالتها القديمة ببروز الصين كقوة اقتصادية وعسكرية وصناعية هائلة، ولأن التحديات الجيوسياسية أمام "كواد" تضاعفت، جاء قرار دول التحالف الأربع في عام 2017 بإعادة الحوار الأمني، بعد توقفه لفترة وجيزة. ومؤخرا عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعا في نيودلهي، وهذا وحده يكفي دليلا على حيوية واستمرار "كواد".

ويعتقد على نطاق واسع أن التحالف في طريقه إلى توسيع أهدافه وتعميقها، فمن بعد سنوات من التعاون السيبراني والاستخباراتي، والتدريبات والمناورات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات، وأعمال الإغاثة الانسانية، ومقاومة القرصنة البحرية، برزت اليوم الحاجة إلى التركيز على التعاون في البنية التحتية في المحيطين وفي مجالات الموانيء وكابلات الاتصالات البحرية والمعادن الحيوية النادرة وشبكات الخدمات اللوجستية وأمن المضايق والممرات الدولية.

ومن هنا كان إيلاء وزراء خارجية الدول الأربع اهتماما خاصا بمسائل مثل إنشاء موانيء مشتركة في فيجي ونيكوبار الكبرى، الأمر الذي يشير إلى تحول جيواقتصادي استراتيجي، وعودة الجغرافيا الاقتصادية لتصبح عاملا محوريا في ديناميكيات القوة. فوفقا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية فإن نحو 80% من التجارة العالمية تنقل بحرا عبر مسار يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الهندي فمضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي في المحيط الهاديء، كما يُنقل عبر هذا المسار المائي أكثر من 30% من تجارة النفط الخام العالمية ونحو 40% من شحنات الغاز الطبيعي المسال. والمعروف أن جزر فيجي، التي ادمجها "كواد" الآن في شبكة تحالفاته، تعد نقطة ارتكاز سياسية واقتصادية في جنوب المحيط الهاديء. أما جزيرة نيكوبار الكبرى الهندية فتعد بوابة حيوية للسيطرة على خطوط الملاحة البحرية كونها تقع عند المدخل الاستراتيجي لمضيق ملقا، وبالتالي تمثل نقطة مراقبة طبيعية هامة، تتيح للهند وشريكاتها إغلاق أو مراقبة الممرات الحيوية التي تعتمد عليها الصين في امدادات الطاقة والتجارة.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م




الجمعة، 5 يونيو 2026

الانتشار اللبناني يحشد التأييد الدولي ويدعم بناء الدولة وإرساء السلام


كتب الياس كساب، مي الريحاني، فيليب سالم


5 حزيران 2026


في ظلِّّ التحوّلاتِّ الكبرى التي تشهدها المنطقة، يقفُ لبنانُ أمام فرصةٍ تاريخيّةٍ نادرةٍ لإعادةِّ بناءِّ الدولةِّ واستعادةِّ قرارِّها السياديّ، بعيداً من منطقِّ الحروبِّ بالوكالة والمحاورِّ الإقليميّة. فبعدَ عقودٍ طويلةٍ من تحوّلِّه إلى ساحةِّ نفوذٍ وصراع، يبدو أنّ المجتمعَ الدوليّ، وفي مقدّمهِّ الولاياتُ المتحدة، بدأ يتعاملُ مع لبنانَ باعتباره دولةً يجبُ إنقاذُها واستعادةُ استقلالِّ قرارِّها، لا مجرّدَ ورقةٍ مرتبطةٍ بالتوازناتِّ الإقليميّة. وتبدو المقاربةُ الأميركيّةُ اليوم مختلفةً عن الماضي.

فواشنطن، مدعومةً بتوجّهٍ دوليّ وعربيّ، باتت تنظرُ إلى لبنان كملفٍّ مستقلٍّ يجبُ فصلهُ عن المفاوضاتِّ الإيرانيّةِّ وعن نفوذِّ أيّ قوّةٍ إقليميّة، سواء كانت إيران أو غيرها. وهذه المرّة، لا يبدو الهدفُ إدارةَ النفوذِّ الخارجيّ في لبنان، بل المساعدةُ على إنهاءِّ هذا النفوذ، وإعادةُ تثبيتِّ مفهومِّ الدولةِّ اللبنانيّةِّ السيّدة القادرة على احتكارِّ قرارِّ الحربِّ والسلم.

في هذا السياق، يبرزُ الموقفُ الجريءُ للحكم في لبنان وسطَ كمٍّ هائلٍ من الضغوطِّ الداخليّةِّ والخارجيّة، من أجل إعادةَ تثبيتِّ منطقِّ الدولةِّ والمؤسّسات. فخطابه السياسيّ، القائمُ على دعمِّ الشرعيّة، وتعزيزِّ دورِّ الجيش، وحصرِّ السلاحِّ بيدِّ الدولة، واستعادة قراري الحرب والسلم، والسعيِّ إلى إعادةِّ لبنان إلى الحضنِّ العربيّ والدوليّ، يشكّلُ نقطةَ تحوّلٍ أساسيّةً بعد سنواتٍ طويلةٍ من التردّدِّ والخضوعِّ لمنطقِّ الأمرِّ الواقع. وها نحن اليوم ننتظر الدولة من العبور من صنع القرار الى تنفيذه. ويبرز هنا أيضا دورُ الانتشارِّ اللبنانيِّّ في العالم، الذي شكّلَ عبرَ التاريخِّ امتداداً حيويّا للبنان، وحافظَ على حضورهِّ السياسيّ والثقافيّ والاقتصاديّ في المحافلِّ الدوليّة. فالانتشار، ولا سيّما في الولاياتِّ المتحدة، يمتلكُ اليوم قدرةً متزايدةً على التأثيرِّ في الرأيِّ العامِّّ وصنعِّ القرار، من خلالِّ شخصيّاتٍ أكاديميّةٍ واقتصاديّةٍ وإعلاميّةٍ وسياسيّةٍ بارزة، إضافةً إلى تنامي دورِّ اللوبي اللبنانيّ – الأميركيّ في الدفاعِّ عن فكرةِّ لبنانَ السيّدِّ المستقلّ.

إنّ نجاحَ هذه المرحلةِّ يتطلّبُ التفافَ اللبنانيّين حولَ مشروعِّ الدولة، ودعمَ المؤسّساتِّ الشرعيّة، لأنّ الفرصةَ الحاليةَ قد تكونُ الأهمَّ منذ عقود. فلبنانُ لم يعد يحتملُ أن يبقى منصّةَ رسائلَ عسكريّةٍ بين طهران وواشنطن، أو ساحةَ مواجهةٍ تُستعملُ لتحسينِّ شروطِّ التفاوضِّ الإقليميّ. المطلوبُ اليوم تثبيتُ معادلةٍ جديدة: لبنانُ أوّلاً، والدولةُ اللبنانيّةُ فوقَ كلِّّ المحاور.

وفي قلبِّ هذا التحوّل، تبرزُ أهميّةُ عودةِّ "حزب الله" الى حضن لبنان والمساهمة في بناء الدولة، بعيداً من الارتهانِّ للمشاريعِّ الخارجيّة وبعيدا من تنفيذ اجندة الحرس الثوري التابع لإيران الثورة الاسلامية. فشيعةُ لبنان كانوا دائما جزءاً أصيلاً من الهويّةِّ الوطنيّةِّ اللبنانيّة، وشاركوا في صناعةِّ نهضتِّها الفكريّةِّ والسياسيّةِّ والثقافيّة. ومن جبلِّ عامل خرج العلماءُ والمفكّرون وروّادُ الانفتاحِّ والمعرفة، لا دعاةُ الحروبِّ المفتوحة.

إنّ أيَّ تسويةٍ جديّةٍ اليوم لا يمكنُ أن تقتصرَ على وقفِّ إطلاقِّ النار أو الترتيباتِّ الأمنيّةِّ المحدودة، بل يجبُ أن تؤسّسَ لسلامٍ دائمٍ واستقرارٍ حقيقيّ. وهذا السلامُ لا يمكنُ أن يقومَ إلا على الضمانات الآتية:

أولاً، الضمان الأميركيّ، باعتبارِّ أنّ الولاياتِّ المتحدةَ هي الجهةُ الدوليّةُ الوحيدةُ القادرةُ فعليّا على الضغطِّ لضمانِّ احترامِّ أيِّّ اتفاقٍ أو تسوية، ومنعِّ تكرارِّ الحروبِّ والاعتداءات، كما أنّها الجهةُ الأكثرُ قدرةً على توفيرِّ الدعمِّ السياسيِّّ والعسكريّ والاقتصاديِّّ اللازمِّ لقيامِّ دولةٍ لبنانيّةٍ قويّة. وقد يحتاج ذلك الى ابرام معاهدة دفاع مشتركة بين الولايات المتحدة ولبنان.

ثانيا: ان نزع سلاح "حزب الله" لا يمكن تحقيقه بالقوة وحدها. فهذا يحتاج الى قرار سياسي تتخذه إيران. ومن هذا المنطلق فالانتشار اللبناني يطلب من الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن الإصرار على المفاوض الأميركي لإدراج بند في الاتفاق الأميركي - الإيراني، تتعهد فيه إيران بوقف تدفق المال والسلاح الى "حزب الله" وكل الاذرع العسكرية التي زرعتها في العالم العربي. 

ثالثاً، التطبيقُ الكاملُ للقراراتِّ الدوليّةِّ ذاتِّ الصلة، وفي مقدّمها القرار 1701 ، بما يضمنُ بسطَ سلطةِّ الدولةِّ اللبنانيّةِّ على كاملِّ أراضيها، وضبطَ الحدود، ومنعَ وجودِّ أيِّّ سلاحٍ خارجَ إطارِّ الشرعيّة، وترسيخَ مبدأِّ حصريةِّ قرارِّ الحربِّ والسلم بيدِّ الدولةِّ وحدها.

ومع الحديثِّ المتزايدِّ عن انتهاءِّ دورِّ القوة الدوليّةِّ بصيغتِّها الحاليّة، تبرزُ الحاجةُ إلى مقاربةٍ جديدةٍ أكثرَ فعاليّة. فالمطلوبُ ليس مجرّدَ مراقبةٍ هشّةٍ لوقفِّ النار، بل إنشاءُ قوّةٍ دوليّةٍ متعدّدةِّ الجنسيّة، تعملُ بتفويضٍ واضحٍ من الأممِّ المتحدة، وتساندُ الجيشَ اللبنانيَّ في تنفيذِّ مهمّاتِّه السياديّة، وعلى رأسها بسطُ سلطةِّ الدولة، وحمايةُ الحدود، وضبطها. غير أنّ نجاحَ أيِّّ قوّةٍ دوليّةٍ يبقى مرتبطا بإعادةِّ بناءِّ الجيشِّ اللبنانيّ نفسه. فالجيشُ يحتاجُ إلى تسليحٍ حديث، وتدريبٍ متقدّم، وزيادةٍ كبيرةٍ في عديدِّه وإمكاناتِّه اللوجستيّة، ليصبحَ قادراً فعلاً على تولّي مسؤوليّاتِّ الأمنِّ الوطنيّ كاملةً. فالدولةُ لا تُبنى بالشعارات، بل بمؤسساتٍ قويّةٍ تمتلكُ القرارَ والقدرةَ على تنفيذ القرار معا.

لقد تعبَ اللبنانيّون من الحروبِّ والانقساماتِّ والانهيارات، وهم اليوم أمام لحظةٍ مفصليّة: إمّا العودةُ إلى منطقِّ الدولةِّ والسيادةِّ والسلام، وإمّا البقاءُ أسرى لمشاريعِّ الخارجِّ وصراعاتِّه. وإذا نجحَ اللبنانيّون، ومعهم انتشارُهم الواسعُ في العالم، في التقاطِّ هذه الفرصةِّ التاريخيّة، فقد يكونُ ذلك بدايةَ ولادةِّ لبنان جديد، يستعيدُ سيادتَه، ويعودُ مساحةً للحياةِّ والتعدديّةِّ الحضارية والانفتاح، فيستعيد دوره وطن الرسالة، بدلَ أن يبقى ساحةً لحروبِّ الآخرين .


بين أن نثبت للعالم أنّنا شعبٌ ميؤوسٌ منه، فنستحق الوصايات، أو أنّنا شعبٌ جديرٌ بالحياة، ويستحق السلام. انها ساعة الحقيقة. وأكثر ما يحتاج لبنان في هذه الساعة، القادة.

الأربعاء، 3 يونيو 2026

الذكاء الاصطناعي يقود اقتصادات شمال شرق آسيا


 بقلم: د. عبدالله المدني*

في تايوان واليابان وكوريا الجنوبية تحولات اقتصادية كبرى بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي عالميا، وحماس المستثمرين حول العالم للإستثمار في هذا المجال الواعد (إنفيديا الأمريكية قررت إستثمار 150 مليار دولار سنويا في تايوان مثلا)، وهيمنة شركات هذه الدول الناهضة على كبريات شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية مثل تي إس إم سي (TSMC) التايوانية، وسامسونغ الكورية، ورابيدوس وكوكيا اليابانيتين.

ففي تايوان إرتفعت أسهم شركة (TSMC) هذا العام بنسبة 42% من المؤشر القياسي للبلاد الذي إرتفعت قيمته السوقية اليوم إلى نحو خمسة تريليون دولار أمريكي، وهذا يعني ان موقع تايوان في الصدارة، وأن ازدهارها لا يمكن ايقافه طالما استمر زخم الطلب على الذكاء الإصطناعي، بدليل أن أرقام الصادرات تؤكد ذلك، حيث ارتفع اجمالي الصادرات هذا العام بنسبة بلغت 47.8% عن العام الماضي. ومن ضمنها نمو بنسبة 40.5% في تصدير الرقائق الإلكترونية، ونمو بنسبة 84% في تصدير الآلات والمعدات الكهربائية.

وبعبارة أخرى يمكن القول أن تايوان، الصغيرة مساحة وسكانا، صارت واحدة من أبرز الدول المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، وأصبح نموها وثروتها مرتبطان ارتباطا وثيقة بالطلب العالمي على الرقائق وأجهزة الذكاء الاصطناعي، وهذا بدوره حوّل هذه السلعة إلى قلب نابض لإقتصاد تايوان التي باتت تجني قيمة مضافة في كل مرة يُحسّن فيها العالم قدراته الحاسوبية والرقمية.  إذ حقق إقتصاد تايوان نموا هائلا بنسبة 13.7% في الربع الأول من العام الجاري، وهو أسرع معدل نمو له منذ عام 1987.

وفي كوريا الجنوبية، نجد ديناميكية مماثلة ونموا اقتصاديا مشهودا بدليل ارتفاع مؤشر كوسبي هذا العام ارتفاعا ملحوظا بلغت نسبته 90%، بفضل عملاقي صناعة الرقائق الإلكترونية: شركتا إس كيه هاينكس (SK HYNIX) وسامسونغ إليكترونيكس اللتان حققتا قفزة بنسبة 215% و 149% على التوالي. ومما لاشك فيه أن هذا التطور يمنح رئيس البلاد "لي جاي ميونغ" فرصة طال انتظارها لإنقاذ البلاد من حالة الركود وتنفيذ تعهداته بسياسة مالية توسعية جريئة لدعم الأسر والشركات. ويمكن القول أن أكبر المستفيدين من هذا التطور هو "صندوق المعاشات التقاعدية الوطني".  والمعروف أن أصول هذا الصندوق ارتفع من 805 مليار دولار في عام 2024 إلى 970 مليار دولار في العام الماضي، ووصل اليوم إلى نحو 1.2 تريليون دولار.

أما اليابان، ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، فقد شهدت هي الآخر انتعاشا ملحوظا بسبب استفادة المصارف وشركات الإليكترونيات ومنتجي الآلات من زخم سوق الذكاء الإصطناعي، بدليل ارتفاع مؤشر نيكاي 225 (المؤشر الرئيسي والأكثر شهرة لسوق الأسهم اليابانية) إلى مستويات قياسية تجاوزت 67000 نقطة. وبعض الفضل في هذا الانتعاش الاقتصادي يُعزى إلى رواج استراتيجية يولو (YOLO) الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقها جيل الشباب، ومحورها إنفاق الدخل على السفر والتمتع بالحياة واكتساب التجارب، ورفض العمل الإضافي المرهق، وتحقيق توازن أفضل بين الحياة والعمل، بدلا من الإدخار والاستثمار في العقارات الذي كان يميز الثقافة اليابانية. ويرى بعض المراقبين أن عدم تأثر سوق الذكاء الاصطناعي في اليابان كثيرا بتداعيات الحرب الإيرانية هو ثمرة سنوات من إصلاحات حوكمة الشركات وتحسين القدرة التنافسية وسياسات التوازن المثالية القائمة على تضخم معتدل وخروج سلس من سياسة أسعار الفائدة السلبية من قبل بنك اليابان المركزي.

يبقى أن نشير، إلى أن بعض المراقبين المتشائمين حذر من مشكلة التفاؤل المفرط، قائلا ما مفاده أن أي سوق لا يرتفع إلى الأبد، ومآله الهبوط، وأن هذا قد ينطبق على سوق الذكاء الإصطناعي المنتعش حاليا. ولإثبات صحة نظريته، أشار هذا البعض إلى ما حدث في أعقاب طفرة الراديو في العشرينات، وجنون الإنترنت في سبعينات القرن العشرين من انهيارات ووصول أسواق الإسهم إلى حافة الهاوية.

ونختتم حديثنا بالقول أن على تايوان واليابان وكوريا الجنوبية أن تستفيد من الزخم الناجم عن نمو الطلب على الذكاء الإصطناعي لجهة تنويع محركات النمو الاقتصادي بعيدا عن الصادرات نحو الطلب المحلي، وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، تنشيط إصلاحاتها وإعادة هيكلة نماذجها الاقتصادية، وذلك تفاديا لأي خلل في سلاسل التوريد العالمية جراء أحداث سياسية فجائية مثل الحروب وتعطيل حركة الملاحة الدولية من جهة، وبالنتجة تفاديا لأي تباطؤا في قطاع الذكاء الإصطناعي قد تنهار معه التقييمات الحالية فيتسابق جراءه المستثمرون إلى بيع أسهمهم للعودة إلى الأوضاع الاقتصادية السابقة من جهة أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م


الأربعاء، 20 مايو 2026

مودي يعزز قبضته على الهند بالفوز بولاية البنغال


بقلم: د. عبدالله المدني

جرت مؤخرا انتخابات تشريعية محلية في خمس ولايات هندية، تمخض عنها فوز ساحق وغير مسبوق لرئيس الوزراء الحالي "ناريندرا مودي" وحزبه الهندوسي القومي الحاكم (بهاراتيا جاناتا)، ولاسيما في ولاية البنغال الغربية ذات المائة مليون نسمة، والتي ظلت طويلا عصية عليه وفي عهدة المعارضة ممثلة في حزب ترينامول الإقليمي بقيادة السياسية العجوز "ماماتا بنيرجي" منذ عام 2011. إذ تم الإعلان في الرابع من مايو الجاري عن فوز "بهاراتيا جاناتا" بـ 206 مقاعد من أصل 294 في المجلس التشريعي للولاية، مسجلا أول نصر انتخابي له على الإطلاق في ولاية البنغال الغربية، ومسيطرا لأول مرة على معاقل المعارضة في شرق البلاد.

في الوقت نفسه، احتفظ حزب مودي بسيطرته على ولاية آسام الشمالية الشرقية للمرة الثالثة على التوالي، وكذا على إقليم بودوتشيري الساحلي الصغير. وأما في ولاية "تاميل نادو" في أقصى جنوب الهند، فقد تمكن حزبها الاقليمي الجديد (تاميلغا ويتريك كالاغام) بقيادة الممثل السابق جوزيف فيجاي من الفوز، بينما حل بهاراتيا جاناتا ثانيا في الترتيب. وفي ولاية كيرالا الجنوبية تمكن حزب المؤتمر الهندي بقيادة راهول غاندي من ازاحة الحزب الشيوعي الحاكم والحلول مكانه، ليخسر شيوعيو وماركسيو الهند آخر معاقلهم.

بهذه النتائج يكون مودي و(حزبه) قد نجح في الإمساك بوسط الهند وشرقها وغربها وشمالها وبعض جنوبها، وبالتالي نجح في تعزيز قبضته على عموم الهند، وهو ما يقوي موقفه في الانتخابات العامة المقررة سنة 2029، ويثبت أنه لا يزال زعيما قويا دون منافس بعد ثلاث فترات انتخابية متتالية في السلطة منذ عام 2014. 

ولعل ما يزيد من سعادة مودي هو أن فوز حزبه في الانتخابات المحلية الأخيرة قد تحقق على الرغم من سلسلة إجراءات صعبه وغير شعبية اتخذتها حكومته لمواجهة الضغوطات والتحديات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأمريكية ــ الإيرانية في الخليج في ظل اعتماد الهند على امدادات الطاقة من دول الشرق الأوسط، حيث تسبب انقطاع واردات الطاقة عبر مضيق هرمز إلى نقص في غاز الطهي وارتفاع أسعار البنزين وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض تحويلات العمالة الهندية في دول الخليج، ناهيك عن حدوث انخفاض قياسي في سعر الروبية الهندية.

اعتبر مودي فوز حزبه بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي لولاية البنغال الغربية، نصرا سيظل عالقا في الأذهان إلى الأبد، ووصفه بانتصار "قوة الشعب وسياسة حزب بهاراتيا جاناتا القائمة على الحكم الرشيد" طبقا لتدوينته على وسائل التواصل الإجتماعي، كيف لا وقد انتصر في ولاية أكثر من ربع سكانها من الأقلية المسلمة التي يقال أن مودي يعاديها ويهضم حقوقها. لكن زعيمة حزب ترينامول الخاسرــ ومثلما يفعل الخاسرون في أي انتخابات ــ راحت تزعم بعصبية حدوث خروقات وتعديات وتواطيء من جانب مفوضية الانتخابات، متوعدة بهاراتيا جاناتا بالانتقام في الانتخابات القادمة، علما بأنها خسرت حتى مقعدها الانتخابي في دائرة "بهابانيبور" بفارق 15 ألف صوت لصالح مرشح من بهاراتيا جاناتا. ويعكس تشكيك بنيرجي بنزاهة الانتخابات، في الواقع، حالة احتقان سياسي، واحباط حقيقي داخل صفوف المعارضة.

لكن كيف نجح مودي في تحقيق هذه الانتصارات، التي ستعزز حتما صورته كزعيم قادر على تحقيق اختراقات سياسية حتى في أصعب المناطق والظروف، بعد أن كانت المعارضة تتوقع خسارته، عطفا على فقدان بهاراتيا جاناتا الأغلبية في الانتخابات العامة السابقة التي جرت في يونيو 2024. يمكن اختصار الإجابة في عبارتين هما: "التنظيم الميداني الجيد" و"الروح القتالية لمرشحي بهاراتيا جاناتا".

إن ما حدث لن يعيد رسم موازين القوى السياسية داخليا لسنوات قادمة، وإنما هو أيضا مؤشر جديد على مدى تراجع قوى المعارضة التقليدية، ولاسيما حزب المؤتمر، أمام زخم التيار القومي الزعفراني. 

ونختتم بالإشارة إلى بعض الآراء التي برزت في اعقاب ظهور نتائج هذه الانتخابات. فبعض المراقبين رأي فيها دليلا إضافيا على إستقرار الهند سياسيا ومناعة ديمقراطيتها التعددية، وبالتالي تعزز فرص جذب الاستثمارات الاجنبية التي عادة ما تبحث عن الدول المستقرة سياسيا، بينما تحدث البعض الآخر عن احتمالات أن يؤدي تضاعف قوة بهاراتيا جاناتا وسيطرتها على المشهد السياسي إلى تغولها في قراراتها الداخلية والمضي بعيدا في سياساتها القومية الهندوسية، وبالتالي إثارة مخاوف اجتماعية وخلق توترات عرقية ودينية وثقافية. أما البعض الثالث فقد قال أن استقرار الهند تحت قيادة مودي سيعزز موقع الهند دوليا، لكنه يضع البلاد تحت مجهر المجتمع الدولي لجهة حقوق الاقليات التي ما برحت تشتكي من غياب العدالة بسبب سطوة الاغلبية الهندوسية.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: مايو 2026م