الخميس، 26 مارس 2026

الذكرى الـ-44 لارتقاء سلطان باشا الأطرش

 




الحركة التقدّميّة للتواصل – درب المعلّم

بيان صحفي

تحل اليوم الـ 26 آذار 2026 الذكرى الـ 44 لارتقاء عطوفة سلطان باشا الأطرش القائد العام للثورة العربيّة السوريّة الكبرى 1925 – 1927 ضد الاستعمار الفرنسيّ تحت الشعار "الدين لله والوطن للجميع".

الحركة التقدميّة تبيّن:

أوّلًا: تحمل الذكرى هذه السنة معنى أسمى وأعلى؛ عروبيّا قوميّا ووطنيّا، وذلك على خلفيّة المحاولات البائسة التي تقترفها أوساط من المتطاولين في جبل العرب على إرث وتراث هذه القامة، خدمة لأولياء نعمتهم من أعداء الأمّة وأزلامها.

ثانيًا: في وصيّة الأطرش جاء: "إخواني وأبنائي العرب... لقد أولتني هذه الأمّة، قيادة الثورة السوريّة الكبرى، ضد الاحتلال الفرنسيّ الغادر، فقمت بأمانة القيادة، وطلبت الشهادة وأديت الأمانة... انطلقت الثورة من الجبل الأشم، جبل العرب... وشعارها: الدّين لله والوطن للجميع... لتكن وحدتكم الوطنيّة، وقوّة إيمانكم، وتراصّ صفوفكم، هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء، وطرد الغاصبين، وتحرير الأرض... واعلموا بأن ما أُخِذ بالسيف، بالسّيف يؤخذ... وأنّ كأس الحنظل بالعزّ، أشهى من ماء الحياة مع الذّل." 

ثالثًا: هذا الإرث، الذي كان عُمّد بدمّ آلاف المناضلين من السوريّين، أكبر وأعلى من أن تطاله كلّ الأصوات النشاز الصادرة من بعض أوساط سوريّة أيّا كان أصحابها، وأيّا كانت المراكز التي يتبوّؤون مصادفة، وأيّا كان أولياء نعمتهم من أعداء هذا الإرث.

رابعًا: الحركة وفي هذه المناسبة تحيّي وتشدّ على أيادي الأحرار العرب الدروز السوريّين وبقيّة الأحرار من السوريّين، الذين سيحيون هذه الذكرى بمسيرة انطلاقًا من قلعة دمشق - نصب صلاح الدين الأيّوبي، وبمهرجان في بلدة الصورة الصغرى في الجبل.

خامسًا: عاشت الذكرى.. والمجد والخلود لصاحبها وتراثه.

 عماد دغش – سكرتير 4030870-050

فوّاز سويد، فوّاز حسين (عامر)، سامي مهنّا، صلاح حلبي، خير الدين عبد الله، يامن زيدان، عماد سرحان، نفّاع نفّاع، عماد فرّو، وضّاح القاسم، وسعيد نفّاع.       


   


الأربعاء، 25 مارس 2026

الصين الصامتة تراقب وتتعلم من حرب الخليج الثالثة


 

بقلم: د. عبد الله المدني*

اعتادت الصين في العقود الأخيرة أن تتبع سياسة براغماتية غامضة حيال الأزمات الدولية التي ليست طرفا فيها. وهاهي تطبق تلك السياسة حرفيا في الحرب المشتعلة في منطقة الخليج منذ 28 فبراير الفائت بين واشنطن وطهران. حيث بقيت صامتة تراقب تطوراتها دون تدخل، عدا بعض البيانات الإنشائية المعروفة التي نددت فيها بالإدارة الأمريكية، ودعت من خلالها إلى العودة إلى المسار الدبلوماسي لحل الخلافات.

حدث هذا على الرغم من أن استمرار الحرب في الخليج يضر بمصالحها الاقتصادية والتجارية وتدفق واردات النفط الرخيص الذي اعتادت شراءه من الإيرانيين، مقابل تزويدها ببضائع وسلع صينية المنشأ، بغية الإلتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على النظام الإيراني، خصوصا إذا ما تمّ اغلاق مضيق هرمز (اشترت الصين أكثر من 80% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية، أي ما يعادل 13% من إجمالي وارداتها من النفط)، هذا علما بأن إغلاق مضيق هرمز لن يؤدي فقط إلى زعزعة استقرار أسواق الطاقة فقط، وإنما يؤثر على تجارة الصين مع دول الشرق الأوسط بصفة عامة.

ويبدو أن القيادة الصينية، بحسب العديد من المراقبين والمحللين، مستعدة لتحمل تبعات خسائرها التجارية والاقتصادية الآنية، طالما أن استمرار الحرب يشغل الولايات المتحدة الأمريكية عنها وعن محيطها الاستراتيجي في الشرق الأقصى، ويستنزفها عسكريا.

ومن جهة أخرى، تبدو بكين حريصة على مراقبة ما يجري في ساحة النزال الأمريكي الإيراني، لتتعلم أسلوب الأمريكيين لجهة إدارة حروبهم ولتتعرف على امكانياتهم القتالية واللوجستية وخططهم العسكرية جوا وبحرا. فمثل هذه الأمور مهمة جدا للصين في حال نشوب صدام مسلح مستقبلا بينها وبين الولايات المتحدة حول تايوان التي يهدد الأمريكيون بالتدخل لصالحها، إنْ قامت بكين بغزوها واستعادتها بالقوة. وفي هذا السياق لوحظ متابعتها الدقيقة لنجاح الأمريكيين في تدمير الجل الأعظم من سلاح البحرية الإيرانية بسرعة قياسية وفي غضون فترة زمنية قليلة، وذلك من منطلق أن سلاح البحرية سوف يلعب دورا هاما في أي حرب صينية أمريكية في مضيق تايوان. 

علاوة على ذلك تابعت بكين باهتمام بالغ العملية البحرية الأمريكية ضد الفرقاطة الإيرانية "آيريس دينا" (البالغ وزنها 1500 طن)، التي تمّ إغراقها في المحيط الهندي بالقرب من سواحل سريلانكا بواسطة غواصة هجومية نووية أمريكية، في حدث هو الأول من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية. ولعل بكين خرجت مما جرى للفرقاطة الإيرانية بحقيقة مفادها وجود نقاط ضعف في خطوط إمدادات الطاقة الصينية في الشرق الأوسط، ولاسيما الخطوط المارة في مياه المحيط الهندي ذي الاهمية الاستراتيجية القصوى لها. فإذا ما علمنا أن نحو 92% من حاجة الصين من النفط تنقل بحرا عبر المحيط الهندي، وينقل الباقي عبر خطوط أنانبيب من روسيا وكازاخستان وميانمار، وإذا ما علمنا أن للولايات المتحدة قاعدة عسكرية ضخمة في مياه المحيط الهندي (دييغو غارسيا)، وأن البحريتين الهندية والأسترالية نشطتان في تلك المياه، فإن الصين لا بد وأن تقلق من احتمالات اعتراض شحناتها النفطية في أوقات الأزمات. 

ومن ناحية ثالثة، يمكن القول أن بكين تابعت أيضا باهتمام مدى فاعلية الصواريخ البالستية والمسيرات التي استخدمها النظام الإيراني ضد إسرائيل وبلدان الخليج العربي، خصوصا وأن هذه الأسلحة قامت طهران بتطويرها اعتمادا على تكنولوجيات صينية وكورية شمالية بنسب متفاوتة، وفق اتفاقيات عقدت خلال السنوات القليلة الماضية. فمثلا طورت إيران العديد من الصواريخ (مثل سلسلة سي 704 وسي 802) بناء على تصميمات صينية، وحصلت من الصين، التي لا تبيع صواريخ كاملة تجنبا للعقوبات، على الكثير من المعدات الدقيقة والتقنيات الإلكترونية ذات الإستخدام المزدوج، علاوة على نحو 2000 طن من مادة بيركلورات الصوديوم، واستخدمتها في تصنيع صواريخها. 

وطبقا لتقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط اللندنية في أكتوبر 2025، فإن إيران اشترت شحنات بيركلورات الصوديوم من موردين صينيين واستلمتها في ميناء بندر عباس على الخليج، ثم نقلتها إلى مواقع على مشارف العاصمة طهران. والمعروف أن هذه العنصر هو المادة الأساسية في انتاج الصواريخ ذات الوقود الصلب، علما بأن الصواريخ ذات الوقود الصلب أسرع من تلك التي تستخدم الوقود السائل. 

نخالة القول أن حرب الخليج الثالثة هي خليط من المكاسب والخسائر للصين في آن. وبعبارة أخرى؛ خسائر اقتصادية وتجارية ونفطية مقابل دروس استراتيجية.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: مارس 2026م


الاثنين، 23 مارس 2026

وزير الحرب الاميركي بيت هيغسيث يروج لعبادة الموت العدمية


 الكاتب يان فيرنر مولر

من الغارديان الأسترالية الاثنين ٢٣ مارس ٢٠٢٦

ترجمة عباس علي مراد

إدارة ترامب تتبنى العنف لمجرد العنف

يبدو أن اختيار أعضاء حكومة ترامب لا يتم على الرغم من تأييدهم للعنف، بل بسبب أنهم عنيفون. 

عُرف بيت هيغسيث في المقام الأول كمذيع تلفزيوني أنيق مستعد للدفاع عن جرائم الحرب. ويبدو أن ماركواين مولين لا يزال فخورًا بتحديه شاهدًا على شجار بالأيدي في جلسة استماع بمجلس الشيوخ؛ كما أنه يرفض الاعتذار عن "تفهمه" للاعتداء على زميله السيناتور راند بول.

 لم يسبق لإدارة أن مجّدت القتل الصريح بهذا الشكل العلني كما تفعل آلة الدعاية الحالية للبيت الأبيض بمقاطع الفيديو البشعة التي توثق حرب إيران وتدمير القوارب الصغيرة.

على عكس الفاشية في القرن العشرين، لا توجد محاولة لتشجيع التضحية بالنفس أو مكافأتها رمزياً، بل مجرد قتل عن بُعد على غرار ألعاب الفيديو، لا يُبرر بأهداف استراتيجية، بل بمشاعر تبدو جامحة ("غضب" وعطش للانتقام). 

كل ذلك مصحوب باعترافات صريحة بانتهاك قوانين الحرب الأساسية. فالجنود الحقيقيون ذوو الأعراف الراسخة، على عكس عالم الخيال الذي يخلقه هيغسيث بخطاباته المبتذلة على التلفزيون، لن يضربوا أعداءهم وهم ساقطون على الأرض.

لم يُخفِ ترامب قط رغبته في الهيمنة واستعداده لحث أتباعه على الانخراط في العنف، بدءاً من دعوته إلى ضرب الناس في تجمعاته، وصولاً إلى العفو حتى عن أكثر متمردي السادس من يناير عام  2021 وحشية الذين هاجموا مبنى الكابيتول الأمريكي في واشنطن .

خلال ولايته الأولى، كبح "محور العقلاء" في الغالب أسوأ نزعاته. لكن بعد "العملية الخاطفة" في فنزويلا، وإدراك إمكانية قتل الناس على متن قوارب صغيرة دون عقاب، يبدو أن هيغسيث، وربما حتى روبيو، قد انخدعا بفكرة أن العمليات العسكرية الخاصة يمكن أن تكون سريعة وغير مكلفة في أرواح الأمريكيين، وأنها تُشكّل مادةً دسمةً للتلفزيون.

 


إن هوس ترامب بالصور فإظهار كومة من الأوراق على التلفزيون يعني أنه قد تخلّى فعلاً عن استثماراته في الشركات، أو أنه يمتلك بالفعل خطة رعاية صحية ممتازة  أصبح الآن سمةً مشتركةً في إدارته.

يبدو أن ترامب نفسه يتعامل مع حملة اغتيالات عالمية كما لو كانت نسخةً من برنامج "المتدرب" تتضمن إطلاق ذخيرة حية كما لو أنه يملك الحق في إزاحة القادة الآخرين، كما لو أنه من حقه اختيار خلفاء من يُختطف أو يُقتل.

تاريخياً، هناك أيديولوجية جعلت تمجيد العنف محوراً أساسياً لدعايتها. "يحيا الموت" كان شعاراً فاشياً. بدأت حركة موسوليني بالاحتفاء بالمحاربين القدامى، مُشيدةً بهم كطبقةٍ نبيلةٍ من الرجال الذين صقلتهم معارك الخنادق. كانت المدافن الضخمة لقتلى الحرب  التي احتوت بعضها على رفات ما يصل إلى 100 ألف جندي  تهدف إلى تشجيع التضحية في المستقبل؛ في المقابل، قدّم النازيون لشبابهم شعاراتٍ مثل "وُلدنا لنَموت من أجل ألمانيا".

يبدو أن هيغسيث ورفاقه يُروّجون أيضًا لعبادةٍ عدميةٍ للموت. لكنها تحتفي بالقتل بمجرد الضغط على زرٍ من على بُعد آلاف الأميال، وفي الوقت نفسه، يُهان قتلى أمريكا، إذ استغل ترامب عودتهم إلى الوطن لعرض شعاراته الداعمة لحركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" وجمع التبرعات من ضحايا الحرب.

وفي الوقت نفسه، وفاءً لرغبة سيده في الهيمنة والتدمير الشاملين، يُعلن هيغسيث عن جرائم حربٍ مستقبليةٍ على الهواء مباشرةً ("لا هوادة") ويُشجع على القسوة المجانية: "سنُهاجمهم وهم في أضعف حالاتهم". إن التركيز المفرط على "الفتك" جزء من هذا التحول نحو فهم الحرب على أنها إلحاق أقصى قدر من الدمار والألم (بدلاً من تحقيق الأهداف الاستراتيجية  التي عجزت الإدارة تمامًا عن توضيحها).

تتلاشى حقيقة الحرب نفسها لأن وسائل الإعلام تمتلئ بسلسلة لا تنتهي من الصور المسلية والخطابات الجوفاء. يبدو أن هيغسيث، المولع باللغة المبالغ فيها بشكل مثير للسخرية، وخاصة الجناس ("محاربون، لا دعاة")، عاجز عن التعبير عن أي شيء سوى العبارات المبتذلة ("إرادة لا تُقهر") أو مقتطفات من قومية مسيحية تتنافى مع التعديل الأول للدستور الذي يحظر أي دين رسمي للبلاد لا يمكن اعتبار صلاة المواطنين للجنود راكعين باسم يسوع معيارًا للوطنية.

ليس الهدف هو مساواة الرجلين، ولكن لا يسع المرء إلا أن يتذكر كيف وصفت حنة أرندت، في كتابها المثير للجدل للغاية عن محاكمة أيخمان، البيروقراطي النازي: شخص عاجز تمامًا عن التفكير، شخص ينتج بدلاً من ذلك سيلًا لا نهاية له من العبارات الجوفاء.

هل سيُسهم كل هذا في إضفاء الشرعية على حرب غير شرعية؟

 لقد خلق هيغسيث عالماً خيالياً داخل البنتاغون نفسه؛ فبدلاً من المؤتمرات الصحفية التي تُطرح فيها أسئلة هادفة ويجاب عليها بصدق، يدور حوارٌ وديّ بين "وزير الحرب"  وهو اسمٌ وهمي، إذ لم يُصرّح الكونغرس بتغيير اسم الوزارة  وشخصيات من صحيفة إيبوك تايمز وقناة ليندل تي في (العالم من وجهة نظر "صاحب وسادتي")

مع كل هذا البعد عن الواقع، أصرّ هيغسيث على أن الصحافة لم تكن إيجابية بما فيه الكفاية تجاه الهجمات الأمريكية على إيران. وكما هو الحال مع العديد من رجال حركة ماغا الذين يؤدون حركاتٍ صبيانية لجذب انتباه الجمهور، يبدو أن غرورهم الهشّ عاجزٌ عن مواجهة حقيقة ما تمّ إطلاقه بتهوّر.


يان فيرنر مولر، كاتب عمود في صحيفة الغارديان الأمريكية

عنوان النص بالانكليزية

 Pete Hegseth is promoting a nihilist cult of death

 

الخميس، 19 مارس 2026

عملية ترامب"الغضب الملحمي" طموحة، لكنها في الواقع أقرب إلى الفشل الذريع


ميلاني لابروي

18 مارس/آذار 2026


ترجمة عباس علي مراد 

من سدني مورننغ هيرالد الأسترالية

بدأت أحدث جولة من الفوضى العالمية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب بتسمية حربه في الشرق الأوسط. فبدلاً من اختيار الاسم الواضح: "حرب دونالد جيه ترامب لأسباب كثيرة يصعب حصرها، لكنها منطقية وقانونية، اختار ترامب بنفسه "عملية الغضب الملحمي" من قائمة خيارات، وبذلك ارتكب خطأه الأول.


كلمة "ملحمي" بطبيعتها تعني نطاقاً واسعاً. وعملية "الغضب الملحمي"، التي بدأت كهجوم إسرائيلي أمريكي على إيران، ترقى إلى مستوى اسمها، إذ امتدت لتشمل لبنان ومعظم دول الشرق الأوسط، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والغذاء عالمياً.


 لم تعد تداعيات عملية "الغضب الملحمي" تقتصر على القتلى والجرحى والنازحين في مواقع العمليات العسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل الصيادين التايلانديين ومصدري المنتجات الزراعية الكينيين، الذين باتت سبل عيشهم مهددة بانقطاع إمدادات الوقود.


أُغلقت المدارس الحكومية في باكستان في محاولة لمواجهة نقص الوقود، وقد يُفرض نظام تقنين الوقود في أستراليا. تواجه ملايين العائلات الفلبينية والهندية والبنغلاديشية والسريلانكية والأوغندية والنيجيرية خطر الإفلاس، لاعتمادها على التحويلات المالية التي يرسلها أفراد عائلاتهم العاملون في دول الخليج. ويبدو أن جزيرة إبستين هي الموقع الجغرافي الوحيد الذي لن يتأثر سلبًا بعملية "الغضب الملحمي". 


تشير هذه التداعيات العالمية إلى أن عملية "الغضب الملحمي" قد أفسحت المجال لجزئها الثاني: عملية " السقوط الملحمي." وكما هو متوقع في الجزء الثاني، تتصاعد المخاطر. الآن، أصبح حلف الناتو هدفًا للهجوم، بعد أن رُفض طلب ترامب للمساعدة العسكرية الدولية لتأمين مرور السفن عبر مضيق هرمز رفضًا قاطعًا.


شعر الرئيس، المعروف بنشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي، بألم شديد إزاء تكتل الدول ضده، تلك الدول التي كان يظنها حلفاءه، إن لم تكن أصدقاءه. يوم الأربعاء، نشر قائلًا: "لم نعد بحاجة، أو نرغب، في مساعدة دول الناتو، لم نكن بحاجة إليها أبدًا! وكذلك اليابان، وأستراليا، وكوريا الجنوبية."! في الواقع، بصفتي رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، أقوى دولة في العالم بلا منازع، لا نحتاج إلى مساعدة أحد.


وبغض النظر عن كون هذا المنشور بمثابة صرخة طلب للمساعدة النفسية، فإنه يثير التساؤل: إذا لم تكن بحاجة إلى مساعدة أحد، فلماذا طلبت المساعدة من العالم أجمع قبل أيام قليلة؟


 يكمن حل هذه المفارقة، بالطبع، في أنه على الرغم من حب أنصار ترامب لشعار "أمريكا أولاً" ونزعة الانعزالية لدى جناح معين من حركتهم، إلا أن الولايات المتحدة، بعد انخراطها مجدداً في مغامرات خارجية، تدرك أنها لا تستطيع الاعتماد على إسرائيل و"فريق أمريكا" وحدهما لإغلاق صندوق باندورا الذي فتحوه بتهور.


مع استنزاف مخزونها من الصواريخ، لم يتبق أمام إدارة ترامب سوى فترة وجيزة لتحقيق نصر شامل قبل مواجهة الناخبين في نوفمبر، والذين يشعرون بالفعل بالغضب إزاء الارتفاع الصاروخي لأسعار البنزين والتكلفة الباهظة للحرب مع إيران. 


لسوء حظ خطط البيت الأبيض للاحتفاظ بالسيطرة على الكونغرس، فإن العواقب غير المتوقعة لعملية "السقوط المدوي" تتوالى

في يوم السبت الماضي، أطلقت كوريا الشمالية عشرة صواريخ باليستية في بحر اليابان، وهو حادث تزامن مع أنباء نقل الولايات المتحدة بعض أنظمة الدفاع الصاروخي من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط. 


في حبكة فرعية أخرى من سلسلة "التداعيات الملحمية"، وبعد أن تعرض البنتاغون لانتقادات لاذعة بسبب ما بدا أنه استعداد كارثي وغير كافٍ لإغلاق مضيق هرمز المتوقع تمامًا، سعى إلى تهدئة أسواق الطاقة برفع العقوبات النفطية عن روسيا. سيوفر هذا لبوتين مكاسب اقتصادية هائلة ستؤثر بشكل مباشر على قدرته على مواصلة الحرب على أوكرانيا. 


ونظرًا لأن ترامب يبدو غاضبًا حقًا من رفض أوروبا الانصياع لـ"الغضب الملحمي"، فربما يتضمن اختباره المعرفي التالي نشاط "وصل او ربط النقاط"، والذي سيختبر قدرته على الربط بين دعم الولايات المتحدة المباشر لجارتها المعادية المسلحة نوويًا ورفض الاتحاد الأوروبي دعم عمله العسكري ضد إيران.


لطالما افترض ترامب أنه قادر على تغيير الواقع وفقًا لإرادته، وأنّ مجرد قوله سيُغيّره، مهما كانت الكذبة أو التهديد فظيعة. وظنّ أنه بالقوة العسكرية يستطيع إعادة تشكيل العالم بسرعة وفقًا لرغبته. لكنه نسي أن لقادة الدول الأخرى أيضًا إرادة ومصالح وطنية متضاربة، وأنهم يقنصون الفرص التي يخلقها عدم الاستقرار والفوضى.


ومع استمرار تدهور الأوضاع الجيوسياسية، يبدو حتميًا، كما تحوّلت عملية "الغضب الملحمي" إلى عملية "السقوط الملحمي"، أن عملية "الكارثة الملحمية" باتت وشيكة. فهذه هي المشكلة الأخرى للأجزاء المتتابعة: لا يبدو أنها تنتهي أبدًا.



ميلاني لابروي

 روائية وكاتبة سياسية 

عنوان المقال بالأنكليزية

Trump’s Epic Fury is grandiose, like he wanted. But it’s more of an epic fail


الثلاثاء، 17 مارس 2026

إيران تستخدم مضيق هرمز في إبتزاز العالم/ د. عبدالله المدني


للمضايق والممرات البحرية أهمية جيوسياسية وعسكرية وجغرافية كبرى بالنسبة للعالم، كونها شريان الحياة للإقتصاد العالمي بسبب مرور نحو 80 ــ 90% من التجارة الدولية عبر مياهها، وبالتالي فهي تلعب دورا حاسما في أمن الطاقة وسلاسل التوريد العالمية (في عام 2023 مثلا، مرت عبرها بضائع تفوق قيمتها الإجمالية 8 تريليونات دولار). إلى ذلك، تلعب المضايق دورا هاما في الحروب والمواجهات العسكرية، وورقة ضغط استراتيجية للدول المشاطئة. 

وعلى الرغم من وجود مضايق وممرات بحرية كثيرة في العالم شرقا وغربا مثل مضائق ملقا وتايوان والدردنيل، وباب المندب، إلا أن "مضيق هرمز" الرابط بين الخليج العربي وخليج عمان والمؤدي إلى مياه بحر العرب والمحيط الهندي استحوذ على الإهتمام الأكبر عالميا، وتحديدا منذ عام 1979، أي العام الذي تأسس فيه ما يعرف اليوم باسم "جمهورية إيران الإسلامية". 

ذلك أنه قبل هذا التاريخ كان مضيق هرمز معبرا مائيا يسوده السلام، وتمر به تجارة العالم دون مخاوف أو تهديدات أو استفزازات. وبعبارة أخرى بدأت المتاعب منذ أن تحولت إيران إلى نظام مارق مزعزع للأمن والإستقرار في منطقة الخليج والشرق الأوسط والعالم بأسره، من خلال الشعارات الجوفاء والأحلام الطوباوية وسياسات التوسع والهيمنة وعمليات الإرهاب وعسكرة المياه والأجواء. وهكذا صار المضيق مذاك من أكثر الأسماء تداولا في وسائل الإعلام العربية والعالمية المختلفة، وفي مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية، وفي المنتديات الفكرية الدولية.

ويشهد التاريخ أن دول الخليج العربية المشاطئة أو المجاورة، لم تلجأ يوما للتلويح، دعك من التنفيذ، بإستخدام هذا الممر كورقة ضغط أو مساومة، على الرغم من كل الإعتداءات والمناوشات والتهديدات من قبل الطرف الإيراني، وذلك تمسكا منها بمباديء السلم والأمن العالميين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وإيمانا راسخا بحق دول العالم وشعوبها في الإستفادة من المضيق في النقل البحري الآمن للطاقة ومختلف السلع الأخرى تصديرا وتوريدا.

وإذا أردنا أن نستعرض بعضا من جرائم النظام الإيراني التوسعي، فيمكننا كتابة المجلدات في هذا الشأن، ولاسيما لجهة الإخلال بأحكام العبور الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والقواعد العرفية المنظمة للملاحة، وتحويل المضيق إلى بؤرة توتر دائمة، بل واتخاذه رهينة لتهديد مصالح العالم وابتزازه عبر التلويح بين فينة وأخرى بإغلاقه أمام الملاحة. 

فمن خروقاتها، توسعة مياهها الإقليمية من طرف واحد، ثم قيامها في ثمانينات القرن الماضي باصدار قانون بحري يفرض اشتراطات مثل الحصول على إذن لعبور السفن الحربية والغواصات والسفن النووية الأجنبية، ثم أعلانها بأن حق عبور المضيق يشمل فقط الدول الأطراف. وإبان الحرب الإيرانية العراقية تسبب النظام الإيراني في تحويل المضيق إلى مسرح لما عرف بحرب الناقلات من خلال تهديدها بإغلاق المضيق أمام الملاحة البحرية، ما استدعى تدخلا أمريكيا لإبقاء هذا الممر الحيوي مفتوحا. هذا التدخل الذي تكرر حينما قامت البحرية الإيرانية سنة 1988 بزرع ألغام في مياه المضيق الدولية، مع إرسال مقاتلاتها للتحليق فوق المنطقة مما تسبب في إصابة سفينة حربية أمريكية بأضرار، وإسقاط الأمريكيين لطائرة ايرانية مدنية خطأ بعد أن اشتبهوا في أنها طائرة مقاتلة. 

وبسبب أجواء التوتر التي خلقها النظام الإيراني في المنطقة، حدث في عام 2007 إصطدام بين غواصة نووية أمريكية وناقلة نفط يابانية عملاقة، لكن دون إصابات أو تسرب نفطي. وتكرر مثل هذه الحادثة، وللأسباب ذاتها في عام 2009 حينما اصطدمت غواصة أمريكية بسفينة إنزال برمائية، الأمر الذي نجم عنه إصابات بشرية وتسرب وقود الديزل في مياه الخليج.

وفي يوليو سنة 2008 هدد أحد مساعدي المرشد الأعلى الإيراني بأن ناقلات الشحن الأمريكية في الخليج ستكون أول أهداف "قوات الحرس الثوري"، وسيتم حرقها. وفي عام 2015 إعتدت البحرية الإيرانية على إحدى سفن الحاويات، بعد أن رفض قبطانها في باديء الأمر أوامر بالتحرك إلى داخل المياه الإقليمية الإيرانية لإحتجازها وابتزاز ملاحيها،

وفي الفترة التالية لإنسحاب الولايات المتحدة من الإتغاق النووي مع إيران، وقيام واشنطن بتشديد العقوبات ضدها، تكررت التهديدات الايرانية بإغلاق مضيق هرمز أكثر مرة، واقترنت في عام 2018 بتجارب لصواريخ بالستية فوق المضيق باتجاه منطقة اختبار في صحراء إيران، ناهيك عن اقترانها بتصاريح عنترية مثل قول قائد الجيش الجنرال محمد باقري: "إذا لم يعبر نفطنا مضيق هرمز، فلن يعبر نفط الآخرون".

والملفت أنه مذاك راحت إيران تكرر احتجاز السفن التجارية وتهددها بالقصف، وتهاجم ناقلات النفط الأسيوية المتجهة من وإلى اقطار الخليج العربية بحجة ارتكابها مخالفات بيئية. وبطبيعة الحال استدعت هذه الأعمال الإجرامية الطائشة تكثيف التواجد العسكري الإمريكي والأوروبي في مياه المضيق لتأمينها ضد القرصنة والاستفزازات الايرانية.

وهكذا استمرت الأحوال مضطربة في هرمز، بسب عنجهية النظام الإيراني أولا وأخيرا، وصولا إلى ما يشهده المضيق اليوم من أجواء قاتمة، خصوصا بعد تأكيد الحرس الثوري رسميا أن المضيق مغلق، وأن أي سفينة تحاول دخوله سيتم إشعال النار فيها.

ونختتم بالإشارة إلى أن مغامرات إيران وحماقاتها في مضيق هرمز، أدت إلى قيام كل من السعودية والإمارات إلى تحصين نفسيهما ضد احتمالات إغلاق المضيق وتوقف إمداداتهما النفطية إلى العالم، فأنفقتا بلايين الدولارات على مشاريع تغنيهما عن استخدام مضيق هرمز، مثل خط أنابيب النفط من شرق السعودية إلى غربها، وخط أنابيب نفط حبشان الفجيرة الإماراتي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

التاريخ: مارس 2026م


الاثنين، 16 مارس 2026

المقامرة المحفوفة بالمخاطر التي تُهدد رئاسة ترامب


بروس وولبي

15 آذار 2026

من صحيفة سدني مورننغ هيرالد الأسترالية

ترجمة عباس علي مراد

يتوق الرئيس ترامب إلى ممارسة سلطة مطلقة. في الحرب مع إيران، يمتلك ترامب زمام الأمور بالكامل، لكنه خارج عن السيطرة.

إيران هي حرب ترامب المختارة، وهي أكثر بكثير من مجرد ضربة أخرى على أنشطتها النووية بعد تسعة أشهر فقط من "تدميرها"، وهي تُهدد رئاسته.

هذه الحرب تتجاوز بكثير هوس إيران النووي. الأهداف هي صواريخها الباليستية، وبحريتها، والجماعات "الإرهابية" التابعة لها في جميع أنحاء المنطقة، والبنية التحتية للحكم في إيران، وتغيير النظام.

وقد لخص باراك رافيد من موقع أكسيوس بوضوح كيفية تقييم نتيجة هذه الحرب.


سيكون النصر لإيران إذا بقيت صامدة بعد انتهاء العملية الإسرائيلية والأمريكية. إذا بقي النظام قائماً، فقد انتصرت إيران. 

"هذا كل ما في الأمر. لا يحتاجون لفعل أي شيء آخر سوى البقاء على قيد الحياة - وهذه هي ميزتهم لأنها حرب غير متكافئة."


"في الواقع، إذا بقي النظام قائماً، فإن إسرائيل والولايات المتحدة ستكونان الخاسرتين. لذا، لكي تنتصر الولايات المتحدة وإسرائيل، يجب أن يكون واضحاً أن النظام إما قد انهار أو أن من يتولى زمام الأمور مجرد دمية في يد الولايات المتحدة."

يصر ترامب على أنه انتصر. في الأسبوع الماضي، خلال تجمع انتخابي في كنتاكي، قال: "عملية الغضب الملحمي!!! هل هذا اسم رائع؟ حسناً، إنه اسم جيد فقط إذا انتصرت، وقد انتصرنا. دعوني أخبركم. لقد انتصرنا. كما تعلمون، لم يكن أحد يحب أن يعلن فوزه مبكراً. لقد انتصرنا."

ليس تماماً.

قال ترامب إنه يريد "استسلاماً غير مشروط". ويصر على أنه يجب عليه اختيار الزعيم الإيراني القادم. يقول ترامب عن المرشد الأعلى الجديد: "ابن خامنئي شخص تافه. يجب أن أشارك في التعيين، كما فعلت مع ديلسي رودريغيز في فنزويلا". يعتقد ترامب أنه قادر على فرض النموذج الفنزويلي على إيران، لكنه لم يجد أي حلفاء إيرانيين.


لا داعي للقلق. الحرب، كما قال ترامب، "مكتملة تقريبًا. نحن متقدمون جدًا على الجدول الزمني". الحرب "ستنتهي قريبًا". لكنها ليست حربًا، بل "مهمة قصيرة الأجل."


لكن هذه المهمة لا تنتهي إلا، كما يقول ترامب، "عندما أشعر بها ، أشعر بها في أعماقي."

لا مشاعر حتى الآن. يتناقض ادعاء ترامب بأن "المضائق في حالة ممتازة!" تناقضًا صارخًا مع ارتفاع أسعار البنزين يوميًا، وتوقف ناقلات النفط عن الحركة أو اشتعال النيران فيها في المضائق.

هاجم ترامب جزيرة خارك لكسر قبضة إيران على الممر المائي، لكن إيران لا تزال تحتجز المضائق رهينة، مما يعني أن الحرب ستستمر إلى أجل غير مسمى.

لطالما شكّل مضيق هرمز مشكلة. فأين البدائل؟

قد يكون أفضل مخرج لترامب هو قمته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في 31 مارس/آذار. هل يريد ترامب حقًا مواجهة شي في حرب مستمرة فشل فيها ترامب في هزيمة العدو؟

ما يُهدد رئاسة ترامب هو القوى التي أطلقها والتي أصبحت الآن خارجة عن السيطرة.

إنّ ادعاء ترامب بأنّ الولايات المتحدة قادرة على الخروج من هذه الحرب بسهولة ليس كلامًا يُقنع الناس. كتب على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: "أسعار النفط على المدى القصير، والتي ستنخفض بسرعة عند انتهاء التهديد النووي الإيراني، ثمن زهيد جدًا تدفعه الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، من أجل الأمن والسلام. لا يُفكّر بغير ذلك إلا الحمقى."

هؤلاء الحمقى يتحدثون إلى استطلاعات الرأي. فالتأييد للحرب مع إيران منخفض للغاية مقارنةً بالتأييد الذي حظي به الرؤساء السابقون في بداية حروبهم السابقة، بما في ذلك في الشرق الأوسط.

يُسيطر الحديث عن الركود التضخمي على وول ستريت. فالحرب تُؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع التضخم على المدى الطويل، وعدم قدرة الأجور على مواكبة هذا النمو. وهذا وحده كفيلٌ بتحديد نتيجة انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني (نوفمبر).

كما يشهد البيت الأبيض انقسامات داخلية. فقد ظل نائب الرئيس جيه دي فانس مُثقلاً بفكرة "الحروب الأبدية". والتزم فانس الصمت المُريب حيال هذه الحرب. لكن ترامب كشف الحقيقة. قال ترامب إن فانس "يختلف عني فلسفياً بعض الشيء"، مُضيفاً أن فانس "ربما أقل حماساً للتدخل" في إيران. ويقول مسؤول في البيت الأبيض إن فانس "يُعارض" الحرب فحسب.


لكن الرئيس المُتباهى يعتقد أنه يُقدم أداءً مُبهراً. قال لأحد الصحفيين: "آمل أن تكون مُعجباً. ما رأيك في هذا الأداء؟ أعني، فنزويلا واضحة. قد يكون هذا أفضل. ما رأيك في هذا الأداء؟"


تتصدع الأرض تحت أقدام ترامب أينما حلّ.


بروس وولبي زميل بارز في مركز دراسات الولايات المتحدة بجامعة سيدني.

عنوان النص الأصلي:

The high-stakes gamble unravelling the Trump presidency


الجمعة، 13 مارس 2026

الحرب في إيران فشلٌ أمريكي. ماذا نفعل الآن؟


روبرت رايش

الخميس ١٢ مارس ٢٠٢٦

ترجمة عباس علي مراد

من الغارديان أستراليا

أقوى دولة في العالم يقودها الآن رئيسٌ مارقٌ يرفض قيمها الراسخة.


مع دخولنا اليوم الثالث عشر من الحرب في إيران، حيث ينتشر الموت والدمار في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من المهم أن نتذكر أين يكمن الفشل الحقيقي.


حتى الآن، قُتل ما يقرب من ٢٠٠٠ شخص، من بينهم ١٧٥ تلميذًا إيرانيًا وسبعة عسكريين أمريكيين. وأُصيب ما لا يقل عن ١٤٠ عسكريًا أمريكيًا آخرين، بعضهم في حالة حرجة. ومن المؤكد أن الحصيلة النهائية من كلا الجانبين ستكون أعلى بكثير.


إن ارتفاع أسعار النفط والغاز في الولايات المتحدة يُلحق ضررًا بالغًا بالفقراء والطبقة العاملة أكثر من الأغنياء.


إننا ننفق موارد هائلة على هذه الحرب - حتى الآن، ما يقارب مليار دولار يوميًا، أو 41,666,667 دولارًا في الساعة، أو 11,574 دولارًا في الثانية.هذه موارد كان من الأجدر إنفاقها على تحسين حياة الشعب الأمريكي.


يحتاج الأمريكيون إلى الرعاية الصحية، والسكن بأسعار معقولة، ورعاية الأطفال وكبار السن، ومدارس أفضل. نريد تلبية احتياجاتنا الأساسية. لكن الحكومة تدّعي أننا "لا نستطيع تحمّل" هذه الأمور.


ومع ذلك، يُفترض أننا نستطيع إنفاق ما يقارب تريليون دولار على البنتاغون. والآن يقول ترامب إن البنتاغون يحتاج إلى 500 مليار دولار إضافية.


إن الفشل المأساوي الكامن وراء هذا الدمار ليس في استسلام معظم الأمريكيين لحمى الحرب. بل على العكس، تُظهر استطلاعات الرأي تلو الأخرى أن معظم الأمريكيين لا يؤيدون هذه الحرب. في الواقع، هذه أول حرب تدخلها أمريكا في العصر الحديث دون تأييد الأغلبية.


يكمن الفشل الحقيقي في أن أغنى وأقوى دولة في العالم - الدولة التي قادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية، والتي أرست النظام الدولي لما بعد الحرب مؤكدةً على التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون  يقودها الآن رئيس مارق يرفض كل هذه القيم.


رجل واحد قرر بمفرده شن هذه الحرب. شخص واحد أشعل فتيل هذه الفوضى دون الحصول على موافقة الكونغرس، ودون موافقة الحلفاء، ودون حتى توضيح سبب وجيه لها.


الشخص الذي يجلس في المكتب البيضاوي لا يملك رؤية واضحة لهذه الحرب، ولم يُقدّم إجابة متسقة حول متطلبات "النصر"، ويبدو أنه لا يعرف ما يفعل.


فرد واحد يُلحق الآن دمارًا هائلًا - أرواح تُزهق، وأسعار طاقة ترتفع بشكلٍ جنوني، وخزائن تُستنزف، واحتياجاتنا تُهمل، وإرهاب مُحتمل يُطلق العنان له في المستقبل على هذه الأرض وغيرها لسنوات قادمة.


تُمثل هذه الحرب فشلًا ذريعًا للديمقراطية الأمريكية. إنها في نهاية المطاف فشلنا نحن، يجب على الديمقراطيين وقف تمويل حرب ترامب الإمبريالية

ماذا يُمكننا فعله الآن؟


في 28 آذار ( مارس)بعد أسبوعين من يوم السبت القادم  سننظم أكبر مظاهرة في تاريخ البلاد وفي جميع أنحاء أمريكا. 


في الأسابيع والأشهر القادمة، سنُحصّن أنظمتنا الانتخابية حتى لا يتمكن الطاغية في البيت الأبيض من تجاوزها.


في تشرين ثاني (نوفمبر)، سنُشارك بأكبر عدد مُسجل على الإطلاق في انتخابات التجديد النصفي، لاستعادة قيادة الكونغرس من أولئك الذين مكّنوا هذا الرئيس المارق.


في الوقت نفسه، نواصل الدفاع عن مجتمعاتنا، وحماية أصدقائنا وجيراننا المهاجرين من عنف الدولة، والدفاع عن جامعاتنا ومدارسنا ومتاحفنا ومكتباتنا ووسائل إعلامنا وصحفنا من استبداد الدولة.


بعبارة أخرى، فإن أفضل طريقة لمواجهة ويلات هذه الحرب هي تعزيز الآليات التي ما كان ينبغي لها أن تسمح بحدوثها أصلاً.


روبرت رايش، وزير العمل الأمريكي الأسبق، أستاذ فخري للسياسة العامة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وكاتب عمود في صحيفة الغارديان الأمريكية.

عنوان المقال بالانكليزية

 The war in Iran is an American failure. What do we do now?


الثلاثاء، 10 مارس 2026

"طارق رحمن" .. الوجه الجديد في عالم التوريث السياسي



بقلم: د. عبدالله المدني*


قلنا في مقال سابق أن "طارق ضياء رحمن" فاز في الانتخابات العامة التي جرت مؤخرا في بنغلاديش فوزا كاسحا، بحصول حزبه (حزب بنغلاديش الوطني) على 212 مقعدا من أصل مقاعد البرلمان البالغ عددها 300 مقعدا، وبالتالي صار يحكم البلاد بتخويل شعبي غير مسبوق، وبما يتيح له تنفيذ أجنداته السياسية والاقتصادية دون صداع أو معارضة برلمانية مؤثرة. لكن كيف نجح الرجل في تحقيق هذا النصر الكاسح؟

بداية لا بد من التعرف على هذا الوجه الجديد في سدة الزعامة في بنغلاديش التي لم تهنا بإستقرار سياسي طويل منذ انفصالها عن باكستان في كيان مستقل سنة 1971، بل الوجه الجديد المجسد لظاهرة التوريث السياسي المعروفة في عموم آسيا وخصوصا في جنوبها، حيث كلما غاب الآباء أو الأزواج لأي سبب انتقلت زعامتهم السياسية وميراثهم السياسي إلى زوجاتهم أو أبنائهم، كما شهدنا في سريلانكا ثم الهند وباكستان وبنغلاديش واندونيسيا وميانمار والفلبين. وعادة ما يلعب الورثة في هذه البلاد على الوتر العاطفي للجماهير، ولاسيما حينما  يكون الموروث صاحب شرعية مستمدة من انجاز مشهود كتحقيق الاستقلال عن المستعمر الاجنبي  أو الارتقاء بالبلاد تنمويا مثلا. وبطبيعة الحال تسهل مهمة الوريث إذا كان غياب الموروث بفعل حادثة اغتيال مدبرة أو كنتيجة إقصاء ظالم.

ولد "طارق ضياء الرحمن" في 1965 إبنا أكبر لوالده الجنرال ضياء الرحمن، الذي أسس "حزب بنغلاديش الوطني" اليميني سنة 1978 وتولى قيادة بنغلاديش من عام 1977 إلى يوم اغتياله في انقلاب عسكري سنة 1981، وإبنا لوالدته خالدة ضياء التي تولت زعامة البلاد ثلاث مرات ودخلت المعتقلات لسنوات طويلة قبل أن تتوفي في ديسمبر الماضي. عاش رحمن طفولته في ظل حرب الاستقلال عن باكستان، وخلالها اعتقل مع والدته وشقيقه ولم يفرج عنه الا بعد تحقيق النصر في الحرب سنة 1971.

تلقى تعليمه بكلية شاهين التابعة لسلاح الجو في دكا، ثم درس العلاقات الدولية بجامعة دكا خلال ثمانينيات القرن العشرين (لم يكمل تعليمه الجامعي وانصرف إلى العمل في قطاع الشحن وصناعة الملابس)، قبل أن ينخرط في عالم السياسة في نهاية الثمانينات من خلال مشاركته لوالدته في الحركة المقاومة لنظام الجنرال محمد حسين ايرشاد، ومن خلال المشاركة في توسيع قاعدة حزب والديه والترويج للديمقراطية، ثم انضم رسميا لحزب ينغلاديش الوطني في 1988. وبعد فوز والدته بقيادة البلاد في انتخابات 1991 برز اسمه بقوة وتمت ترقيته في 2002 لمنصب قيادي حزبي في خطوة أثارت الجدل في أوساط قادة حزبيين أقدم منه.

وخلال حكم الشيخة حسينة واجد، غريمة والدته اللدودة، ما بين عامي 2009 و2024، وجهت إليه اتهامات بالفساد واساءة استغلال النفوذ ومحاولة التخريب المسلح، فصدر ضده عددا من الأحكام الغيابية التي وصفها بأنها ذات دوافع سياسية، لكنها لم تنفذ لأنه كان قد غادر بنغلاديش للإقامة في بريطانيا بعد أن أمضى 18 شهرا في المعتقل  في 2007 إبان فترة حكومة تصريف أعمال مدعومة من الجيش. وبعد اعتقال والدته سنة 2018، راح يدير شؤون حزبها من المنفى باعتباره رئيسا للحزب بالنيابة.

عاد إلى دكا في ديسمبر 2025، اي بعد الإطاحة بنظام حسينة واجد في ثورة شعبية، وبعد أيام قليلة من وفاة والدته، ليتولى قيادة حزب بنغلاديش الوطني ويخوض على رأسه الانتخابات العامة الأخيرة ويفوز ويصبح زعيما جديدا لبلاده يواجه تحديات جمة، على رأسها إعادة الاستقرارين السياسي والاقتصادي لبنغلاديش بعد سنوات من الاضطرابات، واستعادة ثقة المستثمرين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإدارة علاقات متوازنة مع الهند والصين وباكستان وعلاقات قوية مع واشنطن.

ساهمت عوامل كثيرة في وصوله إلى سدة الزعامة. فعلاوة على اللعب على الوتر العاطفي للجماهير عبراستغلال ميراثه السياسي وتاريخه العائلي، استغل الحكم الصادر بمنع أكبر أحزاب البلاد (حزب عوامي الوطني) من المشاركة في الانتخابات ليبرز نفسه كمنقد وحيد، خصوصا مع ضعف قوة حزب الجماعة الاسلامية ذي التوجهات الإخوانية المتشددة، الذي شارك في السباق الانتخابي وهو منهك ويفتقد التنظيم والاعداد الجيد، بسبب ضربات تعرض لها في عهد حسينة واجد. 

من العوامل الأخرى أن حزب بنغلاديش الوطني كان قد بدأ، تحت قيادته تنظيم نفسه وتحشيد أنصاره لإستعادة السلطة مبكرا أي بمجرد الإطاحة بالعهد السابق سنة 2024، كما أنه استخدم خلال حملاته الانتخابية وعودا وتعهدات دغدغت مشاعر الناخبين الطامحين لمستقبل أفضل، وروّج لشعارات تفيد وقوفه على مسافة واحدة من مواطني بنغلاديش المسلمين والمسيحيين والهندوس والبوذيين. ومن ناحية أخرى ساهم التصويت عبر البريد الإلكتروبي لأول مرة، في تسهيل تصويت ما لا يقل عن 15 مليون ناخب في الخارج.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: فبراير 2026م

الثلاثاء، 3 مارس 2026

في بنغلاديش .. الديمقراطية تعيد انتاج الماضي





بقلم: د. عبدالله المدني*

لم تنعم بنغلاديش، منذ قيامها كدولة مستقلة عن باكستان في عام 1971، بالإستقرار السياسي. فتاريخها الحديث عبارة عن انقلابات عسكرية ومماحكات حزبية وديمقراطية عرجاء وحرب شعواء بين سيدتين تنتمي كل منهما إلى مدرسة سياسية مختلفة وأيديولوجية نقيضة وإرث سياسي مضاد. وبعبارة أخرى كلما نجحت إحداهما في الوصول إلى السلطة في دكا، نكلت بالأخرى وأدخلتها المعتقل بتهم الفساد والاستبداد وخنق الحريات، بل وألغت معظم ما انجزته، وهكذا دواليك.

توقع البنغلاديشيون الطامحون إلى السلام والوئام والإستقرار والمستقبل المعيشي الأفضل أن انتفاضتهم في شهري يوليو وأغسطس 2024 ضد نظام رئيسة الوزراء المعزولة الشيخة حسينة واجد (إبنة مؤسس البلاد الراحل الشيخ مجيب الرحمن) سوف تأتي لهم بالمن والسلوى، خصوصا بعد أن تسلم المصرفي النوبلي الدكتور محمد يونس قيادة البلاد مؤقتا من أجل تصحيح الأوضاع ووضع البلاد على سكة الديمقراطية والتعددية من جديد.

غير أنه بدلا من اجتثاث كلا الحزبين اللذين احتكرا السلطة وتسببا في معاناة بنغلاديش بصور متفاوتة نسبيا، قام يونس بالتفضيل. فحكم على حزب الشيخة حسينة (حزب عوامي) بالموت، ومنعه من المشاركة في الانتخابات العامة التي أجريت مؤخرا تنفيذا لوعوده، فخلت الساحة لحزب غريمتها السيدة خالدة ضياء (حزب بنغلاديش الوطني)، وكان أن فاز الأخير بأغلبية حاسمة (212 مقعدا برلمانيا من أصل 300) تحت قيادة زعيمه الجديد "طارق ضياء" إبن خالدة ضياء، العائد من منفاه اللندني، وذلك في تكرار لظاهرة التوريث السياسي المعروفة في آسيا وشبه القارة الهندية، بل وتكرار للماضي. حيث انتجت الديمقراطية الجديدة التي أطلقها الدكنور يونس وضعا عرفه البنغلاديشيون طويلا مع اختلاف طفيف تمثل في غياب الشيخة حسينة وحزبها عن المشهد وأيلولة السلطة إلى ابن غريمتها وخصمها اللدود، بتفويض شعبي كاسح.

يأمل الشعب الآن أن يمثل هذا التغيير نقطة تحول حاسمة لأمتهم التي عانت كثيرا من الارهاق المؤسسي والمماحكات والخلافات، علما بأن حقبة زعيمتهم السابقة المطاح بها لم تكن كلها شرا. إذ حققت البلاد في عهدها أسرع معدلات النمو وأكثرها لفتا للنظر في آسيا ومنطقة المحيط الهادي. وبعبارة أخرى يأمل هؤلاء أن ينعموا بإدارة جديدة ذات مصداقية، وأن يسعى رئيس الحكومة الجديد طارق ضياء إلى وضع قواعد لبناء مؤسسات الدولة على أسس الانضباط والرقابة والشفافية، ودون تسلط واحتكار لأدواتها، وألا يعتقد أن التفويض الشعبي الساحق الممنوح له يخوله إخضاع الشعب.

وبطبيعة الحال، سمعوا من زعيمهم الجديد وعودا بذلك، وبأنه سوف يستخدم رأسماله السياسي في تحقيق أهداف قابلة للقياس، وفي إعادة هيكلة الاقتصاد والإدارة والمالية العامة، والحد من الهدر.

والحقيقة أن لطارق ضياء وحزبه طموحات اقتصادية واسعة محورها تحويل بنغلاديش إلى اقتصاد بقيمة تريليون دولار بحلول عام 2035، وتحجيم البطالة والتضخم، غير أن الذاكرة التاريخية لئن قالت لنا أن والدته، ومن قبلها والده الجنرال ضياء الرحمن حققا خلال توليهما السلطة بعض النجاحات الاقتصادية والتنموية من خلال تشجيع هجرة العمالة ودعم قطاع الملابس، إلا أن الاقتصاد العالمي اليوم تغير كثيرا عن تلك الحقبة، فهو اليوم أكثر تقلبا ولا يسمح بالصعود كثيرا في مجال التصدير، كما وأن تدفقات التحويلات المالية للعمالة عرضة للتحولات الجيوسياسية. إلى ذلك، فإن طموحات حزب بنغلاديش الوطني الاقتصادية تتطلب وجود جهاز بيروقراطي كفؤ مسنود بالانضباط المؤسسي أكثر من الخطابات والوعود الرنانة.

من ناحية أخرى، يستلزم نجاح خطط العهد الجديد ووعوده رفع نسبة الضرائب ، كإستراتيجية تمويلية، وهذا قد يفجر غضبا شعبيا جديدا وسط الفئات المرهقة معيشيا، خصوصا وأن ما لايقل عن 40 مليون نسمة من السكان البالغ عددهم 170 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر.

ومن ناحية ثالثة، فإن الحكومة الجديدة في دكا لن تنجح في عملها وخططها ووعودها دون استقرار وضبط وتقوية علاقاتها الخارجية بالقطبين الهندي والأمريكي. فالهند هي جارتها الكبرى الأكثر تأثيرا في محيطها، والولايات المتحدة هي أكبر مستورد للسلع البنغلاديشية.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: فبراير 2026م


الأربعاء، 25 فبراير 2026

سيدة المفاجآت تعزز قبضتها على السلطة في اليابان


 بقلم: د. عبدالله المدني*

لنعود إلى الوراء قليلا ونروي كيف كان المشهد السياسي في طوكيو في سبتمبر 2025، بُعيد الإستقالة المفاجئة لرئيس الحكومة السابق "شيغيرو إيشيبا" قبل أن يكمل عامه الأول في السلطة. كان الانقسام في الشارع وفي البرلمان وداخل أرقة الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم هو سيد الموقف، وسط تجاذبات واصطفافات ودعوات إلى إجراء انتخابات عامة جديدة أو إختيار زعيم شاب قوي يعيد الوهج للبلاد بسياسات حكيمة ويضمن لها الإستقرار الطويل، ويعالج الاقتصاد من تراجع قيمة الين، وتفاقم معدلات التضخم، وضغوط التعريفات الجمركية الترامبية، ويجد حلولا سريعة لملفات داخلية شائكة مثل الضرائب والهجرة والعمالة الأجنبية ومعدلات الشيخوخة.

في النهاية تقرر أن يُجرى تصويت برلماني لإخيار زعيم جديد للبلاد، ففازت السيدة القومية المتشددة "ساناي تاكائيتشي"، لتصبح هذه الإمرأة الستينية أول زعيمة لليابان في تاريخها، وسط ذهول العالم كون المرأة اليابانية لا تحظى عادة بمكانة رفيعة في المشهد السياسي الذي يسيطر عليه الذكور بإحكام.

وقتها قلنا أن المقام لن يطول بها في السلطة، وسوف تحارب بضراوة من عواجيز الحزب الحاكم الذين كثيرا ما وضعوا الدواليب في طريق الوجوه السياسية الشابة من الجنسين، خصوصا في ظل افتقاد الحزب الحاكم آنذاك للأغلبية المطلقة في البرلمان، وبالتالي حاجته لحليف موثوق لتمرير أجندته. هذا ناهيك عن مفاجأة فجرها وقتذاك "سايتو تيتسو" زعيم حزب كوميتو البوذي الصغير بإعلانه عدم تجديد إئتلافه مع الحزب الحاكم.

ووقتها قلنا أيضا أن تاكائيتشي لن تجد حلا لهذه المعضلة إلا بالدعوة إلى  انتخابات عامة مبكرة، ووصفنا هذا الحل بالحل الانتحاري الذي قد يُخرج حزبها  من السلطة، خصوصا مع تآكل شعبيته بسبب فضائح مالية.

غير أن ما حدث كان أيضا مفاجئة للكثيرين. إذ سرعان ما أبرزت تاكائيتشي عن مواهبها السياسية في إيجاد الحلول للأزمات، وعزمها على أن تثبت لليابانيين أن المرأة اليابانية قادرة على قيادة البلاد بصورة أفضل من الرجال، فعقدت تحالفا مع "حزب التجديد الياباني" ذي التوجهات اليمينية القومية والمعروف أيضا بإسم "نيبون إيشن لو كاي"، وذلك لضمان الأغلبية البرلمانية لحزبها ولتأمين بقائها في السلطة.

في نوفمبر الماضي، ألقت تاكائيشي، التي تعتبر سيدة بريطانيا الحديدية مارغريت تاتشر قدوتها، قنبلتها الأولى حينما قالت في كلمة برلمانية بأن "أي هجوم صيني على تايوان لضمها بالقوة إلى السيادة الصينية سوف يعتبر تهديدا لبقاء اليابان، ما قد يبرر ردا عسكريا". هذا التصريح غير المسبوق لزعيم ياباني، وبهذا القدر من الوضوح، أشعل غضب بكين التي تعتبر تايوان من أكثر القضايا حساسية في علاقاتها الخارجية، بل تعتبر تايوان جزءا من أراضيها وتكرر إصرارها على إعادتها إلى سيادتها بالقوة إنْ لزم الأمر. غير أن وقع الخطاب داخليا كان ايجابيا بحكم ما تمثله تايوان لليابانيين من ذكريات تاريخية، وبحكم العلاقات المتوترة مع بكين بسبب رواسب قديمة وخلافات حول السيادة على الأراضي والمياه، دعك من تنافسهما اقتصاديا وجيوسياسيا.

ويبدو أن تاكائيتشي لاحظت، بعد خطابها هذا، ارتفاع شعبيتها داخليا، فقررت أن الوقت مناسب للدعوة لإنتخابات عامة مبكرة. وبالفعل جرت الإنتخابات في فبراير الجاري، وظهرت نتائجها النهائية في الثامن منه، لتفاجيء العالم مجددا بأنها سيدة المفاجآت. إذ حقق حزبها مع حليفه "حزب التجديد" فوزا ساحقا، هو الأول له منذ سنوات طويلة، بحصوله على 316 مقعدا من أصل 465 مقعدا من مقاعد مجلس النواب. وبهذا ضمنت الزعيمة اليابانية لها ولحزبها أغلبية الثلثين، بعد أن كانت تسيطر على 198 مقعدا فقط، ولقنت تحالف المعارضة بقيادة الحزب الديمقراطي الدستوري درسا بتراجع عدد مقاعده من 172 إلى 49 مقعدا فقط. وهو ما يعني أنها باقية على رأس السلطة بقوة، على الأقل، خلال السنوات الأربع القادمة. وهذا بدوره يمنحها الحرية لتنفيذ أجندتها دون قلق أو صداع أو حذر، وعلى رأسها تعديل الدستور لتحرير الجيش من قيود عدم التسلح، وتعميق التحالف مع واشنطن، وتمرير تشريعات حول تعليق ضريبة الاستهلاك، وتنفيذ برنامج انفاق حكومي ضخم.

ونختتم بتساؤل البعض عن سر انجذاب الناخب الياباني دوما إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي، وتفويزه للبقاء في السلطة منذ أنتهاء الحرب العالمية الثانية وتدشين الديمقراطية التعددية، وتأسيس الحزب سنة 1955؟ لو حدث هذا في دولة من دول العالم الثالث، لقلنا أن هناك تزوير أو استخدام للمال السياسي أثناء الانتخابات، لكن في اليابان لا يوجد  شيء من هذا القبيل، وإنما هو تقدير ووفاء واعتزاز بحزب كان وراء نهضة واستقرار البلاد، والحفاظ على هويتها الخاصة، وفق رؤية سلمية وسياسات حكيمة بعيدة عن الغوغائية والشعارات.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

التاريخ: فبراير 2026


الاثنين، 16 فبراير 2026

أعيدوا إلينا معتقلينا… ارحموا دموع الأمهات، فنحن لا نريد إلا السلام

 




بصوتٍ يختلط فيه الوجع بالأمل، وجّه أهالي وعائلات المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية نداءً إنسانيًا عاجلًا إلى الجهات المعنية ورؤساء الدول، مطالبين بالكشف عن مصير أبنائهم وإطلاق سراحهم، بعد سنوات طويلة من الغياب القسري والغموض القاتل.

هذا النداء المؤلم نُقل عبر المحامية بهية أبو حمد، التي تسلّمت الملف من العائلات، ليكون شاهدًا على معاناة إنسانية ثقيلة ما زالت تنزف صمتًا.

وفي بيانٍ مؤثر، أكدت أبو حمد أنها تسلّمت هذا الملف بكل فخر ومسؤولية، قائلة:

«إنه ملف يفيض بالألم والظلم، ودموع الرجاء لا تفارقه. تأثرتُ كثيرًا بما سمعته عن أوضاع المعتقلين والظروف القاسية التي قادت إلى اعتقالهم، وبما اطّلعت عليه من وثائق مسجّلة تُجسّد حجم المأساة».

وأضافت بحسرة:

«كفى حقدًا وظلمًا وحزنًا… لقد جفّت دموع الأمهات من طول الانتظار، وتعبت القلوب من فراق الأبناء. لكن أملي كبير بالله الذي لا يردّ دعاء المظلوم، وبالقانون الذي يمنحنا سبلًا راسخة لإحقاق الحق وبسط العدل والإنصاف»

وكشفت أبو حمد أن بين المعتقلين لبنانيين وأستراليين من أصول لبنانية ما زالوا على قيد الحياة، مؤكدة أنها ستناشد الحكومة الأسترالية، إلى جانب عدد من رؤساء وملوك العالم، للمساعدة في كشف مصيرهم وإعادة جميع المعتقلين إلى ذويهم في لبنان وأستراليا.

كما عبّرت عن ثقتها وأملها بكل من فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون وفخامة رئيس الجمهورية العربية السورية السيد أحمد الشرع، داعيةً إلى الاستجابة لصرخة الأمهات والالتفات إلى هذه المأساة الإنسانية التي طال أمدها.

وفي ختام بيانها، تقدّمت المحامية بهية أبو حمد بالشكر إلى أهالي المعتقلين على الثقة التي أولوها لها، مؤكدة التزامها الكامل بالعمل معهم يدًا بيد، من أجل الوصول إلى الحقيقة، وتحقيق العدالة، وترسيخ السلام…سلامٌ يبدأ بعودة الغائبين، وبتجفيف دموع الأمهات المنتظرات على أبواب الأمل.


الثلاثاء، 10 فبراير 2026

باكستان تعالج اقتصادها العاجز بتصدير السلاح


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

لطالما وصفت باكستان بأنها نموذج محير، لجهة أنها دولة ذات جيش قوي وصاحبة ترسانة نووية وقاعدة علمية قوية، لكنها في الوقت نفسه تشكو من اقتصاد مترهل وديمقراطية متعثرة. وإذا ما استبعدنا هنا ما يتعلق بديمقراطيتها، فإنها عانت طويلا ، ولا تزال، من عجز تجاري متزايد بسبب فواتير الواردات المتصاعدة، فمثلا عجزها التجاري في عام 2022 شهد ارتفاعا بأكثر من 115 بالمائة. وهذا، علاوة على انخفاض تدفقات الإستثمار الأجنبي المباشر خلال تلك الفترة إلى نحو 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، تسبب في انخفاض حاد في احتياطيات النقد الأجنبي، وتدهور خطير في قيمة الروبية الباكستانية مقابل الدولار الأمريكي.

هذه الصورة الباهتة تبدو اليوم في طريقها إلى التغير، بعدما قررت إسلام آباد أن تعالج مشاكلها الاقتصادية المزمنة من خلال تصدير السلاح كمصدر رئيسي للدخل (يبلغ إجمالي صادرات باكستان 37 مليار دولار سنويا وتهيمن عليها المنسوجات والمنتجات الزراعية)، أو بمعنى آخر التحول إلى مورد دفاعي متوسط الحجم، خصوصا وأن باكستان تتمتع بصناعة عسكرية متطورة قياسا بغيرها من دول العالم الثالث، وإذا ما تحقق لها ما تسعى إليه، كليا او حتى جزئيا، فإن تداعيات ذلك سوف تتجاوز المجال العسكري إلى إعادة تشكيل ميزان المدفوعات، وتخفيف ضغوط التمويل الخارجي، وتعزيز القاعدة الصناعية للبلاد، وتحسين الاقتصاد الوطني على المدى الطويل. هذا ناهيك عن امكانية تحول باكستان إلى لاعب ذي تأثير سياسي ودبلوماسي في ساحات الشرق الأوسط  و أفريقيا وآسيا الوسطى وغيرها من مناطق الصراعات.

تشير طلبات التصدير المتوقعة للسلاح الباكستاني المنشأ إلى احتمال وصولها إلى 13 مليار دولار أمريكي في العام الجاري كثمرة من ثمرات صفقات عسكرية وشراكات استراتيجية مع دول مثل السعودية والسودان وليبيا وبنغلاديش وآذربيجان واندونيسيا وأثيوبيا ونيجيريا وميانمار. وهذا الرقم يمثل أكثر من 80 بالمائة من احتياطات باكستان الحالية من النقد الأجنبي، ونحو 4 بالمائة من ناتجها المحلي الاجمالي. كما أنه يعني أن البلاد قد نجحت في نزع ردائها التاريخي القديم كدولة تعتمد في بقائها على المساعدات الخارجية، وتعزز تلك المساعدات بصادرات دفاعية هامشية ومتقطعة وعرضية. فطبقا لبيانات الأمم المتحدة حول التجارة الدولية، صدرت باكستان في عام 2024 ما قيمته 22.5 مليون دولار فقط من السلاح المصنع محليا. وهذا الرقم صغير جدا قياسا بما هو متوقع اليوم وفي السنوات المقبلة، خصوصا إذا ما أخذنا في الإعتبار أن صفقات السلاح عادة ما تتضمن مسائل مثل الصيانة وقطع الغيار والتدريب والتجديد، ما يعني مداخيل إضافية مستمرة.

تشمل الصادرات الدفاعية الباكستانية حاليا الطائرات المقاتلة (مثل جيه إف ــ 17 بلوك ــ 3) وطائرات التدريب النفاثة (مثل كاراكورام ــ 8، التي جرى تطويرها بمشاركة الصين) والمركبات المدرعة المضادة للدبابات (مثل المركبة ماز) والطائرات المسيرة (مثل شاهبار ــ 2) والمنصات البحرية والذخائر، وهذه تسوقها إسلام آباد كبدائل فعالة ومعقولة التكلفة قياسا بكلفة السلاح المستورد من الدول الغربية وروسيا والصين، ما يجعلها ذات جاذبية للدول الفقيرة والبلدان الخاضعة لقيود استيراد السلاح الغربي لأنها تجمع ما بين الكفاءة والأسعار التنافسية.

لقد احتكرت الدولة الباكستانية على مدى تاريخها صناعة السلاح وتصديره، ولا تزال تفعل ذلك من خلال القطاع العام، خلافا لما يجري في دول الغرب المتقدمة، لكن هناك اليوم توجها تدريجيا  جادا ــ بحسب بعض المراقبين وخبراء السلاح ــ نحو تصنيع السلاح ضمن نظام جديد مختلط بين القطاع العام والقطاع الخاص، وبدعم من مجمع باكستان للطيران (PAC)، والصناعات الثقيلة في تاكسيلا (HIT)، ومصانع الذخائر الباكستانية (POF)، وأحواض بناء السفن والأعمال الهندسية في كراتشي (KSEW). وهذا إنْ حدث، فسوف يسهّل للقطاع الخاص العمل كمقاول مهمته توريد الأجزاء الدقيقة لصناعة السلاح مثل المكونات الإلكترونية والبرمجيات وأنظمة الذكاء الإصطناعي، علاوة على الخدمات الهندسية واللوجستية ذات الصلة، كما يعطي مزيدا من الفرص للجامعات ومراكز الابحاث لجهة التطوير والتحديث والابتكار، والتوصل، ربما عرضا، إلى أنظمة وبدائل واكتشافات يمكن  استخدامها من قبل القطاع الصناعي المدني في النمو والتطوير.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: فبراير 2026م


الثلاثاء، 27 يناير 2026

فيتنام تجدد لأمين عام حزبها الحاكم، وتنتظر الجديد


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

منذ انتصار فيتنام الشمالية على فيتنام الجنوبية وسقوط عاصمة الأخيرة ، سايغون (حاليا مدينة هو تشي منه) بأيدي ثوار الفييتكونغ الشيوعيين، وبالتالي توحيد شطري البلاد وقيام "جمهورية فيتنام الإشتراكية" رسميا في 30 إبريل 1975، وهذه البلاد في قبضة الحزب الشيوعي الفيتنامي الذي يحتكر كل السلطات وحده ويدير البلاد وفق الأيديولوجية الماركسية اللينينة وفكر زعيم الأمة "هو تشي منه" (1890 ــ1969).، وعلى الرغم من تبني الحكومة الفيتنامية فكرة الإنفتاح الاقتصادي، أو ما أطلقت عليه إسم (Doi Moi) في عام 1986، وقيامها مذاك بإطلاق سياسة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، التي تحول بموجبها اقتصاد فيتنام من اقتصاد مركزي إلى اقتصاد مختلط قريب من اقتصاد السوق، وهو ما سمح بنمو اقتصادي متسارع وتدفق الاستثمارات الأجنبية والاندماج في الاقتصاد العالمي .. على الرغم من كل هذا، فإن البلاد لم تشهد أي انفتاح سياسي يرافقه تغيير في آليات الحكم والسماح بتشكيل الأحزاب السياسية وإطلاق حرية التعبير وترسيخ مباديء حقوق الانسان بأشكالها المعروفة في الغرب الرأسمالي.

وبعبارة أخرى تقتفي فيتنام إلى اليوم النموذج السياسي والاقتصادي المعمول به في الصين، رغم حالة العداء الصامت بين البلدين الجارين، أي سيطرة سياسية مطلقة مع اقتصاد منفتح شبه رأسمالي.

نقول هذا، مع بدء أعمال المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي الحاكم (ينعقد كل خمس سنوات) الذي سيستمر حتى الخامس والعشرين من يناير الجاري، لإنتخاب مائتي عضو في اللجنة المركزية للحزب الحاكم التي تختار بدورها 19 عضوا في المكتب السياسي للحزب الذي سيجدد للأمين العام أو يختار بديلا له. وقد جدد المؤتمرون بالفعل  ولاية الأمين العام الحالي "تو لام" لفترة جديدة مدتها خمس سنوات وقت كتابة هذه المادة. 

ما تردد طويلا هو أن تو لام (انتخب أمينا عاما ورئيسا للدولة في عام 2024) يتطلع إلى تعزيز قبضته على جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقيادية، ليغدو رأسا للدولة ورئيسا للحكومة وقائدا للحزب الحاكم. كما تردد أن تطلعات الرجل ربما تصطدم بمعارضة أجنحة حزبية غير موالية له من تلك التي تمثل الجيش، حيث لاحظ المراقبون في الآونة الأخيرة ما يشبه وجود تنافس وحرب خفية داخل أروقة الحزب بين فصيلين، أحدهما يعارض أن تتحول فيتنام إلى بلد يسيطر شخص واحد على كل مقدراتها وسياساتها كي لا ينفر منها المستثمرون الأجانب الذين تحتاجهم البلاد بشدة، والآخر، الذي يقوده تو لام، يسعى من خلال نفوذه إلى إخفاء الانقسام وإسكات الأصوات المعارضة بكل الوسائل. أما الدليل على صحة ما ذكره المراقبون فقد تمثل في نشاط غير مسبوق وحملات على وسائل التواصل الاجتماعي قادها ما يعرف بـ  "القوة 47"، وهي وحدة الحرب الإلكترونية التابعة للجيش الفيتنامي.  وبطبيعة الحال لم يستطع "تو لام" أن يتدخل لإسكات صوت القوة 47، كما فعل مؤخرا مع إثنين من مستخدمي الإنترنت الفيتناميين تعرضا له بالانتقاد، حيث استخدم ضدهما مادتين قانونيتين تعاقبان كل من يتعرض لرأس الدولة بالانتقاد.

من المهم الإشارة هنا إلى أن ما سعت إليه القوة 47 تحديدا وهو الضغط  على المؤتمر الرابع عشر للحزب الحاكم من أجل انتخاب عضو المكتب السياسي ونائب الأمين العام للجنة العسكرية المركزية وزير الدفاع الجنرال "فان فان جيانغ" بديلا لتو لام في منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الفيتنامي. حيث تمّ الترويج له باعتباره قائدا مخلصا للشعب والوطن على الطريقة الهوشي منية (نسبة لهو شي منه). والمعروف أن الجنرال فان فان جيانغ برز مؤخرا في وسائل الإعلام الأجنبية من خلال لقاءات ومحادثات أجراها مع نظرائه الصيني والأمريكي والتركي والآذري.

توقعت الناشطة الفيتنامية المعروفة والعاملة في مجال تمكين المرأة وحقوق الإنسان "نغوين نوك نهو" حسم الأمر لصالح تو لام لأنه "حقق زخما سياسيا من خلال سيطرته على أجهزة الدولة والحزب" خلال السنوات الماضية. وأضافت أن نقطة ضعفه هو خلفيته الشرطية (كان ضابط شرطة لأربعين عاما وشغل لسنوات منصب وزير الأمن العام) التي لا توحي بالثقة لدى المستثمرين الأجانب وأصحاب رؤوس الأموال، أي أنه على العكس من صورة رئيس الوزراء الأسبق "نغوين تان دونغ" المعروف باسم "الرفيق X"، والذي شغل المنصب من عام 2006 إلى 2016، وكان محبوبا لدى المستثمرين الغربيين بسبب اصلاحاته الاقتصادية وتبنيه نهج السوق، والتي حققت بدورها تدفقا هائلا للإستثمارات متعددة الجنسيات.

نخالة القول أن تو لام، لن يستطيع جذب استثمارات جديدة لبلاده، إذا تطلع إلى محاكاة الزعيم الصيني شي جينبيغ لجهة إدارة بلده بقبضة حديدية، لكنه سينجح حتما إذا ما تعاون مع واستفاد من خبرات الحرس القديم الذين حققوا لفيتنام نهضتها الإقتصادية الراهنة.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يناير 2026م

الثلاثاء، 20 يناير 2026

الصراع الأمريكي الصيني ينتقل من آسيا إلى أمريكا اللاتينية

 


بقلم: د. عبدالله المدني*

فاجأت واشنطن العالم في 3 يناير الجاري، بعملية عسكرية خاطفة في فنزويلا، نجحت خلالها في أسر الرئيس الفنزيلي "نيكولاس مادورو" ونقله مقيدا مع زوجته إلى نيويورك لمحاكمتهما. هذه العملية، التي اختلفت تفاصيلها عن بقية تدخلات واشنطن في أمريكا اللاتينية، والأولى منذ تدخلها في بنما سنة 1989، كان لها صدى قويا في عواصم العالم، ولاسيما في عواصم الدول التي نسجت شراكات مع نظام مادورو وسلفه "هوغو شافيز"، وبالأخص الصين.

كان رد الفعل الصيني قويا قولا، وضعيفا فعلا، فهي لئن شجبت العملية وعدتها انتهاكا فاضحا لسيادة الدول ومباديء القانون الدولي، إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عن القيام بمساعدة حليفتها الفنزويلية. ولعل ما أثارها وأقلق مضاجعها أكثر من العملية نفسها، هو ما تلاها على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إحياء مبدأ مونرو، وإعادة تسميتها بمبدأ دونرو، وهذا يعني أن نصف الكرة الغربي مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة، وأن أي تمدد للصين أوغيرها فيه يُعد تهديداً للأمن القومي الأمريكي. وبعبارة أخرى أدركت بكين أن الرسالة موجهة لها، ومفادها الأوضح هو أن ما تسعون إليه من نفوذ في أمريكا اللاتينية، كما في فنزويلا،عبر الدبلوماسية والاستثمار والشراكات يمكن القضاء عليه في إغماضة عين بالقوة العسكرية، خصوصا وأن عملية فنزويلا، التي تمت بنجاح ودون وقوع ضحايا، أثبتت للعالم القدرات المذهلة للجيش الأمريكي وللمخابرات المركزية الأمريكية في التخطيط والتنفيذ والمراوغة والسرية. 

والمعروف أن الصين بدأت منذ التسعينات بنسج علاقات وشراكات مع الأنظمة اليسارية المعادية لواشنطن في أمريكا الجنوبية، حتى صارت مع مرور الوقت الشريك التجاري الأول والأكبر لهذه الدول. وكان المثال الأبرز في فنزويلا التي استثمر الصينيون فيها وحدها نحو 68 مليار دولار منذ عام 2007، كان معظمها في قطاع الطاقة ومصافي النفط، وذلك على أمل أن تتجه نسبة 90% من النفط الفنزويلي إلى موانئها بحلول عام 2026. على أن فنزويلا بالنسبة للصين كانت أكثر من مجرد شريك نفطي، إذ شكلت جزءا من استراتيجيتها للتمدد وتأمين حاجتها من المواد الخام والموارد الاستراتيجية من مناطق غير خاضعة للهيمنة الأمريكية من أجل إستدامة صعودها الصناعي والتكنولوجي، وخلق موطيء قدم نادر لبكين في أمريكا اللاتينية، الحديقة الخلفية لخصمها الأمريكي. وهو ما خسرته الآن بوقوع فنزويلا في القبضة الأمريكية، مع خسارتها أيضا لما كانت تصفه بـ "الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع فنزويلا البوليفارية الصديقة"، هذا ناهيك عن ثبوت أن دبلوماسيتها القائمة على مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى" تواجه مأزقا وامتحانا. غير أن الزميل الدكتور أحمد قنديل المتخصص في الشؤون الآسيوية يرى أن بكين استفادت من سابقة العملية الأمريكية في فنزويلا. فبحسب قوله: "إذا سمح المجتمع الدولي لواشنطن بفرض حصار بحري على ميناء فنزويلي وتغيير نظام حكمها بالقوة بحجة "مبدأ دونرو"، فما الذي يمنع بكين مستقبلاً من تبرير إجراءات مماثلة بشأن تايوان"

يمكن إعتبار ما حدث تحولا للصراع الأمريكي الصيني من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن بحر الصين الجنوبي إلى البحر الكاريبي، وفي الوقت نفسه يمكن اعتباره صراعا مفتوحا انتقل من الرسوم الجمركية وميزان التبادل التجاري إلى الصراع والتنافس على امتلاك مفاتيح القوة المتمثلة في التكنولوجيا وسلاسل التوريد والمواد الاستراتيجية كالنفط والمعادن النادرة المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية. ذلك أن فنزويلا لم تكن فقط مجرد دولة فاشلة ذات نظام ديكتاتوري شمولي يحكمها رئيس مشكوك في شرعيته ومتهم بالاتجار في المخدرات وغسيل أموال التنظيمات المارقة، وهي ليست دولة تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (نحو 303 مليار برميل) فحسب، وإنما أيضا بلد يحتوي على مخزون هائل من الذهب والألماس والبوكسيت والحديد، علاوة على المعادن الإستراتيجية النادرة التي لم تستغل إلى حد كبير والمقدر حجمها بنحو 300 ألف طن متري، علما بأن هذه المعادن ارتفعت قيمتها بسرعة لتتحول من موارد جيولوجية خاملة إلى أصول استراتيجية ذات أبعاد جيوسياسية. ولهذا لا تحاول واشنطن، بتدخلها في فنزويلا، السيطرة على هذه الثروات فقط وإنما أيضا ضمان عدم وصولها إلى أيدي خصومها من الصينيين والروس، خصوصا مع علمها بأن نظام مادورو عمل طويلا مع شبكات إجرامية لتهريب هذه الموارد النادرة إلى كولومبيا أولا ومنها إلى الشركات الصينية.

كل هذا، بالإضافة إلى موقع فنزويلا الإستراتيجي المطل على ممرات شحن تجارية في البحر الكاريبي، جعلت من هذا البلد بؤرة حساسة للصراع والتنافس بين القطبين الامريكي والصيني، بينما شكلت الأحداث الأخيرة خنقا لسياسات التوسع الصينية، ونجاحا لأمريكا في استعادة نفوذها القديم في فنزويلا.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يناير 2026م


 


الثلاثاء، 13 يناير 2026

الصين تدخل في معركة سياسية وقضائية مع هولندا


 بقلم: د. عبدالله المدني*

المعروف أن الصين قامت في أواخر عام 2018، ومن خلال شركتها "وينغتيك تكنولوجي" بالإستحواذ على حصة معتبرة من أسهم شركة "نيكسبيريا" الهولندية التي تعد من أهم الشركات المنتجه للرقائق البسيطة منخفضة التكلفة من تلك التي تدخل في صناعة كل الأجهزة الكهربائية تقريبا، بدءا من الهواتف الخليوية، ووصولا إلى السيارات، وذلك مقابل مبلغ 3.6 مليار دولار، 

وعلى اثر ذلك قامت الصين بتعيين مواطنها "تشانغ شيويه تشينغ" على رأس نيكسبيريا كمدير تنفيذي. غير أن الولايات المتحدة، التي تخوض حربا تجارية معلنة مع الصين، لم يعجبها الأمر بطبيعة الحال، فوسعت في أواخر سبتمبر 2025 نطاق قائمة الكيانات الخاضعة للعقوبات لتشمل شركة وينغتيك تكنولوجي الصينية، للحيلولة دون تعاون نيكسبيريا معها بسبب مخاوف من انتقال تكنولوجيا الرقائق الحساسة إلى الصينيين، وهو ما حدا بالحكومة الهولندية في أكتوبر 2025 للتدخل الإداري بإيقاف مدير الشركة الصيني عن العمل، وتعيين المدير المالي للشركة الهولندي "ستيفان تيلغر" مكانه، لتفادي أي خلافات مع واشنطن، ومنعا لخضوع "نيكسبيريا" بالكامل للتوجهات الصينية. 

وقتها وصف وزير الشؤون الاقتصادية الهولندي "فينسنت كاريمانز" القرار بأنه كان ضروريا، بينما نظرت بكين إلى القرار بأنه تدخل هولندي حكومي سافر في الشؤون الداخلية لشركة نيكسبيريا، قد ينجم عنه أزمة عالمية في سلاسل توريد الرقائق وأشباه الموصلات، تتحمل مسؤوليتها هولندا لوحدها. وبالفعل أثار النزاع مخاوف كثيرة، ولاسيما لدى شركات السيارات العالمية التي تعتمد بشكل كبير على شرائح نيكسبيريا الأساسية، من احتمال تعطيل الانتاج العالمي للسيارات.

من هنا نشأت أزمة سياسية ودبلوماسية وتجارية آخذه في التصعيد بين الحكومتين الصينية والهولندية، لاسيما مع اقتراب موعد قرار اتخذته "نيكسبيريا" بنقل عملياتها من الصين إلى ماليزيا. 

والجدير بالذكر في هذا السياق أن البلدين عقدا اجتماعات في نوفمبر لحل خلافاتهما، على الرغم من اتهام وزارة التجارة الصينية لهولندا بأنها متقاعسة ولا تظهر أي شعور بالمسؤولية تجاه أمن صناعة أشباه الموصلات وسلاسل توريدها وتقليل الاحتكاكات. هذا ناهيك عن اتخاذ بكين خطوات استفزازية تمثلت في تقييدها صادرات منتجات الرقائق الإلكترونية المصنعة في الصين من قبل شركة نيكسبيريا، ردا على أيقاف الشركة لشحناتها من رقائق السيليكون إلى مصنعها في دوينغقو الصينية بسبب عدم سداد الصينيين لمستحقات الشركة.

ومع نفاذ صبرها، إرتأت بكين أن تتعامل مع القضية بالوسائل القانونية بدلا من الطرق الدبلوماسية، فأرسلت إشعارا بالنزاع إلى الحكومة الهولندية تتهمها فيه بانتهاك إتفاقية عام 2001 بشأن تشجيع وحماية الاستثمارات المتبادلة بين الصين وهولندا. وكان من نتائج هذا الأسلوب في التعاطي مع القضية أن وعدت هولندا بأن الأزمة سوف تحل وديا على مستوى الشركات. غير أن شركة وينغتك تكنولوجي أكدت في 28 نوفمبر الفائت أن هولندا أخلت بوعودها ولم تسمح لها باستعادة سيطرتها على شركة نيكسبيريا الأم. كما أكدت وينغتك تكنولوجي أن نيكسبيريا ماضية في خططها لإستثمار أكثر من 300 مليون دولار أمريكي لبناء مصنع جديد لها في ماليزيا بهدف نقل حوالي 90 بالمائة من طاقتها الانتاجية إلى خارج الصين بحلول منتصف العام الجاري. وهذا إنْ حدث فمعناه إخراج الصين من سلاسل توريد رقائق نيكسبيريا واستبدالها بماليزيا، وهو يعني أيضا أن وحدة نيكسبيريا في الصين سوف يقتصر عملها على تلبية الطلب المحلي فقط، بينما سيتم نقل معظم الطاقة الانتاجية إلى الخارج.


وأشارت مصادر حكومية صينية إلى أن الهولنديين خططوا منذ وقت طويل لزيادة الانتاج بشكل كبير من ماليزيا، بدليل أنهم سعوا للحصول على تفويض قضائي لمدة عام لضمان سيطرتهم الكاملة على شركة نيكسبيريا وايقاف مديرها التنفيذي الصيني عن العمل كيلا لا يعرقل خططهم. ويقول المراقبون أنه حتى لو سمحت هولندا لشركة وينغتك تكنولوجي الصينية بعد عام باستعادة سيطرتها على نيكسبيريا، كما تطلب بكين، فإن سلسلة التوريد الماليزية ستكون جاهزة وقتذاك.


في مثل هذه المنازعات بإمكان الصين من خلال شركتها "وينغتيك تكنولوجي" أن تلجأ إلى التحكيم الدولي، لكن مثل هذا الإجراء سوف يستغرق عدة سنوات. ومن ضمن الحلول الأخرى أن تطالب الصين بتعويضات عن خسائرها تصل إلى 8 مليارات دولار، مضافا إليها المبلغ الذي دفعته شركة وينغتيك للإستحواذ على نيكسيبيريا (3.6 مليار دولار).


وفي حال رفض هولندا الإستجابة، يمكن للصين أن تصادر الأصول الهولندية الموجودة على أراضيها، خصوصا وأن القانون الصيني يسمح لها بذلك، وتكبد هولندا خسائر كبيرة كون الصين أكبر سوق في العالم للرقائق الإلكترونية وأحد المتحكمين البارزين في سلاسل توريدها على مستوى العالم. 



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يناير 2026م




الجمعة، 9 يناير 2026

لماذا يريد دونالد ترامب الاستيلاء على جزيرة جرينلاند؟


بقلم د زهير الخويلدي


مقدمة

في سياق السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة، يبرز اقتراح الرئيس دونالد ترامب بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند كواحد من أبرز التحديات الجيوسياسية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تتبع إدارياً مملكة الدنمارك مع درجة عالية من الحكم الذاتي، وتمثل نقطة تقاطع حاسمة بين الجوانب الأمنية، الاقتصادية، والتوسعية. منذ إعادة انتخاب ترامب في 2024، تصاعدت مطالبه بشراء أو الاستحواذ القسري على الجزيرة، وصولاً إلى تهديدات علنية بالقوة العسكرية في يناير 2026، بعد نجاح عملية عسكرية أمريكية في فنزويلا. هذه الرغبة ليست مجرد نزوة شخصية، بل تعكس رؤية استراتيجية تندرج تحت شعار "أمريكا أولاً"، حيث يرى ترامب في جرينلاند أداة لتعزيز الهيمنة الأمريكية في القطب الشمالي. ستستعرض هذه الدراسة الأسباب الرئيسية لهذه الرغبة، مستندة إلى التحليلات الجيوسياسية والتاريخية، مع التركيز على التداعيات المحتملة على العلاقات الدولية.


الخلفية التاريخية للاهتمام الأمريكي بجرينلاند

يمتد الاهتمام الأمريكي بجرينلاند إلى عقود مضت، مما يجعل اقتراح ترامب جزءاً من تقليد توسعي أمريكي. في القرن التاسع عشر، اقترح وزير الخارجية ويليام سيوارد شراء الجزيرة كامتداد لصفقة ألاسكا في 1867. خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت جرينلاند قاعدة حيوية للقوات الأمريكية، وفي 1946، عرض الرئيس هاري ترومان شراءها بـ100 مليون دولار ذهبياً، لكن الدنمارك رفضت. تم تجديد الاقتراحات في 1955 و2019، وأصبحت أكثر إلحاحاً في 2025 بعد إعادة انتخاب ترامب.في 2019، أثار ترامب الجدل بوصفه جرينلاند "صفقة عقارية كبيرة"، مما أدى إلى رفض دنماركي قاطع. بعد 2024، أعاد طرح الفكرة بقوة، معلناً أن "الملكية والسيطرة على جرينلاند ضرورة مطلقة للأمن القومي والحرية العالمية". في يناير 2026، بعد النجاح في فنزويلا، صعد ترامب من لهجته، مهدداً بـ"الطريقة السهلة أو الصعبة"، مشيراً إلى أن روسيا والصين قد يستوليان عليها إن لم تفعل الولايات المتحدة ذلك. هذا التصعيد يعكس تحولاً من الاقتراحات الدبلوماسية إلى التهديدات العسكرية، مما يهدد بانهيار حلف الناتو إذا تم تنفيذه.



الأسباب الاستراتيجية العسكرية

يُعتبر الأمن القومي الدافع الأبرز لترامب. تقع جرينلاند في موقع جيوستراتيجي حاسم بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، مما يجعلها نقطة مراقبة مثالية للنشاط الروسي والصيني. مع ذوبان الجليد الناتج عن تغير المناخ، تفتح طرق بحرية جديدة مثل ممر الشمال الغربي، مما يزيد من أهميتها العسكرية. يؤكد ترامب أن "جرينلاند محاطة بسفن روسية وصينية"، وأن السيطرة عليها ضرورية لمنع تهديدات محتملة. بموجب اتفاق دفاعي أمريكي-دنماركي من 1951، تمتلك الولايات المتحدة حق الوصول غير المحدود إلى قاعدة ثول الجوية، التي تستخدم للكشف عن الصواريخ والمراقبة الفضائية. ومع ذلك، يرى ترامب أن الملكية الكاملة ضرورية لتجنب الاعتماد على الدنمارك، خاصة مع تزايد النشاط الروسي في المنطقة. ذوبان الجليد يفتح آفاقاً لنشر صواريخ دفاعية إضافية، مما يعزز القدرات الأمريكية في مواجهة التهديدات من كوريا الشمالية أو إيران. هذا الجانب يجعل جرينلاند جزءاً أساسياً من استراتيجية الولايات المتحدة للسيطرة على القطب الشمالي، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ.


الأسباب الاقتصادية والموارد الطبيعية

تكمن جاذبية جرينلاند أيضاً في ثرواتها الطبيعية الهائلة، التي تقدر بتريليونات الدولارات. الجزيرة غنية بالمعادن النادرة مثل الليثيوم والنيوديميوم، بالإضافة إلى اليورانيوم، النفط، والغاز. مع ذوبان الجليد، تصبح هذه الموارد أكثر سهولة الوصول، مما يجعلها حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية. يرى ترامب، كرجل أعمال سابق، في جرينلاند فرصة اقتصادية هائلة، حيث يمكن للولايات المتحدة تقليل اعتمادها على الصين، التي تسيطر على 74% من إنتاج المعادن النادرة العالمي.


في سياق التنافس العالمي، تسعى روسيا والصين للاستثمار في المنطقة، مما يدفع ترامب إلى الإسراع في السيطرة. اقتراحات مثل دفع مكافآت مالية لسكان جرينلاند (حوالي 57 ألف نسمة) بقيمة تصل إلى 100 ألف دولار لكل فرد لدعم الانفصال عن الدنمارك تعكس الجانب الاقتصادي لهذه الاستراتيجية. هذا النهج يجمع بين الضغط الاقتصادي والسياسي، محاولاً تحويل الجزيرة إلى أصل أمريكي يعزز الاستقلال الطاقي والتكنولوجي.


التأثير الجيوسياسي والتنافس الدولي

يندرج اهتمام ترامب بجرينلاند ضمن سياسة مواجهة روسيا والصين في القطب الشمالي. يحذر من أن "إذا لم نفعل ذلك، فسوف تستولي روسيا أو الصين عليها"، معتبراً الجزيرة جزءاً من "النصف الغربي" الذي يجب أن يخضع للسيطرة الأمريكية. هذا الرأي يعكس رؤية إمبريالية، حيث يرى ترامب في الاستحواذ فرصة لتعزيز النفوذ الأمريكي، خاصة مع الاتفاقات العسكرية الحالية التي تمنح الولايات المتحدة حضوراً قوياً.ومع ذلك، يثير هذا الاقتراح مخاوف دولية واسعة. رفضت جرينلاند والدنمارك الفكرة بشكل قاطع، محذرين من أن أي استيلاء عسكري سيؤدي إلى نهاية الناتو، حيث ينتهك مبادئ السيادة والتحالف. قادة أوروبيون يرون في ذلك تهديداً للنظام الدولي، مقارنينه بغزوات روسية سابقة. كما أن الضغط على سكان جرينلاند، الذين يميلون نحو الاستقلال لكن يعتمدون على الدعم الدنماركي، قد يؤجج التوترات الداخلية. في النهاية، يمثل هذا النهج تحولاً في السياسة الأمريكية نحو التوسع الإقليمي، مما قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للقطب الشمالي.


خاتمة

رغبة دونالد ترامب في الاستيلاء على جرينلاند تجمع بين الدوافع العسكرية، الاقتصادية، والجيوسياسية، مستمدة من تاريخ أمريكي طويل في النظر إلى الجزيرة كأصل استراتيجي. في ظل تغير المناخ والتنافس الدولي المتزايد، أصبحت جرينلاند أكثر أهمية، لكن اقتراح ترامب يحمل مخاطر كبيرة، بما في ذلك تفكك الناتو وانتهاك السيادة الدولية. على الرغم من الاتفاقات الحالية التي توفر وصولاً عسكرياً، إلا أن ترامب يصر على الملكية الكاملة كـ"ضرورة نفسية واقتصادية". هذا النهج قد يعزز النفوذ الأمريكي قصير الأمد، لكنه يهدد بالتصعيد الدولي طويل الأمد، مما يطرح تساؤلاً حاسماً: هل ستكون جرينلاند خطوة نحو هيمنة أمريكية جديدة، أم مصدراً لصراع عالمي؟


كاتب فلسفي