الخميس، 24 سبتمبر 2026

النتائح العكسية للضغط الصيني على اليابان


بقلم: عبدالله المدني*

تمر العلاقات الصينية اليابانية اليوم بأسوأ حالاتها. وهي لئن كانت دوما تحت وطأة أحمال تاريخية قديمة ونزاعات حول الأراضي والمياه، إلا أنها عانت منذ نوفمبر 2025 من تداعيات تصريحات أطلقتها رئيسة الحكومة اليابانية "ساناي تاكائيتشي" في برلمان بلادها، بأن "أي هجوم عسكري صيني على تايوان سيشكل وضعا يهدد بقاء اليابان، وبالتالي فلا بد من تدخل القوات اليابانية"، وهو ما اعتبرته الحكومة الصينية موقفا عدائيا وتصرفا غير مقبول.

مذاك راحت بكين تمارس الضغوط وتطلق التهديدات وتفرض العقوبات على جارتها اليابانية لثنيها عن مواقفها بخصوص تايوان، وإجبارها على القبول بمبدا الصين الواحدة. من جانبها رفضت حكومة تاكائيتشي المواقف الصينية المتشنجة، وأقدمت على خطوات مضادة مثل: توسيع نطاق تدريباتها العسكرية مع أستراليا والهند وإندونيسيا والفلبين، وتنويع سلاسل التوريد، والإعلان عن رفضها التراجع بشأن ملف تايوان، والعمل من أجل تغيير سياساتها الدفاعية السلمية. وهكذا راحت العلاقات بين البلدين تزداد سوءا وتوترا.

ومن المناسب هنا أن نعيد التذكير بأن قضية تايوان تحظى بأهمية بالغة في السياسة الداخلية للصين، وليس فقط في سياستها الخارجية، وهي في الوقت نفسه قضية تهم اليابان لأن الأخيرة احتلتها لمدة 50 عاما عقب هزيمة الصين في الحرب اليابانية الصينية بين عامي 1894 و 1895، وتعاملت آنذاك مع التايوانيين على أنهم رعايا يابانيين وليسوا صينيين.

أما الجديد في الموضوع فهو أن وفدا من المشرعين اليابانيين، مكونا من ممثلين عن الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم وحزب "كوميتو" و"تحالف الإصلاح الوسطي" المعارضين، زار مؤخرا الصين في مسعى تصالحي، والتقى هناك بنائب رئيس الدائرة الدولية في الحزب الشيوعي الصيني الحاكم "لوكانغ". لكن بدلا من أن يستجيب المسؤول الشيوعي الصيني لمساعي الوفد الزائر، ويثمن المبادرة التصالحية اليابانية، راح يصعد، معلنا رفضه المصالحة ومؤكدا أن بلاده تعتزم الابقاء على العقوبات التي فرضتها على اليابان إلى أن تلبي تاكائيتشي المطلب الصيني بسحب تصريحاتها "العدائية" بشأن تايوان.

والحقيقة ان بكين بهكذ موقف فوتت على نفسها فرصة التفاهم مع طوكيو، مثلما حدث في مناسبات سابقة حول قضايا خلافية ثنائية. وهو ما اعتبره بعض المراقبين بمثابة نهج متشدد جديد في السياسة الخارجية الصينية، يبعدها عن النهج البراغماتي الذي اتصفت به في العقود الأخيرة، بينما اعتبره، من وجهة نظري، نهجا فاشلا غير فعال لم يؤد إلا إلى نتائج عكسية، بمعنى أن حكومة تاكائيتشي لم ترهبها التهديدات الصينية، ولم تتراجع عن موقفها المعلن، بل وعملت بخطى حثيثة على تجاوزها عبر صياغة موقف دفاعي قوي مع الدول الحليفة. ذلك أن جميع الخطوات التي اتخذتها بكين خلال الأشهر العشرة الماضية، ومنها وقف وإلغاء التبادلات الثقافية، وفرض قيود على التبادلات السياحية ، وتقليص الواردات الصينية من المأكولات البحرية اليابانية، وحظر توريد الصادارات ذات الإستخدام المزدوج إلى اليابان (بما في ذلك المعادن النادرة)، لم تؤثر في اليابان إلا بدرجة طفيفة جدا.

وبالمثل لم تعان اليابان الذعر من الأنشطة العسكرية الصينية بالقرب من حدودها، بما في ذلك قيام الجيش الأحمر الصيني بتسيير دوريات لسفنها وطائراتها داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة لليابان، وقيامه بتدريبات ومناورات بالذخيرة الحية في محيط جزيرة "أوكينوتوري" الواقعة في بحر الفلبين والتي تمثل أقصى نقطة في جنوب اليابان، دعك من إقدام الصين باستفزازات مثل إرسال سفن أبحاث للقيام بمسح تحت سطح الماء قبالة جزيرة أوكيناو. 

وحينما أيقنت بكين أن عقوباتها وتهديداتها لم تهز اليابان قيد أنملة، لجأت إلى إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع روسيا مثلما حدث في يونيو 2026، حينما حلقت قاذفات صينية وروسية معا فوق بحر اليابان، علما بأن هذا الإجراء لم يثمر إلا عن تزايد قلق اليابان من روسيا باعتبارها تمثل تهديدا أمنيا محتملا، وهو قلق شعر به اليابانيون منذ أن غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022.

ونختتم بالقول أنه ليس أمام بكين الآن سوى الانتظار حتى سقوط حكومة تاكائيتشي، آملا في أن تخلفها حكومة أكثر تجاوبا مع المطالب الصينية، وهو أمل مشكوك فيه لأن تاكائيتشي تحظى بشعبية قوية، وحكومتها تستند إلى دعم برلماني قوي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م

 


الجمعة، 11 سبتمبر 2026

الانتخابات الاسرائيلية، مصير بين المقاطعة والتشويه والتقصير


كتب جواد بولس


 بعد تقديم القوائم المشاركة في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة، قدّم حزب "عوتسما يهوديت"، الذي يترأسه الوزير ايتمار بن غفير، يوم الاربعاء الفائت، طلبا الى "لجنة الانتخابات المركزية"  لشطب "القائمة العربية الموحدة" التي يرأسها د. منصور عباس.

وقد كانت هذه الخطوة متوقعة؛  فمحاولات شطب القوائم العربية ومنعها من المشاركة في هذه الانتخابات تندرج في صلب برامج الأحزاب اليهودية اليمينية المتطرفة وتتماشى مع مطلبها العنصري بضرورة إقصاء المواطنين العرب عن الحياة السياسية.

يشار الى أن "لجنة الانتخاب المركزية" هي جسم سياسي مكوّن من ممثلي أحزاب الكنيست ويرأسها القاضي المستوطن نوعم سولبرغ، قاضي المحكمة العليا. قد تقبل هذه اللجنة بتركيبتها الحالية طلب شطب القائمة الموحدة، وعندها ستنتقل المواجهة الى ساحة المحكمة العليا، التي من المرجح أن ترفض الطلب وتُبقي على ترشيح القائمة، كما حدث مرات سابقة مشابهة.

بدأت مقالتي بتسليط الضوء على محاولات القوى اليمينية العنصرية الدؤوبة بالمسّ بأحد أهم مستحقات المواطنة في الدول التي تعتمد في نظامها السياسي مبدأ الديمقراطية البرلمانية، وهو حق جميع المواطنين في المشاركة بالعملية السياسية التي تحدد طبيعة وشكل النظام السياسي للدولة. لا يمكننا الحديث عن محاولات الاقصاء العنصرية من دون أن نتناول محاولات الاقصاء الذاتية التي تنادي بها بعض الجهات الناشطة بين المواطنين العرب أنفسهم. وإن تعودنا في الماضي على خوض هذه النقاشات بروتينية مكررة، لا يمكن أن نتجاهل خصوصيتها في هذه اللحظات السياسية المفصلية التي ستكون فيها الانتخابات لا مجرد موعد دوري لاختيار 120 برلمانيا ،بل اختبارا حقيقيا ومصيريا لتحديد مكانة المواطن العربي وقدرته على التأثير في مستقبل النظام السياسي الآتي وشروط بقائه ليعيش في ظله. فالدعوات الى مقاطعة الانتخابات، مهما كانت دوافع أصحابها، ومهما كانت مشروعية الانتقادات التي يوجهونها الى الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات المدنية، تحتاج الى نقاش يتجاوز الانفعالات والشعارات التقليدية المعهودة، وينأى عن استحضار مراسم الخيبة من ممارسات بعض القيادات وأطرهم التنظيمية، مهما كانت حقيقية وصحيحة . 

إن الامتناع عن التصويت، في الأوضاع السياسية المتهاوية داخل الدولة ، وإن كان يندرج ضمن الحقوق الطبيعية للمواطنين، سوف تكون له، هذه المرة، نتائج سياسية وخيمة في تحديد موازين القوى داخل البرلمان وخارجه، وقواعد لعبة جديدة بين  مؤسسات الدولة ومواطنيها العرب؛ ولنا في ما يصرحه وينفذه عمليا قادة الأحزاب العنصرية وميليشياتها، أكبر وأوضح دليل على ما ينتظرنا. 

من حق تلك التيارات التي ترفض المشاركة في الانتخابات أن تطرح سؤالها الأساسي: ما جدوى العمل البرلماني إذا كانت قدرة النواب العرب على تغيير الواقع معدومة أو محدودة؟  وما قيمة المشاركة إذا كانت الأحزاب التقليدية قد فقدت جزءا من ثقة الناس، وإذا كانت تلك القيادات عاجزة عن تقديم اجابات مقنعة للأزمات المتراكمة؟ هذه أسئلة مشروعة، بل ان الديمقراطية الحقيقية تحتاج الى مثل هذه الأسئلة، غير أن مشروعية السؤال لا تعني بالضرورة صحة النتيجة التي تقود الى ضرورة المقاطعة.  

يمكن الاجابة على هذه التساؤلات في البداية بتساؤل معاكس، وهو ماذا لو لم يكن ضمن نواب الكنيست نوّاب عرب يدافعون عن حقوق المواطنين ويطالبون بها ويحققون بعضها ويتصدون بنجاح أحيانا لكل ما من شأنه الاساءة لهم؟ أو نواب يهود يدعمون حقوق المواطنين العرب ويتصدون للاساءة المدمّرة لهم كما يخطط له نواب الأحزاب العنصرية الفاشية المتطرفة ؟  

السياسة ليست فن تحقيق الممكن الكامل، بل تعني، في وجهها الآخر، فن ادارة الممكن في ظل موازين قوى غير متكافئة؛  بيد أنها تعني في الأصل القدرة على صياغة هذا الممكن والمشاركة في تشكيله من موقعك وأنت تحافظ  على مجتمع حصين ومتماسك وعلى هويتك الوطنية ومتمسكا بطموحاتك المبدئية. لا يدّعي المشاركون في الانتخابات أن البرلمان/الكنيست هي الساحة النضالية الوحيدة التي  يمكن فيها صياغة هذا الممكن وتشكيله ؛ لكنها تبقى، من دون شك، أهم هذه الساحات وأكثرها اتاحة كي يمارس المواطن المسيّس والعادي والقلق أحد أهم حقوق المواطنة وواجباتها، وهو محاولة التأثير على شكل نظام الحكم وقوانين الدولة ووظائف مؤسساتها السيادية. وكما يطرح المقاطعون تساؤلاتهم النظرية حول شرعية المشاركة في البرلمان الصهيوني أو نجاعة تلك المشاركة، يمكن مساءلتهم بمثلها : فما هي ساحات نضالاتهم الناجعة والمؤثرة التي قاموا بها خارج ساحات البرلمان ووفقا لمبادئهم وبرامج نضالاتهم؟ وهل ساهمت خياراتهم بافشال سياسات القمع والعنصرية والحد من صعود القوى اليمينية المتزمتة والعنصرية والفاشية، التي تتأهب، من خلال الانتخابات المقبلة، أن تستلم زمام الحكم لتنهي ما بدأت بتنفيذه في دورة الحكومة الحالية؟  



يمكننا تحديد أربع جهات رئيسية تطالب بمقاطعة الانتخابات. أولها أصحاب مشروع دولة الخلافة الاسلامية؛ فعقيدة هذا التيار لا تجيز لهم الاعتراف بالمؤسسة السياسية الأم، ولا إضفاء الشرعية عليها بما يتجاوز معنى المشاركة الإجرائية، مثل مشاركتهم في السلطات المحلية مثلا. هذا موقف فكري نحترمه لكننا نختلف معه ونناقش تداعيته واسقاطاته، لا على من يؤمنون به وحسب، إنما على جميع أبناء المجتمع ومن هم خارجه ويتأثرون بتبعاته.

أما التيارات التي ترى في المقاطعة تعبيرا عن موقف وطني وقومي، فالنقاش معهم كان وما زال حول طبيعة الدولة وحدود المشاركة والانخراط في مؤسساتها؛ وهو خلاف سياسي وفكري قديم ومشروع. لكن السؤال العملي الموجه له يبقى: هل أدت في الماضي أو ستؤدي المقاطعة في الظرف السياسي الحالي الى تحقيق الأهداف التي ينشدونها؟  وما هي هذه الأهداف فعلا؟ أم أن المقاطعة تركت وستترك الساحة للقوى السياسية الأخطر علينا وعليهم، فالساحات لا تعرف الفراغ ولا السياسة تقبل من يجعلها عاقرا. 

وهناك من يطالبون بالمقاطعة من يأسهم، بسبب تراجع دور الأحزاب والحركات السياسية وغياب دور المؤسسات القيادية واختلال عمل مؤسسات المجتمع المدني؛ وهي الفئة التي أنهكتها الخيبات. لا تضمن السياسة النتائج الذي يريدها المواطن، كما ولا يوجد حزب يستحق ثقة المواطن المطلقة، ولكن الفرق بين الناخب الذي يصوت ثم يبقي لنفسه الحق كي يحاسب من انتخبه، والمواطن الذي ينسحب ويقاطع، أن الأول يحتفظ بأداة التأثير وقدرته على المساءلة، بينما يتنازل الثاني عنها ويتخلى عن دوره كعضو حيوي ومؤثر في مجتمع مهدد ومحاصر.

أما الفئة الرابعة، وقد تكون اخطر الفئات جميعها، فهي فئة المزايدين والمحرضين والمدسوسين الذين يقومون بنشر مسببات التيئيس المغرض والتشهير والدعوة الى اعتماد هويات متشظية ووهمية والتحريض على جميع الأحزاب العربية والقيادات العربية وعلى جميع المؤسسات بهدف تقويض شرعيتها. ومن خلال تقويض شرعياتهم ينتقلون للهجوم على شرعية العمل السياسي الوطني بهدف إخلاء الساحات لعملاء ووكلاء سياسات القمع والعنصرية والاضطهاد والطائفية؛ وهؤلاء يجب فضحهم والتصدي لهم. 

يخطىء من لا يرى أن الانتخابات المقبلة هي معركة على انتاج القوة السياسية التي ستضع حدود الشرعية في كل التقاطعات التي سنواجهها، نحن المواطنين العرب، في علاقاتنا مع مؤسسات الدولة ؛ وفي هذا السياق يصبح التصويت فعلا من افعال المواطنة الفاعلة والمشتبكة،  لا فعلا من أفعال الولاء. قد نختلف على تقييم دور الأحزاب وعلى جدوى العمل البرلماني وعلى حدود المشاركة في نظام سياسي لا نتفق معه، قد نختلف على كل ذلك، ولكن يجب ألّا يتحول هذا الاختلاف الى صراع بين "المخلصين" "والخونة"  أو بين المشاركين والمقاطعين، بل يجب أن يبقى نقاشّا مسؤولا حول أي الخيارات يمنح مجتمعنا قدرة أكبر على الصمود وحماية وجوده ومصالحه وصيانة حرياته ومحاسبة ممثليه والتأثير على القرارات التي ستحدد مستقبل ومساحات وجوده في الدولة.

انها معركة على المصير .    

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

مأساة نيبال .. أسبابها وتداعياتها وتحذيراتها؟

 


بقلم: د. عبدالله المدني*

فوجيء العالم بأسره مؤخرا بصور صادمة بثتها وكالات الأنباء العالمية عن بشاعة الكارثة وحجم الخسائر والتدمير الذي تعرضت لها دولة نيبال الفقيرة اقتصاديا والمعزولة جغرافيا في منتصف نهار 26 أغسطس المنصرم، ما حدا ببعض الدول المعروفة بجهودها الإغاثية إلى سرعة إرسال المساعدات الإنسانية.

شبه البعض ما حدث بكارثة التسونامي المدمرة في اليابان في 11 مارس 2011، والتي تسببت في خسائر بشرية ومادية ضخمة، مع فارق أن تسونامي اليابان كان عبارة عن زلزال في المحيط الهادي قبالة السواحل اليابانية الشرقية، خلف أمواجا عاتية تجاوز ارتفاعها عشرة أمتار، بينما تسونامي نيبال حدث جراء اندفاع موجة هائلة من المياه والجليد والصخور والطين والقاذورات لمسافة تزيد عن 170 كيلومترا عبر وادي نهر "بوت كوشي"، وهو واد يربط العاصمة النيبالية كاتمندو بعاصمة التبت لاهاسا. ويسلكة عادة السياح الأجانب وعشاق تسلق الجبال. ولا ننسى هنا فارقا آخر بين الكارثتين وهو أن اليابان نجحت في إحتواء وتجاوز كارثتها بسرعة قياسية بسبب امكاناتها اللوجستية الهائلة وخبرتها الطويلة في التعامل مع الكوارث الطبيعية، بينما عجزت نيبال عن القيام بعمل مماثل لإفتقارها إلى المال والأجهزة والخبرة ووسائل الانذار المبكر، وهو ما تسبب في تحول يوم عادي في حياة النيباليين المسالمين إلى كابوس مؤلم. حيث جرفت المياه قرى بأكملها مع سكانها، وهدد باجتياح تجمعات سكانية في منطقتي نواكوت ودادينغ، وانهار نحو 30 جسرا، وتضررت الطرق ووسائل المواصلات، وانقطعت خدمات الاتصالات، وتهدمت آلاف المنازل، وعثر على 360 جثة طافحة فوق المياه، وأبلغ عن فقدان آلاف المواطنين والعديد من قوات الأمن ونحو 644 سائحا من 33 دولة. 

يرجع الخبراء المتخصصون في الجيومورفولوجيا الجليدية وعلم المناح وتضاريس منطقة الهيمالايا الكارثة التي حلت بنيبال إلى انهيار مفاجيء لجزء ضخم من نهر جليدي بعد انهيار الصخور الأساسية التي كانت تستند إليها الكتلة الجليدية، ويؤكدون أنه بسبب تفاقم التغير المناخي والاحتباس الحراري تشهد الانهار الجليدية حول العالم ذوبانا مستمرا، حتى في المناطق شاهقة الارتفاع مثل جبال الهيمالايا، بل أن بعض هؤلاء الخبراء يشير إلى أن جبال الهيمالايا تحديدا معرضة لخطر كبير لأن ارتفاعها الشاهق ومنحدراتها الشديدة، المكونة من طبقات من الصخور والتربة المتجمدة منذ آلاف القرون، تبدأ في الذوبان مع ارتفاع درجات الحرارة، فتفقد استقرارها. وإذا ما حدثت هزة أرضية أو حدث انهيار للمنحدر، فإن ذلك يخلق بالتأكيد تدفقا مفاجئا قويا ومدمرا، خصوصا وأن مخزونات الجليد في الهيمالايا هائلة جدا، وتفوق ما هو موجود في أي مكان آخر باستثناء القطبين الشمالي والجنوبي.

وبسبب قوة الموجة المندفعة، وارتفاعها إلى نحو 30 مترا، جرفت في طريقها كتلا كبيرة من الصخور والأحجار والأشجار الضخمة التي قامت بدورها بتحطيم كل ما كان في طريقها من مساكن وبشر وأدوات وآلات وحيوانات، محولة منطقة كانت تعج بالمساكن والحركة إلى مكان قاحل يسوده صمت القبور. ويمكن تفسير ضخامة القوة المندفعة، وبالتالي ضخامة حجم الخسائر المادية إلى أن الانهيار الجليدي وما رافقه من انهيار صخري جاء من علو ناهز 5200 متر، وبدأ انحدارا حادا نحو قاع الوادي جارفا كل شي أمامه، هذا علما بأن سقوط كميات ضخمة من الصخور من علو شاهق يولد عادة قدرا كبيرا من الحرارة الكافية لتذويب كتل الجليد وتحويلها إلى مياه متدفقة قوية. 

والجدير بالذكر أن حوادث انهيار الأنهار الجليدية المؤدية إلى كوارث ناجمة عن الفيضانات وتدفقات الحطام تكررت في السنوات الأخيرة. فالنيبال نفسها شهدت في عام 2025 فيضانا اصغر قوة وأقل تدميرا تسبب في خسائر محدودة، بينما شهدت سويسرا في العام نفسه ذوبان نهر جليدي وبالتالي تدفق هائل للحطام تسبب في تدمير قرية "بلاتن". وفي عام 2023 أدى انهيار وقع في جورجيا إلى فيضانات وخسائر بشرية ومادية في إحدى المنتجعات الجبلية.

وطبقا لخبراء الزلازل والفيضانات والانزلاقات الأرضية، فإن بعض الإجراءات مثل: الخفض السريع لانبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير وسائل مراقبة المناطق الجبلية، والاستعداد الدائم للقيام بعمليات إجلاء سريعة ومنظمة، قد تساعد في تقليل الخسائر والحيلولة دون وقوع مآسي انسانية صادمة كما حدث في النيبال.

وأفادت تقارير حكومية أوليه بأن النيبال خسرت في صباح واحد استثمارات تزيد قيمتها عن 200 مليار روبية، وهو ما يعني خسارة كبيرة لإقتصاد ضعيف مثل الاقتصاد النيبالي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م



الأحد، 6 سبتمبر 2026

الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين حدين: ضغوط خارجية، وحاجة وطنية لتجديد الشرعيات


فتحي كليب / مسؤول دائرة العلاقات الخارجية

في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

تشكل الانتخابات البرلمانية في مختلف دول العالم، فضلا عن كونها شكلا من أشكال إشراك المواطنين في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، عبر انتخاب من يمثلهم في المؤسسات الوطنية، إحدى أهم أدوات التغيير السياسي والمجتمعي، وتجديد الحياة الديمقراطية، وإعادة إنتاج الشرعيات. فالانتخابات لا تقتصر وظيفتها على اختيار ممثلين جدد، وإنما تتيح للمجتمع مراجعة تجربته السياسية، ومحاسبة مؤسساته، وتجديد قياداته، وإعادة ترتيب أولوياته الوطنية، بما يتلاءم مع المتغيرات والتحديات التي يواجهها.

غير أن الحالة الفلسطينية، بما يحيط بها من تعقيدات، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته على الأرض والحدود وموارد الشعب الفلسطيني، تجعل من الانتخابات استحقاقا مختلفا في دلالاته ووظائفه. فالشعب الفلسطيني لا يعيش، حتى الآن، في دولة مكتملة السيادة، وإنما ما زال في مرحلة تحرر وطني، الأمر الذي يفرض على العملية الديمقراطية الفلسطينية أن تأخذ بعين الاعتبار طبيعة هذه المرحلة ومتطلباتها، وأن توائم بين ضرورات البناء الديمقراطي الداخلي ومتطلبات النضال الوطني وأهدافه.

بهذا المعنى، تبدو الوظيفة الأساسية للانتخابات غائبة إلى حد كبير عن المشهد الفلسطيني الراهن. فبدل أن تشكل الانتخابات العامة مدخلا ديمقراطيا لإعادة بناء الحياة السياسية، وتوحيد الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والمجتمعية حول رؤية وطنية مشتركة وأهداف جامعة، قد تتحول، في ظل استمرار الانقسام وغياب التوافق السياسي، إلى عامل جديد يعمّق حالة التشرذم والاستقطاب، ويكرّس الانقسام القائم، بدل أن تسهم في تجاوزه وإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس ديمقراطية.


ان الانتخابات ليست مجرد آلية لإدارة الخلافات، وإنما هي في الأساس أداة لترسيخ الوفاق الوطني، الذي يجب أن يسبق العملية الانتخابية، لا أن يكون نتيجة لها. فليست مخرجات الانتخابات وحدها القادرة على معالجة الأزمات، بل إن نجاحها يرتبط بوجود توافق مسبق على القضايا الوطنية الأساسية. والمقصود بالوفاق هنا ليس إخفاء الخلافات أو تشكيل قوائم ائتلافية شكلية، وإنما بناء توافق سياسي حقيقي حول الأسس والمبادئ المشتركة. ومن الممكن تحقيق وفاق سياسي حتى في ظل تعدد القوائم الانتخابية وعدم وجود وفاق انتخابي. لذلك، ينبغي أن تكون الانتخابات مدخلا لبناء مرحلة جديدة وتعزيز المشروع الوطني، لا وسيلة لإدارة الأزمة أو تكريس الانقسام. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا نذهب إلى الانتخابات في ظل غياب التوافق على الأسس الوطنية التي ينبغي أن تقوم عليها؟

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية بشكل خاص، أن الاحتكام إلى منطق الأغلبية والأقلية، بمعناه العددي المجرد، في ظل غياب التوافق الوطني، لم يؤد إلى بناء نظام سياسي مستقر، بل أسهم في تعميق الصراع الداخلي، ووصل في مراحل سابقة إلى صدامات مؤلمة ما زال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنها حتى اليوم. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إجراء الانتخابات، وإنما في توفير البيئة السياسية والوطنية التي تجعل من نتائجها مدخلا للشراكة، وليس مناسبة جديدة لإنتاج الانقسام.

أما على مستوى الوظيفة الثانية للانتخابات، وهي التغيير، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدا، وتقترب أحيانا من حدود التمنيات والآمال، في ظل عدم وجود قناعة راسخة لدى بعض القوى السياسية بضرورة التغيير. فهناك قوى ومراكز نفوذ قد تنظر إلى أي تغيير محتمل باعتباره تهديدا لمواقعها أو نفوذها ومصالحها، وبالتالي قد تتعامل معه باعتباره خسارة سياسية ينبغي مقاومتها بمختلف الوسائل. وهنا تتحول الانتخابات، بدلا من كونها آلية لإعادة بناء النظام السياسي وتجديده، إلى ساحة صراع على النفوذ والمواقع.

ومن هنا تبرز القضية الأساسية التي يقر بها الجميع نظريا، لكن قلة تعمل على ترجمتها واقعا على الأرض، وهي أن أي أطر أو مؤسسات وطنية ستنتج عن الانتخابات ستظل محكومة بالتعقيدات التي يفرضها الاحتلال. فواقع الاحتلال يجعل المسألة الفلسطينية مختلفة عن التجارب الديمقراطية في الدول المستقلة ذات السيادة الكاملة. ونحن لا نزال نعيش مرحلة تحرر وطني، وبالتالي فإن ما ينبغي أن يحكم علاقتنا الداخلية هي قوانين الشراكة والتوافق الوطني.

ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال التقليل من قيمة الديمقراطية أو الانتخاب، بل على العكس، فإن الديمقراطية الحقيقية في الحالة الفلسطينية يجب أن تتسع لمفهوم الشراكة، وأن تجعل من المؤسسات المنتخبة إطارا جامعا لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني، لا أداة لإقصاء طرف أو استبعاد قوة سياسية أو اجتماعية. فالديمقراطية الفلسطينية المنشودة هي تلك التي توفق بين حق المواطن في اختيار ممثليه، وبين الحاجة الوطنية إلى حماية وحدة الشعب والقضية والنظام السياسي.

وبغض النظر عن التمنيات والطموحات، فإن الحقيقة الماثلة أمامنا اليوم هي أن الانتخابات الفلسطينية تسير على حدين متعاكسين: الأول يتمثل في الضغوط الخارجية لإجراء الانتخابات، بغض النظر عن الاعتبارات والخلفيات التي تقف خلف هذه الضغوط، وهي اعتبارات لا تنسجم بالضرورة مع الدوافع والحاجات الفلسطينية الداخلية لإجراء الانتخابات. والثاني يتمثل في الحاجة الفلسطينية الحقيقية إلى تجديد شرعيات مؤسساتنا الوطنية، وضخ دماء جديدة فيها، وإتاحة المجال أمام جيل جديد من الشباب للمشاركة في الحياة السياسية، وتقديم رؤى وأفكار جديدة قادرة على الإبداع في مجال بناء المؤسسات الوطنية والدولة الفلسطينية المنشودة.


ومن المهم هنا الفصل بين الأمرين: فكون هناك ضغوط أو مصالح خارجية تدفع باتجاه الانتخابات لا يعني أن الحاجة الفلسطينية إليها غير حقيقية. فالشعب الفلسطيني بحاجة فعلية إلى تجديد مؤسساته وشرعياته، وإلى إعادة الاعتبار للمؤسسات المنتخبة، وإلى إنهاء حالة الجمود السياسي والمؤسساتي التي تراكمت خلال السنوات الماضية.

وبالرغم من كل ما سبق، لا بد من التأكيد الدائم على الأهمية والضرورة الوطنية لتنظيم انتخابات المجلس التشريعي في موعدها المقرر، والنظر إلى ذلك باعتباره خطوة مهمة على طريق إعادة بناء نظامنا السياسي الفلسطيني وإصلاح مؤسساته، على أسس الديمقراطية التشاركية، وفي إطار مؤسساتي يحفظ التعددية السياسية ويضمن مشاركة الجميع.

فالانتخابات التشريعية ينبغي أن تكون جزءا من مسار وطني شامل لإعادة بناء النظام السياسي، وأن تشكل خطوة على طريق إنهاء الانقسام والتشتت، لصالح انضواء الجميع تحت سقف منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والإطار الوطني الجامع لمختلف مكوناته السياسية والاجتماعية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدعوة إلى حوار وطني شامل تشارك فيه القوى والفصائل الفلسطينية كافة، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة وممثلي المجتمع المدني والفعاليات المجتمعية، بهدف رسم الخطوات والضمانات الكفيلة بوصول موكب الانتخابات إلى محطته الأخيرة بسلام، وبما يحول دون تحويلها إلى محطة جديدة للصراع الداخلي.

إن الحوار الوطني المطلوب ليس حوارا لتأجيل الانتخابات أو الالتفاف عليها، وإنما حوار لتوفير شروط نجاحها، والاتفاق على قواعد اللعبة السياسية، وضمان احترام نتائجها، ومنع استخدامها كوسيلة لإقصاء الآخرين. كما ينبغي أن يهدف إلى إعادة تقديم الحالة الوطنية الفلسطينية أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي، من موقعها القادر على تجاوز الصعوبات والانقسامات، والتوحد في الميدان وفي المؤسسة، بما يصون مصالح شعبنا وحقوقه الوطنية المشروعة.

وفي هذا الإطار، يجب أن تكون الانتخابات جزءا من استراتيجية وطنية أوسع، تعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة، وفي مختلف أماكن وجوده، وتؤكد حقه في النضال من أجل الحرية وتقرير المصير والاستقلال وحق العودة، تحت سقف منظمة التحرير الفلسطينية.

إن تشكيل المجلس التشريعي، من خلال انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وديمقراطية، يمثل خطوة شديدة الأهمية على طريق إصلاح نظامنا السياسي الفلسطيني، فالمؤسسات المنتخبة ليست مجرد هياكل قانونية، وإنما هي تعبير عن الإرادة الشعبية، وعن حق المواطنين في الرقابة والمساءلة والمشاركة في صناعة القرار. ومن هنا، فإن إعادة تفعيل الحياة البرلمانية من شأنها أن تعيد التوازن إلى النظام السياسي، وتعزز الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وتفتح المجال أمام نقاش عام حول السياسات الوطنية والاجتماعية والاقتصادية، بما يسهم في استعادة ثقة المواطن بمؤسساته.

كما أن تشكيل المجلس التشريعي من خلال انتخابات حرة وديمقراطية وشفافة في الضفة الغربية، وفي القلب منها القدس، وفي قطاع غزة، من شأنه أن يكفل وحدة الضفة والقطاع تحت ولاية المؤسسة الوطنية الفلسطينية الجامعة، وأن يغلق الطريق أمام المشاريع والمحاولات المفضوحة لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، أو التعامل مع القطاع باعتباره كيانا منفصلا له مسار سياسي خاص.

وفي هذا السياق، فإن الحكومة الفلسطينية الجديدة التي ستنال ثقة المجلس التشريعي يجب أن تتولى واجباتها الوطنية تجاه أبناء شعبنا في قطاع غزة، بالمساواة الكاملة مع مسؤولياتها تجاه شعبنا في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بما يضمن إطلاق مسار وطني مشترك، تقوده منظمة التحرير الفلسطينية، على طريق الحرية والاستقلال وحق العودة.

لذلك، فإن تعطيل الانتخابات أو تأجيلها بصورة متكررة من شأنه أن يشوه البنية السياسية لنظامنا، ويضعف ثقة الشعب بمؤسساته وقدرتها على حمايته وضمان مصالحه وحقوقه الوطنية المشروعة، كما يوسع الفجوة بين المواطن ومؤسساته، ويعزز حالة الإحباط والعزوف السياسي. وعليه، فإن أي دعوة أو محاولة لإلغاء الانتخابات أو تأجيلها، على غرار ما جرى في العام 2021، لن يكون من شأنها سوى تعميق الشكوك حول جدية المؤسسة الوطنية في تحمل مسؤولياتها تجاه شعبها، وضمان حقوقه الوطنية، وأمام الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي، كما ستطرح أسئلة جدية حول مدى الالتزام بالتوافقات الوطنية السابقة.

وفي المقابل، فإن إجراء الانتخابات في موعدها لا ينبغي أن يعني تجاهل المخاطر أو الصعوبات المحيطة بها، بل يتطلب من الجميع تحمل مسؤولياتهم في توفير شروط نجاحها، وحمايتها من التدخلات الخارجية، وضمان نزاهتها وشفافيتها، والالتزام المسبق باحترام نتائجها، والاتفاق على أن صندوق الاقتراع لا يمكن أن يكون مدخلا إلى الإقصاء أو الاستفراد، بل وسيلة لتجديد الشرعية وبناء الشراكة.

وفي هذا السياق، تندرج مهمة إعادة بناء المؤسسات الوطنية الجامعة، عبر الانتخابات والتوافق الوطني، وعلى أسس التشاركية الديمقراطية، دون إقصاء أو استبعاد لأي مكون من مكونات شعبنا، لأن قوة النظام السياسي الفلسطيني لا تقاس بقدرة طرف على السيطرة على مؤسسات القرار، وإنما بقدرته على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي وتحويله إلى مصدر قوة وطنية.

إن الانتخابات التشريعية المقبلة، إذا ما جرى ادارتها في إطار وطني مسؤول، يمكن أن تشكل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتجديد المؤسسات والشرعيات، وإشراك جيل جديد من الشباب، واستعادة ثقة المواطن، وفتح الطريق أمام مصالحة وطنية حقيقية. أما إذا جرى التعامل معها باعتبارها مجرد استحقاق قانوني أو معركة لتثبيت مواقع النفوذ، فإنها قد تتحول إلى عامل إضافي في تعميق الأزمة. فالنجاح الحقيقي للانتخابات لا يقاس فقط بيوم الاقتراع أو بعدد الناخبين والمقاعد التي تحصل عليها هذه القوة أو تلك، وإنما بقدرتها على فتح الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإعادة توحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، وتوفير إطار وطني جامع قادر على مواجهة الاحتلال ومشاريعه، وصون الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا.

وبهذا المعنى، فإن المعركة الحقيقية ليست بين حزب وآخر، ولا بين أغلبية وأقلية، وإنما بين منطقين: منطق الاستفراد والإقصاء وإدارة الانقسام، ومنطق الشراكة الوطنية والديمقراطية والتوافق وإعادة بناء المؤسسات. والخيار الذي ينبغي أن ينتصر هو الخيار الذي يجعل من الانتخابات أداة لتوحيد الشعب الفلسطيني، وتجديد شرعيته، وإعادة بناء مؤسساته، وتعزيز قدرته على مواجهة الاحتلال والدفاع عن حقوقه الوطنية، وصولا إلى الحرية والاستقلال والعودة.


السبت، 5 سبتمبر 2026

إلى دولة رئيس وزراء أستراليا السيد أنتوني ألبانيزي المحترم: إستنكار تدمير بلدات وقرى جنوبيّة لبنانيّة والمطالبة بموقف أسترالي حازم




دولة رئيس الوزراء المحترم  

نحن أبناء الجالية الأستراليّة ـ اللبنانية نتوجّه إليكم بهذا البيان لنعبّر عن بالغ استنكارنا وإدانتنا الشديدة لما ترتكبه إسرائيل من أعمال تدمير واسعة بحقّ بلدات وقرى في جنوب لبنان، وما يرافق ذلك من هدم للمنازل وتدمير للممتلكات الخاصّة والعامّة واستهداف للبنى التحتية والمرافق الحيويّة التي يعتمد عليها السكّان في حياتهم اليوميّة.

إنّ ما يجري في جنوب لبنان يثير لدينا ألماً عميقاً ولا سيّما أن أعداداً كبيرة من أبناء الجنوب يعيشون في أستراليا ويعتبرونها وطنهم الثاني فيما يبقى لبنان وطنهم الأوّل، وجنوب لبنان أرض آبائهم وذكرياتهم وبيوتهم التي يعودون إليها كلّما سنحت لهم الفرصة. وقد جرى تدمير عدد كبير من هذه البيوت التي بناها أصحابها بجهد سنوات طويلة والتي كانت ملاذاً لهم ولعائلاتهم خلال زياراتهم إلى وطنهم الأم.

إننا نستنكر بشدّة سياسة تدمير المنازل والممتلكات المدنيّة بصورة منهجيّة ونرى أن استهداف بيوت المدنيين وممتلكاتهم، من دون مبرِّر قانوني واضح أمر لا يمكن تبريره. 

ومن هنا نطالب حكومة أستراليا الفيدرالية التي نؤمن بدورها في الدفاع عن سيادة القانون وحماية المدنيين بأن تتّخذ موقفاً واضحاً وحازماً اتجاه ما يجري وأن تشجب أعمال التدمير وأن تعمل عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة من أجل وقف هذه الأعمال وحماية السكّان والمنشآت المدنيّة.

كما نطالب الحكومة الأستراليّة بأن تعمل على ضمان حقّ المواطنين الأستراليين من أصل لبناني الذين دُمِّرت منازلهم وممتلكاتهم في جنوب لبنان، في الوصول إلى آليّات قانونيّة عادلة للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم. 

ونحن نلفت عنايتكم دولة رئيس الوزراء إلى التصريحات التي صدرت عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن التعامل مع مناطق في جنوب لبنان على نحو يشبه ما جرى في غزّة، إن مثل هذه التصريحات تثير مخاوف جديّة من اتساع نطاق الدمار واستهداف المناطق المدنيّة الأمر الذي يستوجب من الحكومة الأستراليّة موقفاً واضحاً وعدم التهاون مع أي أعمال قد تؤدّي إلى المزيد من قتل المدنيّين وتدمير منازلهم وقراهم ومؤسّساتهم.

إنّنا نؤمن بأنّ أستراليا بما تمثّله من دولة ديمقراطيّة تحترم القانون وحقوق الإنسان قادرة على أن تؤدّي دوراً إيجابيّاً  ومسؤولاً في الدعوة إلى حماية المدنيّين واحترام القانون الدولي.  

وفي الوقت الذي نعبّر فيه عن تضامننا الكامل مع أهلنا في جنوب لبنان نؤكد أنّ مطلبنا ليس موجّهاً ضدّ أيّ شعب أو جماعة بل هو دفاع عن حق المدنيّين في الأمن والحياة والكرامة وعن حقّهم في بيوتهم وأرضهم وممتلكاتهم. 

لذلك نناشد دولتكم وحكومتكم الفيدراليّة أن تتحمّلوا مسؤوليتكم وأن ترفعوا صوت أستراليا بوضوح ضدّ أيّ انتهاكات تستهدف المدنيّين وممتلكاتهم وأن تعملوا من أجل وقف التدمير وحماية القرى والبلدات الجنوبية وضمان حقوق المتضررين ومن بينهم المواطن الأسترالي من أصل لبناني في العدالة والتعويض.

وتفضّلوا دولة رئيس الوزراء بقبول فائق الاحترام والتقدير. 

ـ اللّقاء التشاوري الأسترالي اللبناني. 


الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026

من سيفشل حرب ترامب الاقتصادية ضد ايران؟


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن حرب إقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الايراني لتركيعه أو اسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن "أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات او الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة". 

وبعد أن توعد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بقطع شريان التمويل عن الاقتصاد الايراني عبر توسيع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات الاصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري وتهديده كل دولة تسهل غسل الاموال الايرانية باستبعادها من نظام الدولار، اتجهت الأنظار إلى عدة دول تربطها بإيران علاقات اقتصادية وتجارية ونفطية متينة. غير أن الأنظار تركزت تحديدا على الصين، باعتبارها الشريك التجاري الأهم لإيران والمستورد الأكبر لنفطها (تستحوذ الصين على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية)، ولأن العقوبات الأمريكية على طهران لن تكون مؤثرة تماما ما لم تمتثل لها بكين. 

ويصدق هذا القول، بدرجة أقل، على موسكو التي تعتمد عليها طهران في مجالات تعاون حيوية أخرى. خصوصا وأن وزير الاقتصاد الإيراني "علي مدني زاده" ذكر الصين وروسيا بالإسم في معرض تعليقه على القرارات الأمريكية، حينما قال ما مفاده أن الحرب الاقتصادية الأمريكية على بلاده مآلها الفشل لأن الصين وروسيا لن توافقا عليها ولن تمتثلا لها.

يعتقد مراقبون كثر، أن دولا مثل باكستان وتركيا والعراق، وجميعها ساهمت بصورة أو بأخرى طيلة السنوات الماضية في تقويض العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال تهريب النفط والمقايضة وغسيل الأموال وتزوير سجلات السفن وتأسيس الشركات الوهمية، سوف تضطر إلى الانصياع للمطالب الأمريكية، لكن من المستبعد أن ترضخ الصين وروسيا بسهولة، خصوصا وأنهما ضد مبدأ فرض عقوبات اقتصادية وتجارية أحادية الجانب. وفي هذا السياق، ردت الخارجية الصينية على تصريحات ترامب حول شن حرب اقتصادية على شركاء ايران التجاريين بقولها "أن ذلك لن ينجح في حل التوترات في المنطقة"، كما أن الصينيين لا يريدون خلق سابقة بسماحهم للأمريكان بتحديد من يمكنهم ومن لا يمكنهم التعامل معه.

أما روسيا فإنها تعمل فعليا بمعزل عن النظام المالي الأمريكي وإطار العقوبات الأمريكية، وتربطها منذ 2025 بإيران معاهدة شراكة مدتها عشرين عاما. وبموجب هذه الاتفاقية تعزز كثيرا حجم التجارة بينهما ليصل إلى نحو خمسة مليارات دولار، حيث زودت موسكو طهران بشحنات كبيرة من الذخائر وقطع غيار الطائرات المسيرة مقابل مشتريات ضخمة من المنتجات الزراعية والسمكية والمواد الغذائية والمصنوعات الكيميائية.

ستشكل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لواشنطن هذا الشهر، وهي الأولى لزعيم صيني إلى أمريكا منذ عقد، أول فرصة لمعرفة مدى تصميم واشنطن المضي قدما في تهديداتها ضد الدول المتعاونة مع ايران، لاسيما وأن الصين ليست دولة من الدول الهامشية بالنسبة لإيران وانما دولة تغذيها بالسلاح والتكنولوجيا والسلع ذات الاستخدام المزدوج. كما وأنها تساعدها دبلوماسيا من خلال احباط أية قرارات أممية ضدها في مجلس الأمن، وعسكريا من خلال تزويد حرسها الثوري بصور ملتقطة بالأقمار الصناعية للقواعد والمنشآت الأمريكية في الخليج لتستهدفها. 

فإذا ما قررت إدارة ترامب التعامل الصارم مع الصين كغيرها من الدول فإن من شأن ذلك أن تتعقد أكثر العلاقات الأمريكية الصينية المعقدة أصلا. وإذا كانت واشنطن تملك ورقة حرمان المنتجات الصينية من دخول أسواقها الواسعة أو تقييدها برفع الرسوم الجمركية إلى حدودها القصوى، فإن الصين قد ترد بتقييد تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، وهو ما هددت به سابقا فأجبرت ترامب على التراجع نسبيا عن سياساته المتعلقة بالتعريفات الجمركية. كما وأن بكين قد تصعد باللجوء إلى ورقة تايوان بفرض حصار عليها.

ومن ناحية أخرى، ستواجه الولايات المتحدة معضلة اقناع دول أخرى أقل شأنا بالكف عن التعاون مع إيران. وتأتي تركيا، حليفتها في حلف الناتو على رأس القائمة باعتبارها  ثاني أكبر مستورد للصادرات الإيرانية بعد الصين، ثم تأتي الهند، الشريك الإستراتيجي للولايات المتحدة والتي تعد مصدرا رئيسيا لواردات إيران من الغذاء والدواء. أما باكستان التي تلعب دورا غامضا في الوساطة وحظي قادتها هذا العام بمديح امريكي غير مسبوق فمتورطة في تهريب النفط الايراني وتساعد شركاتها المصرفية على اعادة أموال النفط المهرب والمباع إلى الخزينة الإيرانية بطرق ملتوية، يساعدها في ذلك الطرق البرية المعقدة والعلاقات التاريخية والقبلية التي تربطها بإيران.

وجملة القول أن بكين وموسكو هما اللتان تطيلان عمر النظام الإيراني، وإنْ تظاهرنا خلاف ذلك أمام دول الخليج العربية، وهما اللتان منعتا مرارا صدور قرارات أممية ضدها، وهما اللتان ستحولان دون تنفيذ العقوبات الامريكية بشكل مؤثر. 



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م



الاثنين، 31 أغسطس 2026

العرب الدروز وتداعيات الأزمة السوريّة على الهويّة والانتماء





الهويّة والانتماء لـدى العرب الدروز خطّ أحمر

عُقد يوم السبت الـ 29 آب 2026 يومٌ دراسيّ بمبادرة ناشطين في الحركة الوطنيّة في الجولان المحتلّ والحركة التقدّمية للتواصل – درب المعلّم في مقرّ الحركة؛ ملتقى كمال جنبلاط الفكريّ – بيت جن، يومّ دراسيّ بمشاركة العشرات وعلى مدى 5 ساعات. تناول قضيّة الهويّة والانتماء لدى العرب الدروز ومحاولات التطاول عليها في ظلّ الأزمة السوريّة وآثارها الإقليميّة عربيّا وعلى التجمّعات الدرزيّة في المنطقة. وقد جاء في البيان الختاميّ في معرض توضيح دواعي عقد اللقاء:

 "تأتي الدعوة إلى هذا اللقاء... في لحظة استثنائية فرضتها التطورات المتسارعة في سورية، ولا سيما المجازر التي شهدتها محافظة السويداء، وما خلّفته من تداعيات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت آثارها إلى الدروز في كل أماكن تواجدهم، بالتوازي مع تدخل إسرائيلي متزايد ومحاولات واضحة لتوظيف هذه الأحداث في إعادة صياغة موقع الدروز وعلاقتهم بمحيطهم الوطني والعربي." 

تمحور اللقاء حول محاور ثلاثة:

*الأول: العمل المشترك بين القوى الوطنية في الجولان المحتلّ والقوى الوطنية العربيّة الدرزيّة في إسرائيل.

*الثاني: أزمة السويداء – هل تستطيع القوى الوطنية المساهمة في الدفع نحو حل ضمن وحدة سورية برفد دُعاة الحل الوطني السوري – السوري بموقف داعم؟

*الثالث: لقاءات تشاوريّة مع قوى وطنية عربيّة وعربيّة درزيّة إقليميّة. 

أدار الاجتماع الكاتب المحامي سعيد نفّاع، وقدّم كلّ من د. ثائر أبو صالح، والأستاذ وائل طربيه، والسيّد عماد دغش، ود. نزار أيّوب، والشاعر المحامي سامي مهنّا، والسيّد سلمان فخر الدين مداخلات تناولت المحاور المذكورة، أعقبها نقاش معمّق شارك فيه كُثٌر من الحضور. وفي ختام النقاش طُرح مشروع البيان التلخيصي وبعد مناقشته أُقرّ بالإجماع. (مرفق أدناه كاملًا) وممّا جاء فيه حسب المحاور:

**العمل المشترك: أكد المجتمعون أهمية تطوير وتنسيق العمل الوطني السوري الجولاني – والفلسطيني، على قاعدة مواجهة الاحتلال وسياسات الأسرلة والتفكيك والطائفية ومحاولات زجّ الدروز في المخططات الإسرائيلية تجاه المنطقة، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على خصوصية كل تجربة وانتمائها الوطني. وفي هذا السياق أكد المشاركون على اهمية تشكيل آلية تنسيق مشتركة بين الحركة الوطنية السورية في الجولان المحتل وبين القوى الوطنية الفلسطينية في الـ 48 في أقرب وقت ممكن.  

**أزمة السويداء: الحل في السويداء يبدأ من الاستفادة من تفاهمات آذار وأيار 2025، والاتفاق الثلاثي السوري–الأردني–الأميركي في أيلول 2025، وما صدر لاحقاً عن لجان التحقيق الدوليّة والجهات الأممية والإنسانية؛ بوصفها عناصر يمكن البناء عليها للدفع نحو حوار جدي ومخرج للأزمة ضمن وحدة سورية.

كما رأى المجتمعون أن التوجهات التي يقودها الشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه، وخصوصًا تلك التي تراهن على الدور الإسرائيلي، تنطوي على مخاطر كبيرة. وجاء في البيان: 

"يدين المشاركون بأشدّ العبارات تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي زعم فيها أن الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، وأن بينهم وبينها اشتراكًا «حتى في العقيدة»، ويرون فيها خطابًا منفلتًا يكشف جهلًا فادحًا بموروث عقيدة التوحيد وتاريخ الدروز وهويتهم العربية الإسلامية. إن الزجّ بالعقيدة في تبرير الارتباط بإسرائيل ليس سوى محاولة بائسة ومشينة لاسترضاء رعاته الإسرائيليين، وتوظيف الدين في خدمة مشروع سياسي يتقاطع مع مخططات الاحتلال والتفتيت. وقد آن الأوان لوضع حدّ لهذا النهج الذي قاده الهجري ومجموعته، بعدما عاثوا فسادًا في المشهد، وحوّلوا أهل السويداء إلى رهينة لغاياتهم وحساباتهم السياسية، مقامرين بمصير الجبل وأهله. ويعلن المشاركون إدانتهم القاطعة وبراءتهم التامة من هذه المواقف ومن كل من يتبناها أو يروّج لها، مؤكدين أنها لا تمثل الدروز ولا عقيدتهم ولا تاريخهم وانتماءهم الوطني والعربي، وأن أصحابها وحدهم يتحملون مسؤوليتها وتبعاتها".

**اللقاءات التشاوريّة الإقليميّة: لا يرى المجتمعون ضيرًا في إجراء لقاءات تشاورية لتبادل الرأي ووجهات النظر مع شخصيات اعتبارية أو أكاديمية من لبنان والأردن، حول سبل مواجهة هذه الهجمة على الهوية الوطنية للدروز، ومحاولات قوى إقليمية توظيف مأساة السويداء لتحقيق مصالحها في سورية.

واختُتم اليوم الدراسي بإقرار البيان التلخيصيّ بالإجماع، والاتفاق على متابعة العمل استنادًا على ما خلص إليه اللقاء من مواقف وقرارات. 

للتواصل:

د. ثائر أبو صالح 6985002-058

أ. سعيد نفّاع 7208450-050 

***البيان الختاميّ الكامل

    العرب الدروز: أزمة السويداء والهوية والانتماء 

البيان الختامي لليوم الدراسي

ملتقى كمال جنبلاط الفكري – بيت جن

29 آب 2026

في دواعي اللقاء

تأتي الدعوة إلى هذا اللقاء على أرضية مخرجات البيان الذي صدر عن الاجتماع التشاوريّ الذي عُقد بتاريخ 23 حزيران 2026 بين الحركة التقدميّة للتواصل - درب المعلّم (الـ 48) ومجموعة نت نشطاء الحركة الوطنيّة في الجولان، والذي جاء في لحظة استثنائية فرضتها التطورات المتسارعة في سورية، ولا سيما المجازر التي شهدتها محافظة السويداء، وما خلّفته من تداعيات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت آثارها إلى الدروز في كل أماكن تواجدهم، بالتوازي مع تدخل إسرائيلي متزايد ومحاولات واضحة لتوظيف هذه الأحداث في إعادة صياغة موقع الدروز وعلاقتهم بمحيطهم الوطني والعربي. 

ومن جهة أخرى، تثير هذه التطورات مخاوف جدية من إعادة إحياء أطروحة «القومية الدرزية» التي عملت المؤسسة الإسرائيلية وأدواتها على فرضها على الدروز في إسرائيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عبر تحويل الخصوصية المذهبية إلى هوية سياسية منفصلة عن الانتماء الوطني والعربي؛ وهي أطروحة تتناقض مع المسار التاريخي للدروز وموروثهم العربي الإسلامي. 

ويرى المشاركون أن أثر هذه الأزمة؛ (الدرزيّة السوريّة!)، لم يقتصر على القضايا الحياتية للدروز في الجبل، بل تعدّاها إلى استهداف قضايا وجودية تمسّ الهوية والانتماء، قوميًّا ومذهبيًّا وتراثيًّا، وصولًا إلى التطاول على موروثهم التاريخي ورموزه البارزة؛ من الإرث الإسلامي للأمير السيد عبد الله التنوخي، وأطروحات شكيب أرسلان، إلى الدور العروبي والوطني لسلطان باشا الأطرش، والفكر القومي والإنساني لكمال جنبلاط. ولا يمكن فصل هذا الاستهداف باستغلال مأساة السويداء بمحاولات إعادة إحياء مدرسة «القومية الدرزية»، من خلال مشاريع بائسة؛ من بينها ما يسمى «الدولة الباشانية»، خدمةً لأجندات إقليمية تسعى إلى النيل من الموروث الوطني والعربي للدروز ورموزه التاريخية.

وأمام هذه المخاطر، تفرض التحديات الراهنة على القوى الوطنية قراءةً واعية لما يجري والسعي إلى التأثير فيه، انطلاقًا من إحساسها بالمسؤولية التاريخية تجاه الأجيال القادمة، وقبل أن يصبح الخطاب الطائفي والانفصالي هو الصوت المهيمن في الساحة.

ومن هنا، تمحور النقاش حول ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول: العمل المشترك بين القوى الوطنية في الجولان المحتلّ والقوى الوطنية العربيّة الدرزيّة في إسرائيل.

في ضوء هذه التحديات وتداعياتها المحلية والإقليمية، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مستوى العلاقة والتنسيق بين الحركة الوطنية السورية في الجولان والقوى الوطنية الفلسطينية في الـ 48. ونؤكد في هذا السياق ان هذا التنسيق لا ينبع من الانتماء المذهبي المشترك بحد ذاته، وإنما من تحديات متقاطعة فرضتها الأحداث الأخيرة، وفي مقدمتها محاولة إسرائيل توظيف قضية الدروز إقليميًا، وإعادة إحياء خطاب يسعى إلى فصل الدروز عن محيطهم الوطني والعربي، وتقديم إسرائيل بوصفها حامية لهم.

لقد حافظت الحركة الوطنية في الجولان، تاريخيًا، على موقف واضح يؤكد الهوية العربية السورية للجولان ويرفض "الأسرلة" بكلّ أشكالها، وأكد المجتمعون، في هذا السياق، أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن الحركة الوطنية فيه جزء من الحركة الوطنية السورية. حيث يأتي هذا اللقاء في ظل تصاعد التحديات التي يواجهها الجولان السوري المحتل، ولا سيما محاولات توسيع الأسرلة، والسيطرة على الأرض والمقدرات؛ بمشروع المراوح الهوائية، وتسوية الأراضي، وقضايا التنظيم والبناء؛ وهي تحديات تستدعي تعزيز الموقف الوطني والتمسك بالهوية العربية السورية للجولان.

ومن جهة أخرى، واجه العرب الدروز في إسرائيل على مدى السنوات سياسات التغريب عن أصول هوّيتهم وانتمائهم، وعانوا من التمييز الممنهج في كافّة مجالات الحياة والتي "توّجها" قانون القوميّة من العام 2018 بتصنيفه إيّاهم مواطنين درجة دنيا رغم سريان الخدمة العسكريّة الإجباريّة عليهم، ورغم خيارات ورهان قياداتهم "التقليديّة"؛ المذهبيّة والسياسيّة على المؤسّسة. وقد واجهت قواهم الوطنية، ضمن ظروف مختلفة، هذه السياسات بعمل صعب في ظلّ اختلال في التوازن بين القوى الفاعلة. 

وعليه، أكد المجتمعون أهمية تطوير وتنسيق العمل الوطني السوري الجولاني – والفلسطيني، على قاعدة مواجهة الاحتلال وسياسات الأسرلة والتفكيك والطائفية ومحاولات زجّ الدروز في المخططات الإسرائيلية تجاه المنطقة، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على خصوصية كل تجربة وانتمائها الوطني. وفي هذا السياق أكد المشاركون على اهمية تشكيل آلية تنسيق مشتركة بين الحركة الوطنية السورية في الجولان المحتل وبين القوى الوطنية الفلسطينية في ال 48 في أقرب وقت ممكن.  


المحور الثاني: أزمة السويداء – هل تستطيع القوى الوطنية المساهمة في الدفع نحو حل ضمن وحدة سورية برفد دُعاة الحل الوطني السوري – السوري بموقف داعم؟

يرى المشاركون أن ما يجري لا يمكن قراءته بوصفه أزمة درزية منفصلة عن التحولات التي تعصف بالمنطقة. فقد أدت سنوات الصراع والانقسام في سورية إلى إضعاف الروابط الوطنية الجامعة، وإلى تنامي خطاب الخوف والهويات الفرعية والطائفية. وجاءت مأساة السويداء لتزيد من حدة هذه الظاهرة، بعد أن تداخلت المطالب المشروعة لأهلها بالأمن والكرامة والعدالة والمحاسبة مع توجهات تسعى إلى إخراج هذه المطالب من إطارها الوطني السوري وربطها بمشاريع الحماية الخارجية والانفصال. وفي المقابل، أسهمت الجرائم والانتهاكات وخطابات التحريض والكراهية التي تعرض لها الدروز في توفير البيئة التي يتغذى منها خطاب الانغلاق والخوف والاستقواء بالخارج.

وهنا تكمن خطورة اللحظة: طائفية تولّد طائفية مضادة، وخوف يولّد انعزالًا، وعنف داخلي يفتح الباب أمام التدخل الخارجي، وتدخل خارجي يعمّق بدوره الانقسام الداخلي. إن كسر هذه الحلقة هو المدخل إلى فهم مسؤوليتنا ودورنا.

يؤكد المشاركون أن وحدة سورية، أرضًا وشعبًا، مبدأ أساسي، وخط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن السويداء جزء أصيل من سورية، حيث شكل أهل جبل العرب على الدوام جزءًا أصيلًا من تاريخها الوطني ونضالها من أجل الاستقلال والوحدة. يرفضون بشكل قاطع تحويل مأساة السويداء إلى مدخل للتقسيم، كما نرفض الاستقواء بإسرائيل أو بأي قوة خارجية والدعوات إلى إقامة كيان طائفي أو فصل السويداء عن الدولة السورية. 

وبناءً على ما تقدم، يرى المجتمعون أن التوجهات التي يقودها الشيخ حكمت الهجري والقوى المتحالفة معه، وخصوصًا تلك التي تراهن على الدور الإسرائيلي، تنطوي على مخاطر كبيرة. ويدين المشاركون بأشدّ العبارات تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي زعم فيها أن الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، وأن بينهم وبينها اشتراكًا «حتى في العقيدة»، ويرون فيها خطابًا منفلتًا يكشف جهلًا فادحًا بموروث عقيدة التوحيد وتاريخ الدروز وهويتهم العربية الإسلامية. إن الزجّ بالعقيدة في تبرير الارتباط بإسرائيل ليس سوى محاولة بائسة ومشينة لاسترضاء رعاته الإسرائيليين، وتوظيف الدين في خدمة مشروع سياسي يتقاطع مع مخططات الاحتلال والتفتيت. وقد آن الأوان لوضع حدّ لهذا النهج الذي قاده الهجري ومجموعته، بعدما عاثوا فسادًا في المشهد، وحوّلوا أهل السويداء إلى رهينة لغاياتهم وحساباتهم السياسية، مقامرين بمصير الجبل وأهله. ويعلن المشاركون إدانتهم القاطعة وبراءتهم التامة من هذه المواقف ومن كل من يتبناها أو يروّج لها، مؤكدين أنها لا تمثل الدروز ولا عقيدتهم ولا تاريخهم وانتماءهم الوطني والعربي، وأن أصحابها وحدهم يتحملون مسؤوليتها وتبعاتها

وانطلاقًا من هذا الموقف، يرى المجتمعون أن القضيّة السوريّة هي قضيّة وطنيّة شاملة، ويجب أن يُنظر إليها من موقع المواطنة والانتماء الوطني، لا من منظور طائفي عابر لحدود الدولة. ويعتبرون أن صلات القربى والتكافل الإنساني بين أبناء المنطقة أمر طبيعي، لكن ربط هذه الروابط وتوظيفها في مشاريع طائفية أو في خدمة سياسات الاحتلال أمر مرفوض. ومن هنا تبرز ضرورة مواجهة خطاب الأقليات والطائفية بخطاب وطني جامع يتجاوز الظواهر المأساوية التي شابت المشهد.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الدور الإسرائيلي المتزايد في استثمار الانقسامات الداخلية، فإنّ محاولة إسرائيل إغراق السويداء بالدمّ وانتشالها ليست إلّا أداة للتحكّم في السويداء. إذ ينظر المشاركون بقلق بالغ إلى المحاولات الإسرائيلية لاستغلال مأساة السويداء وتقديم إسرائيل بوصفها «حامية للدروز». فهذه السياسة ليست جديدة؛ إذ عملت المؤسسة الإسرائيلية، منذ عقود، على فصل الدروز الفلسطينيين عن محيطهم العربي، وتحويل انتمائهم المذهبي إلى هوية سياسية منفصلة. وتقدم تجربتا الدروز في الجليل والكرمل والجولان السوري المحتل شواهد واضحة على التناقض بين خطاب «الحماية»، من جهة، وواقع التمييز ومصادرة الأرض وسياسات التخطيط والبناء والأسرلة والتجنيس، من جهة أخرى.

لم يكن الدروز في إسرائيل بعيدين عن الأزمة السورية؛ إذ شهدت الساحة تدخلًا سافرًا أدواتيًا وتنافسيًا من جانب اتجاهين داخل «قياداتهم» التقليدية، المذهبية والسياسية، تحركا في إطار توجهات المؤسسة الإسرائيلية والتنسيق معها. وسرعان ما تكشّف الأثر السلبي لهذا التدخل وعجزُ هذين الاتجاهين عن التأثير في مجرى التطورات، ولكن بعد أن كان الضرر قد تفشّى واستفحل و«سبق السيف العذل»؛ فاتجه أحدهما لاحقًا إلى «النأي بالنفس» بعد انكشاف حقيقة الدور الإسرائيلي، فيما مضى التيار «الباشاني» في نهجه، فعاث فسادًا في المشهد وأسهم في تعقيده.

وفي مواجهة هذين التيارين، لم تألُ القوى التقدمية بين الدروز في الجليل والكرمل، قبل اندلاع الأزمة في سورية وبعد تحولها إلى محنة، في التحذير من هذا التدخل واتخاذ ما استطاعت من مواقف حاسمة في مواجهته. وقد أسهم دورها، على الرغم من اختلال موازين القوى، في الحد من انزلاق جمعيّ وراء سياسات المؤسسة الإسرائيلية الخطرة تجاه الدروز من جهة، وفي مواجهة الصورة النمطية السلبية التي أخذت تتشكل عنهم في الرأي العام العربي، محليًا وإقليميًا، من جهة أخرى.

وفي ضوء هذه التجربة وما أظهرته من مخاطر، يرى المشاركون أن الاستثمار في مأساة السويداء لإحياء مشروع «القومية الدرزية»، أو لإقامة كيان طائفي مرتبط بإسرائيل، لا يشكل حماية للدروز؛ بل يهدد بتحويلهم إلى أداة في مشروع إقليمي أكبر منهم، ويفصلهم عن محيطهم الطبيعي، ويضعهم في مواجهة شعوب المنطقة.

وفي هذا السياق، يرى المجتمعون أن الحل في السويداء يبدأ من الاستفادة من تفاهمات آذار وأيار 2025، والاتفاق الثلاثي السوري–الأردني–الأميركي في أيلول 2025، وما صدر لاحقاً عن لجان التحقيق الدوليّة والجهات الأممية والإنسانية؛ بوصفها عناصر يمكن البناء عليها للدفع نحو حوار جدي ومخرج للأزمة ضمن وحدة سورية.

كما أكد الحاضرون ضرورة معالجة الأوضاع الإنسانية والحياتية ورفع أشكال الحصار عن السويداء، بما يخفف معاناة المدنيين ويحد من فرص التدخل الخارجي، وأن الدولة السورية تتحمل، بحكم مسؤوليتها عن جميع المواطنين، المسؤولية الأساسية في توفير الظروف اللازمة للحل، وحماية السكان، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإعادة بناء الثقة. لا يستطيع النظام الجديد نفض اليد من المسؤوليّة التي يتحمّل عن المجازر، بغضّ النظر إن كان وقع أو أوقع في فخّ، فإن التمسك بوحدة سورية لا يعني السكوت عن الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها أبناء السويداء، ولا إعفاء السلطة السورية وفي مقدّمها الشرع من مسؤولياتها عنها وبالتالي حماية المواطنين وضمان أمنهم وكرامتهم، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والعمل على إعادة بناء الثقة بمحو آثار تمّوز 2025 وفي مقدّمها إعادة الإعمار وجبر الضرر على قاعدة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

وأكد المجتمعون كذلك ضرورة أن تضطلع النخب والقوى الوطنية السورية، من مختلف مكونات الشعب السوري، بدورها في رأب الصدع، ومواجهة التحريض الطائفي، وإعادة الأزمة إلى إطارها الوطني، مع التأكيد على وجود قوى واسعة بين دروز سورية ونخبهم الاجتماعية والثقافية والمذهبية تتمسك بوحدة سورية وترفض الانفصال والاستقواء بالخارج.


المحور الثالث: لقاءات تشاوريّة مع قوى وطنية عربيّة وعربيّة درزيّة إقليميّة 

لم تتوقف تداعيات أزمة السويداء عند حدود سورية؛ فقد أثارت أيضًا نقاشات ومواقف في لبنان وفلسطين والأردن وأوساط الاغتراب، كما حاولت قوى مختلفة تقديم نفسها بوصفها ناطقة باسم الدروز في المنطقة. من هذا الواقع؛ ناقش المجتمعون مدى فائدة فتح قنوات تشاور مع شخصيات وقوى درزية وطنية في بعض الدول العربية، وخصوصًا لبنان والأردن، في ظل التداعيات الإقليمية لأزمة السويداء ومحاولات توظيف الدروز في مشاريع الانفصال والتدخل الخارجي. وتوصل المجتمعون إلى أن مثل هذا التواصل قد يكون مفيدًا، شريطة تحديد طبيعته وحدوده منذ البداية. فالمقصود ليس إنشاء «تنسيق درزي طائفي إقليمي»، ولا عقد "مؤتمر درزي طائفي عابر للحدود"، ولا إنشاء "مرجعية سياسية جديدة تتحدث باسم الدروز"؛ وإنما التشاور مع قوى وشخصيات تنطلق أصلًا من انتمائها الوطني في دولها، ويمكن أن يكون لها دور في مواجهة الخطاب الطائفي والانفصالي، ودعم الحلول التي تحافظ على وحدة الدول والمجتمعات.

واستنادًا إلى ما تقدم، لا يرى المجتمعون ضيرًا في إجراء لقاءات تشاورية لتبادل الرأي ووجهات النظر مع شخصيات اعتبارية أو أكاديمية من لبنان والأردن، حول سبل مواجهة هذه الهجمة على الهوية الوطنية للدروز، ومحاولات قوى إقليمية توظيف مأساة السويداء لتحقيق مصالحها في سورية.

ومع أهمية هذا التشاور، يرى المجتمعون أن معالجة تداعيات الأزمة لا تكتمل من دون مقاربة جذورها الأعمق؛ وفي مقدمتها تعثر المجتمعات العربية وفاعلياتها في بناء دولة المواطنة، وما ترتب على ذلك من تعصب واستقطاب طائفي وقومي، ولّدا الشعور بالخوف وفقدان الأمان لدى شرائح واسعة من هذه المجتمعات، وأضعفا حصانتها الاجتماعية الداخلية، وجعلاها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية واستغلال واقعها الاجتماعي المتشظي وتوظيفه في خدمة مشاريع استعمارية. وقد كشفت أزمة السويداء بوضوح خطورة هذا الواقع الطائفي والتعصب الأعمى، وما يمكن أن يفضيا إليه من تقسيم واستدعاء للتدخل الخارجي.

ومن هنا، وإذا كان جوهر الأزمة يتجاوز حدود طائفة بعينها، فإن الإطار الطبيعي لمناقشتها لا يمكن أن يكون إطارًا طائفيًا، بل لقاءً وطنيًا عربيًا أوسع ومتعددًا يضم قوى سورية وفلسطينية ولبنانية وأردنية وغيرها، من مختلف الانتماءات، لبحث واقع الأزمة من خلال بحث واقع المجتمعات العربية وسبل التعايش بين مكوناتها، على أساس دولة المواطنة والقانون، ومبدأ: "الدين لله والوطن للجميع".            


الخميس، 27 أغسطس 2026

الهجري والانزلاق ما بين الموقف السياسيّ والعقائدي تخطّى الحدود وكلّ الحدود والعقيدة المذهبيّة الدرزيّة براء

  


الحركة التقدّمية للتواصل - درب المعلّم 

(بيان)


خرج الشيخ الهجري هذا الأسبوع بتصريح مصوّر يقول فيه: "نِحْنا كموحّدين دروز جزء لا يتجزّأ من دولة إسرائيل فهي دولة حظارة وقانون... رجعنا لقواعدنا التاريخيّة قواعد باشان التاريخيّة اللّي بْركّز عليها دائمًا... حتّى بالعقيدة نِحْنا مشتركين معها ويجب الحفاظ على هذا الفكر..."، الحركة تبيّن:

أوّلًا: نطمئن الهجري ومن معه أنّه؛ لأن إسرائيل دولة حضارة، كقوله، فهي بعلمائها ومؤسّساتها تعرف تمام المعرفة أنّ كلّ ما قاله عن العقيدة المشتركة محض ترّهات. فعلماؤها وساستها ومراكز أبحاثهم يعرفون تمام المعرفة ما في كتب العقيدة الدرزيّة وأكثر كثيرًا ممّا يعرف هو وكثير من الدروز.

ثانيًا: كثيرون من قيادات درزيّة إبّان قيام الدولة راحوا يسوّقون مثل هكذا أطروحات، فخابوا وخُيّبوا بعد أن ألقت بها مؤسّسات الدولة إلى حيث مكانها الطبيعيّ اللائق، وعاملت الدروز تماما كما بقيّة العرب، فصادرت أراضيهم (%70) وجعلت لقمة عيشهم في يدها؛ كرام على موائد لئام.   

ثالثًا: يستطيع الهجريّ في اقطاعيّته الباشانيّة باسمه أو باسم رعاياه فيها، أن يتّخذ الموقف السياسي الذي يريد ويتعامل مع من يريد ويخدم من يريد، لكنّه أقلّ من يصرّح باسم الدروز: "نحن كموحّدين دروز"، فلا هو في المقام ولا في المركز الذي يتيح له ذلك. والموحّدون الدروز بعقيدتهم أبعد ما يكونون عن "فكرِه الذي يريد أن يحافظ عليه". كلّ مطّلع على عقائد المذهب، ويبدو أنّه ليس منهم، يعرف ما في العقيدة الدرزيّة في السياق الذي يتحدّث عنه.

رابعًا: نطالب القيادات الدينيّة في إسرائيل وفي الجولان وريف دمشق ووادي التيم والأردن ولبنان بغضّ النظر عن مواقفهم السياسيّة، أن تقول كلمتها، وهي التي تعرف حقّ المعرفة أن هذا الكلام غير صحيح ويشكّل ضررًا بعيد المدى على الدروز، ونطالبها أن تضع حدّا لهذا الانزلاق المسيء للدروز والعقيدة الدرزيّة. ولا نرى حاجة للتذكير بما جاء في كتب المذهب التوحيديّ الدرزيّ عن هذه "الشراكة" المُدّعاة المنفيّة جملة وتفصيلًا، وأكثر من ذلك! 

خامسًا: نعود ونذكّر أنّ إسرائيل لا ترى في "إقطاعيّة الباشان" سوى ورقة لعب في مصالحها في مشروعها الشرق أوسطي، وسترميها عند أوّل فرصة! ونهيب بقواها العقلانيّة؛ الدينيّة والزمنيّة الوطنيّة العروبيّة أن تتصدّى لهذا الانزلاق وقبل فوات الأوان!    

سادسًا: إنّ اتّخاذ سكّان السويداء؛ المهجّرين منهم والطلّاب رهينة للتفتيش عن حبال نجاة مهترئة بعد أن بدأت تتهاوى كلّ رهانات الهجري ولفيفه، هي مقامرة خطرة لن تجلب إلّا الويلات. 

سابعًا: نطالب القوى الوطنيّة العروبيّة والإسلاميّة في سورية بكلّ مواقعها ومكوّناتها أن تتّخذ كل الخطوات المطلوبة تجاه الجبل لمحو آثار أحداث تمّوز الـ 25، قطعًا للطريق على كلّ مقامر في مصير سورية ووحدتها.         

26 آب 2026

عماد دغش – سكرتير 4030870-050

فوّاز سويد، فوّاز حسين (عامر)، سامي مهنّا، صلاح حلبي، خير الدين عبد الله، يامن زيدان، عماد سرحان، نفّاع نفّاع، خالد خلد، عماد فرّو، وضّاح القاسم، وسعيد نفّاع.         


الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

حربان يتسببان في أزمة طاقة عالمية

 


بقلم: د. عبدالله المدني

من دروس التاريخ الحديث أن البنى التحتية والمرافق والمنشآت الاستراتيجية المدنية دائما ما تكون الهدف الأول للتدمير في الحروب، من بعد المنشآت والقواعد العسكرية، وتحديدا آبار النفط ومصافي التكرير وخطوط الأنابيب وموانيء التصدير ومحطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، إنْ وجدت.

وبطبيعة الحال، كان استهداف هذه المرافق يتم من خلال الطائرات الحربية، فتتعامل معها الدفاعات الجوية. غير أن الأمر تغير اليوم بعد استخدام الطائرات المسيرة ذاتية التشغيل في القصف. فأنظمة الدفاع القائمة قد لا تنجح دوما في التصدي لكل مسيرات العدو، الأمر الذي يزيد من احتمالات تكبد المرافق الحيوية لأضرار جسيمة بأقل مجهود.

من ناحية أخرى، علمتنا الحروب أن الدول قد تلجأ إلى إلحاق أضرار مضاعفة بعدوها من خلال خنقه اقتصاديا، ووسيلتها في ذلك هو فرض الحصار البحري على العدو لمنعه من التصدير والاستيراد، أو إغلاق الشريان الحيوي الذي تمر من خلاله تجارته، كما هو الحال في مضيق هرمز ومضيق باب المندب حاليا.

ويزداد الأمر سوءا، لتمتد مخاطر الحرب إلى كل دول العالم، حينما تكون إحدى أو كلتا الدولتين المتحاربتين موردا مهما للطاقة العالمية. ففي هذه الحالة يؤدي توقف انتاج النفط ، بسبب استهداف حقوله ومعامل تكريره ومؤانيء تصديره، إلى شح في أسواق الطاقة العالمية، وبالتالي ارتفاع أسعاره، وعجز الدول عن توفيره لمواطنيها، وهو ما قد يؤدي إلى قلاقل واضطرابات وركود في الحياة الاقتصادية.

والمشهد العالمي الحالي، شاهد على صحة ما نقول، حيث أن هناك بالفعل أزمة طاقة في العالم، بل من المتوقع أن تتفاقم هذه الأزمة، خصوصا وأنها ليست ناجمة عن حرب واحدة وإنما حربان متزامنتان تنخرط في كل منهما دولة مصدرة للنفط (إيران في حرب الخليج، وروسيا في حرب أوكرانيا). 

فإذا كانت الحرب الأولى تسببت في إغلاق مضيق هرمز، وتسببت من جهة أخرى في قيام عصابات الحوثي اليمنية بإغلاق مضيق باب المندب أو تعطيل المرور من خلاله، وقيام الميليشيات العراقية الموالية لإيران بتهديد عمل وسلامة مصافي التكرير السعودية، ما أدى إلى تعذر تسويق نحو 20 مليون برميل من النفط الخليجي (الخام والمكرر والمكثفات والمنتجات البترولية) يوميا. فإن قيام الجيش الأوكراني، في إطار حربه ضد روسيا، باستخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى في قصف أكثر من 11 مجمعا روسيا رئيسيا لإنتاج الوقود، أدى إلى تعطيل جزء كبير من قدرة روسيا على انتاج الوقود، حيث قدر  حجم القدرة التكريرية المتضررة بنحو 60% من اجمالي قدرة البلاد في هذا المجال. والمعروف أن الهجمات الأوكرانية هدفت في المقام الأول إلى عرقلة مخصصات الحرب في موسكو والتي يتم تأمينها عبر تصدير المنتجات النفطية المكررة.

صحيح أن العالم نجح في تجاوز أزمة طاقة خلال الأشهر الأولى من الحرب الأمريكية على إيران بسبب عوامل منها أن شحنات ضخمة من نفط الخليج كانت قد عبرت مضيق هرمز قبل إغلاقه إلى وجهاتها العالمية، ومنها أن بعض الدول لجأت إلى استخدام مخزوناتها الاستراتيجية من النفط من تلك التي بنتها خصيصا للطواريء، ومنها قيام بعض الدول بترشيد استهلاك الطاقة من خلال العمل عن بعد أو تقليل ساعات العمل والدراسة، ومنها أيضا قيام الولايات المتحدة بزيادة انتاجها من النفط والغاز ومخرجات المصافي سدا لحاجتها الداخلية وحاجة الأمريكيتين. لكن الصحيح أيضا هو أن إطالة أمد الأزمة في الخليج واستمرار إغلاق مضيق هرمز والتهديدات الموجهة لحركة النقل في البحر الأحمر باتجاه قناة السويس، واستهداف المسيرات الإيرانية لميناء دمياط على البحر الأبيض المتوسط حيث ينتهي بالقرب منه خط أنابيب سوميد الناقل للنفط السعودي إلى أوروبا عبر مصر، وتزامن كل هذه التطورات مع اشتداد المعارك بين أوكرانيا وروسيا، خلق عجزا عالميا في توفير الطاقة وفي قدرات التكرير، ومصاعب في الحفاظ على توازن أسواق النفط، قد تشتد مع قرب حلول فصل الشتاء. ومن ناحية أخرى تدهورت أوضاع بعض الدول المعتمدة كليا على استيراد حاجتها من النفط والمشتقات البترولية من منطقة الخليج، وباتت في حالة اقتصادية هشة، كي لا نقول انها مقبلة على اضطرابات داخلية.

المؤسف أن إغلاق مضيق دولي مثل مضيق هرمز الذي يشكل شريان حياة لأمم وشعوب كثيرة، لم يواجه بقرار اممي صارم من مجلس الأمن الدولي يجيز تطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ضد الدولة المتسببة في الإغلاق وهي إيران، على نحو ما حدث في قضية غزو العراق للكويت سنة 1990، على الرغم من أن العمل الإيراني يؤثر على العالم كله وليس على دولة أو منطقة بعينها. والسبب معروف وهو عدم وجود اجماع دولي على معاقبة النظام الإيراني الإرهابي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م




الأربعاء، 19 أغسطس 2026

الدور المنتظر للعراق في الشرق الأوسط


 بقلم: د. عبدالله المدني

منذ وصوله إلى سدة رئاسة الحكومة العراقية في أبريل 2026، قام علي الزيدي بحراك غير مسبوق للملمة الأوضاع الداخلية والسيطرة على الدويلات والميليشيات المنشرة في أرجاء بلاده وإخضاعها لسلطة الدولة. غير أن الجهات المناوئة له والمؤتمره بأوامر الجار الإيراني  الشرير أبت إلا وأن تقف عثرة في طريق سعيه لبناء عراق جديد مستقر ومتعاون مع محيطه العربي. وما الأحداث الأخيرة المتمثلة في قيام فصائل عراقية مسلحة بإطلاق مسيرات باتجاه الأراضي السعودية إلا دليل على أن الطريق ما زال طويلا امامه لإنجاز ما يسعى إليه.

أبى الزيدي أن يقوم بزيارته الخارجية الأولى لواشنطن منذ توليه السلطة، قبل أن يقوم بعمل ظل طويلا مطلبا  ألحت عليه القوى الداخلية الشريفة المحبة لوطنها، ودعت إليه الدول الخليجية والعربية والولايات المتحدة، وهو إخضاع الميليشيات المسلحة العابثة بأمن العراق لسلطة الدولة المركزية، وذلك كي يثبت للإدارة الأمريكية أنه رجل المرحلة القوي.

ومن هنا استرعت زيارته انتباه العديد من المراقبين الذين علقوا عليها بقولهم أن الضيف نجح في كسب ود مضيفه الذي داعبه أمام الصحفيين بقوله:"لقد كان رئيس الوزراء الزيدي رائعا لأنه فاز في انتخابات لم يتوقعها الكثيرون .. لدينا الآن بطل جديد، ورغم أنه لم يكن الأوفر حظا، لكنهم عندما تعرفوا عليه فاز في النهاية، وسيبقى في منصبه طويلا .. إنه لشرف عظيم أن يكون اليوم بيننا، فلقد كان مناضلا عظيما ومحبا للولايات المتحدة".

ولعل ما جعل المراقبون يحيطون الحدث باهتمام إضافي هو الزيارة التي قام بها الزيدي إلى طهران مباشرة بعد اختتام زيارته لواشنطن، واجتماعه لأول مرة بقادة إيران الجدد، حيث قيل أن بغداد قد تسعى للعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وربما استضافة مفاوضات إيرانية ــ أمريكية.

والحقيقة أن زيارة الزيدي إلى واشنطن جرى التخطيط لها بعناية لتتماشى مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط والمرتكزة على التجارة والاستثمارات والطاقة، بدليل أنها تضمنت اجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولين تنفيذيين في قطاعي التجارة والطاقة الأمريكيين. وهذا تحديدا ما استخدمه بعض المعلقين والمراقبين كمؤشر على احتمال بروز العراق قريبا كحلقة وصل استراتيجية في شرق أوسط جديد تتشكل ملامحه بشكل متزايد من خلال شبكات الطاقة والبنية التحتية والتجارة والاستثمار، خصوصا وأن العراق يتمتع بموقع جغرافي فريد في الشرق الأوسط ويمتلك ثروات نفطية وزراعية ومعدنية هائلة لم تستثمر كما يجب منذ أكثر من ربع قرن بسبب الحروب المتتالية وانفلات الأوضاع الأمنية ومحاولات التخريب والسيطرة الإيرانية.

وبطبيعة الحال، فإن عوامل كثيرة ساهمت في بروز هذا الدور المرتقب للعراق في منطقة الشرق الأوسط. من هذه العوامل أولا: انحسار قوة وتأثير الجماعات الإرهابية (كداعش) في العراق وعموم المنطقة بفضل الضربات الأمريكية الساحقة، وبالتالي تحسن البيئة الأمنية بشكل عام،. وثانيا: سقوط نظام الأسد الموالي لطهران في سوريا المجاورة. وثالثا ضعف النظام الفقهي الإيراني داخليا وخارجيا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضده. لكن العامل الأخير له وجه آخر، فكلما شعرت طهران بأن أياديها مكبلة ولا تقوى على التحرك أمرت وكلائها المسلحين في العراق بالتصرف نيابة عنها، وهو ما حدث في العدوان الجبان الأخير على الأراضي السعودية.

ويبدو أن العراق يحاول أن يعيد تقييم دوره الإقليمي، في وقت يقوم فيه جميع الأطراف الاقليمية الفاعلة والرئيسية الأخرى، بالشيء ذاته، لكن من منطلقات متباينة. حيث تنظر إيران إلى تعزيز انخراطها مع العراق من منطلقات طائفية وعقيدية ممزوجة بمنطلقات الهيمنة والتوسع واستغلال الثروات، خصوصا وأن العراق يشكل لها عازلا استراتيجيا ، بينما تحاول دول الخليج العربية الانخراط مع العراق من منطلقات قومية واستراتيجية بهدف حمايته من التغول الإيراني، والمحافظة على عروبته، وأمنه واستقراره وازدهاره. أما الولايات المتحدة فلم تعد تنظر إلى العراق من منظور مكافحة الإرهاب وتحقيق النفوذ ــ كما كان الحال بعد غزو 2003 ــ وإنما تسعى للإنخراط معه في شراكة اقتصادية متعددة الجوانب، طويلة المدى، ذات فائدة للطرفين وللمنطقة عموما.

وأخيرا، فإن الصين ليست بعيدة عن المشهد كعادتها، فهي الأخرى تدرك أهمية العراق وتسعى للإستفادة الاقتصادية والسياسية والتجارية من أي متغيرات تصب في صالح بروز عراق جديد تتزاحم فيه المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية، ويسعى فيه العراق إلى أن يكون "دولة وسيطة" أي دولة تستمد نفوذها من البقاء على صلة بشبكات سياسية واقتصادية متنافسه والمساهمة في تفاعلها وتشكيل آلياتها.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م

 


أستراليا: أولوياتهم الشركات الكبرى

 


كتب عباس علي مراد

في ظل أزمة معيشية وارتفاع أسعار الطاقة، وازمة سكن غير مسبوقة، الطبقة السياسية الأسترالية باستثناء حزب الخضر وبعض النواب المستقلين تستهدف أصحاب الاحتياجات الخاصة، واصحاب الدخل المنخفض، ويستهدفون المهاجرين في بازار سياسي مقرف. 

هانسون زعيمة حزب أمة واحدة في خطاب لها أمام نادي الصحافة الوطني تتهم العمال والموظفين بانهم لا يستحقون زيادات الأجور، وتهاجم المهاجرين وتريد تخفيض اعدادهم وتدافع عن شركات التعدين.

حكومة العمال توقف العمل ببرنامج المساعدة المؤقت للحد من تأثير أسعار الطاقة والبترول للمواطنين، بحجة التخوف من ارتفاع نسبة التضخم، وفي ما يتعلق بسياسة الهجرة يتخبط حزب العمال ويبدي عكس ما يضمر، أما الاحرار يريدون ربط نسبة المهاجرين بعدد المنازل التي يتم بناءها. 

في نفس الوقت كانت وما زالت سياسية الحكومات الاسترالية المتعاقبة تعويض شركات التعدين والغاز مبلغ يقارب 9 مليار دولار كبدائل لأسعار المحروقات التي يستعملونها في المناجم، هذا عدا عن نسبة الضرائب المنخفضة التي تحصلها الحكومة من تلك الشركات.

مؤخراً أقرت حكومة العمال الفيدرالية وحكومة نيو سوث ويلز العمالية خطة بقيمة  2.5 مليار دولار لإنقاذ مصهر تاماجو للآلمنيوم التابع لشركة ريو تينتو.

 علماً ان الشركة سجلت مؤخرًا صافي ربح قدره 6.7 مليون دولار أمريكي للنصف الأول من العام (بزيادة قدرها 47%)

وهذه المساعدة واحدة من سلسلة حزم الإنقاذ الحكومية الأخيرة التي بلغت مليارات الدولارات للشركات ذات الأرباح العالية والثانية لريو تينتو نفسها. 

بررت الحكومتين ان توماجو أكثر من مجرد مصهر، إنها أصل صناعي ذو أهمية وطنية، يقع في قلب القدرة التصنيعية لأستراليا. 

الاربعاء 19/8/2026 اقر مجلس الشيوخ مشروع قانون التأمين الوطني للإعاقة المثير للجدل الذي قدمته الحكومة الفيدرالية مع تعديلات "جوهرية" بعد اتفاق حزب العمال والائتلاف المعارض (الاحرار- الوطني). 

هذا المشروع سيحسن وضع ميزانية الحكومة الفيدرالية بمقدار 37.8 مليار دولار على مدى أربع سنوات. 

يهدف مشروع قانون التأمين الوطني للإعاقة، الذي طرحته حكومة ألبانيزي، إلى الحدّ بشكل كبير من نموّ هذا البرنامج الذي تبلغ ميزانيته 50 مليار دولار سنويًا، وذلك من خلال خفض الميزانيات والانفاق أولًا، ثمّ خفض عدد المستفيدين منه بدءًا من عام 2028. ومن المتوقع أن يتمّ استبعاد أكثر من 240 ألف مشترك من برنامج التأمين الوطني للإعاقة خلال السنوات الأربع التي تلي تطبيق قواعد الأهلية الجديدة.

والقانون الجديد سيعطي صلاحيات وزارية جديدة تُخوّل الوزير خفض التمويل بشكل حادّ من فئات مُحدّدة لجميع المشتركين. 


وبخصوص قوانين المقامرة والرهانات توصلت حكومة العمال الفيدرالية مع المعارضة لاتفاق بشأن قوانين المقامرة متجاهلين صرخات حزب الخضر والنواب المستقلين حتى بعض نواب الإئتلاف الذين صوتوا ضد المشروع. 

اعربت قوى سياسية واجتماعية عن أسفها لأن الحكومة لم تحقق إصلاح للنظام بشكل سليم يراعي الأزمة الوطنية، واعتبروا ان ذلك يعود إلى "قوة الضغط الكبيرة" التي تتمتع بها قطاعات المراهنات والرياضة والإعلام التي تجني مردوداً عالياً من الاعلانات الخاصة بالمقامرة. 

وقد تجاهلت الحكومة توصيات لجنة بيتا مورفي النائبة العمالية السابقة، التي دعت إلى حظر كامل لإعلانات المقامرة والإغراءات المتعلقة بها.بينما علقت الحكومة على المشروع بانه "لن يُرضي الجميع" وبأسلوب ضبابي قال رئيس الوزراء انثوني ألبانيزي إن الإصلاحات تركز على "مشكلة المقامرة".

واعتبر السينتور المستقل ديفيد باكوك"اتفاق حزب العمال والائتلاف بشأن مشروع قانون المقامرة إنه خيانة لجميع الأستراليين." 

أخيراً، يبدو ان اشتراكية الرأسمالية بتعويض خسائر الشركات الكبرى من أموال دافعي الضرائب، والاحتفاظ بالارباح وعدم المساهمة في تعويض الحكومة بعد التعافي هي في صلب السياسة الحكومية. 

وهذا ما يتفق عليه الحزبين الكبيرين بالإضافة لحزب أمة واحدة الذين يقتطعون مساعدات الفقراء، ويعتبرونها تشكل خطراً على أداء الاقتصاد، ويبلعون السنتهم ويصمتون عندما يتم تعويض الشركات الكبرى والتي تعود ملكية بعضها بنسبة 80% لمستثمرين أجانب. 

السؤال الذي يطرح نفسه لماذا تكتفي الحكومات بتقديم الأموال النقدية وانقاض الشركات من أموال دافعي الضرائب، بينما يمكنها الحصول على أسهم وتحقيق قيمة للمنفعة العامة؟

وهذا بالضبط ما فعلته الحكومة الالمانية اثناء جائحة كورونا عندما انقضت شركات الطيران حيث اشترت أسهم في تلك الشركات.

لكن يبدو ان اولويات الطبقة السياسية الأسترالية التي تتداول السلطة منذ تأسيس النظام الفيدرالي عام 1901 هو الشركات الكبرى واصحاب الرأسمال.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

كيف واجهت دول آسيان "صدمة هرمز"

 


بقلم: د. عبدالله المدني*

مما لا جدال فيه أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد شريانا حيويا لأمن الطاقة العالمي والتجارة الدولية، تسبب في أضرار ومعاناة لدول كثيرة في العالم. غير أن درجة الضرر تفاوتت من دولة إلى أخرى بشكل هائل بحسب قوة اقتصاد كل دولة وحجم مخزونها الاستراتيجي من النفط، وسياساتها الخاصة بدعم الوقود وهياكل الإستيراد.

وإذا ما تساءلنا عن الطرف الأكثر تضررا على مستوى دول منظومة آسيان الجنوب شرق آسيوية مثلا، نجد أن الفلبين أتت في المقدمة، وكانت أكثر ضحايا الأزمة ليس فقط لأنها رابع أكبر دول آسيان من حيث المساحة والثانية من حيث عدد السكان (نحو 118 مليون نسمة)، وإنما أيضا بسبب عدم امتلاكها لمخزونات استراتيجي من النفط، واعتمادها بشكل شبه كامل على الخام القادم من الخليج. ولهذه الأسباب أعلن رئيسها "فرديناند ماركوس الإبن" حالة الطواريء الوطنية في قطاع الطاقة لمدة عام واحد، معتبرا أن إغلاق هرمز تهديد مباشر لأمن الطاقة في البلاد، ومفوضا الحكومة باتخاذ تدابير لمكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار مع تقديم حزمة أوسع لدعم المعيشة وقطاع النقل. غير أن هذه الإجراءات لم تمنع إضراب سائقي حافلات "الجيبني" الشعبية، احتجاجا على أسعار الوقود المرتفعة (في شهري مارس وأبريل الماضيين مثلا كانت أسعار الوقود في الفلبين توازي ضعف أسعارها في ماليزيا وتايلاند وفيتنام)، ولم تمنع ارتفاع أسعار الديزل بشكل غير مسبوق، وهو ما فتح المجال واسعا أمام حملة انتقادات واسعة ضد الحكومة لفشلها في تكوين احتياطي استراتيجي من الخام كبقية الدول، وعدم اكتراثها بتحديث شبكات الطاقة.

أما في اندونيسيا فقد أدت تداعيات الأزمة إلى قفزة حادة في أسعار وارداتها من النفط الخام، وهذا بدوره أدى إلى استنزاف احتياطياتها من النقد الأجنبي، الأمر الذي تسبب في الضغط على العملة الوطنية (الروبية) وتدني قيمتها إلى مستويات لم تشهدها البلاد حتى خلال أزمة الانهيار النقدي الآسيوي سنة 1997، وهي الأزمة التي أطلق عليها "أزمة توم يام كونغ" في إشارة إلى أشهر الأطباق في المطبخ التايلاندي، كون الأزمة بدأت في تايلاند وتأثرت بها كل شريكاتها في تكتل آسيان.

لاوس هي الأخرى وقعت ضحية للأزمة أيضا، لكن بصورة مختلفة عن شريكاتها. فهذه الدولة الصغيرة ذات الملايين الثمانية والمفتقدة لمنفذ بحري، والتي لا يزيد ناتجها المحلي الاجمالي عن 18 مليار دولار، عانت كثيرا في البدايات بدليل إغلاق المئات من محطات الوقود وارتفاع أسعار الديزل بنسبة 100%، واضطرار السلطات إلى تقليص أيام الدراسة وأعداد الحصص المدرسية، لكنها سرعان ما استعادت توازنها ونجحت في النهوض مجددا عن طريق إبرام صفقة رسمية مع شركة الطاقة الحكومية في تايلاند المجاورة لتوريد الوقود المكرر عبر الحدود البرية المشتركة، الأمر الذي ساعدها على تجاوز مشكلتها، وإنْ كانت ستخرج من عام 2026 وميزانيتها تشكو من عجز خطير.

وهذا لا يعني أن تايلاند لم تعان من تداعيات أزمة هرمز، فهي كشريكاتها الأخريات عانت، بدليل أن وارداتها  من النفط الخام تقلصت بنسبة 50%، ثم بدليل قيامها بتقليص حجم معظم صادراتها الاستراتيجية من أجل حماية احتياطياتها الوطنية، لكنها في الوقت نفسه، ورغم كل الضغوط، أبقت شريان الحياة مفتوحا أمام جارتها اللاوسية. أما السبب فهو أن البلدين يرتبطان بعلاقات تبادل وتعاون صحية، عمادها المصلحة المشتركة. وبعبارة أخرى فإن "فزعة" تايلاند تجاه لاوس لها علاقة بواردات تايلاند من الطاقة الكهرومائية الآتية من لاوس. حيث أن بانكوك التي تتبع حكومتها استراتيجية تنويع مصادر الطاقة، اتجهت قبل مدة إلى تعميق الاعتماد المتبادل مع لاوس عبر زيادة مشترياتها للطاقة الكهرومائية المولدة من السدود اللاوسية. ومن المؤكد أن استمرار تايلاند في تصدير النفط لجارتها، في عز هذه الأزمة الخانقة ناتج عن سياسة بانكوك الحكيمة لجهة تكوين مخزون طواريء نفطي، على العكس من الفلبين.

ومثل هذه العلاقة التبادلية غابت في حالة اندونيسيا والفلبين، إذ واجه كل منهما صدمة هرمز بمفرده لإفتقارهما إلى شبكة من العلاقات التبادلية يمكن الاعتماد عليها في أوقات الطواريء وزمن توقف حركة النقل عبر المضايق الدولية لسبب ما.

وهكذا كشفت أزمة هرمز عن نقاط ضعف في أمن الطاقة في منطقة جنوب شرق آسيا، أما الدرس المستخلص منها فهو أن نجاح أعضاء أي تجمع إقليمي في التماسك وتجاوز المخاطر بأقل الأضرار يعتمد على التعاون وتبادل الخدمات والمصالح بين جيران وشركاء يحتاجون لبعضهم البعض. فما بالك لو كان هؤلاء الجيران يرتبطون بأواصر الدم والثقافة والتاريخ والعقيدة كحال دول مجلس التعاون الخليجي.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م

 




الأربعاء، 5 أغسطس 2026

في الذكرى العاشرة لصدور حكم دولي لصالح الفلبين


 

بقلم د. عبدالله المدني*

بحر الصين الجنوبي، الذي عرف عند المسلمين ببحر الصنف، هو جزء من مياه المحيط الهاديء يمتد من سنغافورة ومضيق ملقا جنوبا إلى مضيق تايوان شمالا بمساحة تقارب 3.5 مليون كيلومتر مربع. وعلى الرغم من أنه يحمل إسم الصين، إلا أنه ليس بحرا صينيا وإنما مياه دولية تمر به ثلث الشحنات البحرية العالمية. في هذه المساحة المائية الشاسعة يوجد أرخبيل من الجزر الصغيرة ــ معظمها غير مأهول ــ لكنها موضع نزاع حول حقوق السيادة بين الصين والدول الآسيوية المتشاطئة الأخرى.

 من هذه الدول الفلبين التي تنازع الصين السيادة على جزيرة "وودي" وجزيرة "باغاساس" وشعاب "فيري كروس" و"ميستشيف" و"سوبي"، و"سكاربورو" و"سيكند توماس" المرجانية، والتي لهذا السبب أطلقت على المياه المحاذية لها من بحر الصين الجنوبي إسم "بحر الفلبين" منذ عام 2012.

في الثاني عشر من يوليو المنصرم حلت الذكرى السنوية العاشرة لحكم محكمة التحكيم الدائمة (PCA) في لاهاي لصالح الفلبين بشأن الدعوى التي رفعتها مانيلا ضد بكين، وهو حكم تجاهلته الأخير ولم تعترف به وعدته بمثابة قصاصة ورق لا قيمة لها، بدليل أنها، منذ صدوره، راحت تتوسع في عسكرة المناطق المتنازع عليها ببناء المنشآت العسكرية والقواعد ومهابط الطائرات والتحصينات الدفاعية، الأمر الذي يعكس مدى التصدع الحاصل في النظام العالمي والاستهتار بالقانون الدولي من جهة، ويعكس من جهة أخرى مضي الصين في سياساتها التوسعية على حساب جاراتها الصغيرات الأقل قوة. 

الأغرب من كل هذا أن الدول الأربع عشرة التي احتفلت بهذه الذكرى، لم تكن بينها أيا من دول منظومة آسيان سوى الفلبين صاحبة القضية، إذ فضلت شريكات الفلبين الآخريات الصمت. وهذا لئن عكس شيئا فإنما يعكس مدى تصدع هذا التكتل الآسيوي، أو استمراره في سياسة النأي بالنفس عن مشاكل الدول الأعضاء الخاصة. كما أنه يدل، من جهة أخرى، على مدى حذر وخوف بعض الدول الأعضاء من اتخاذ مواقف قد تغضب الصين، فيرتد عليها ذلك بخسائر اقتصادية.

ومما يجدر بنا ذكره في هذا المقام أن "رابطة آسيان" الجنوب شرق آسيوية سوف تحتفل في أغسطس من العام القادم بالذكرى الستين لتوقيع ميثاقها. وستكون المناسبة، بلا شك، فرصة للإحتفال بستة عقود من التقدم الاقتصادي والتعاون الثقافي والدبلوماسي، لكنها ستكون في الوقت نفسه لحظة لمواجهة فشل الرابطة في الوفاء بإلتزاماتها لجهة تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة من خلال احترام العدالة وسيادة الحق والقانون والالتزام بمباديء ميثاق الأمم المتحدة.

ولعله من نافلة القول أن حقيقة كون رابطة آسيان تكتلا قائما على التوافق ومبدأ عدم التدخل ــ مصدر ضعفها الرئيسي ــ وبالتالي عدم وقوفها خلف الفلبين في قضيتها ضد الصين، ساهم في تشجيع بكين على القول بأنها على حق، وأنه  حتى شريكات الفلبين لا يعترفون بحقها، الأمر الذي شجعها على مواصلة استغلال الأراضي المتنازع عليها عسكريا وتنقيبيا دونما رادع، بل وشجع مؤيدوها على الترويج لسياساتها "الحكيمة" على مواقع التواصل.

يعود أصل القضية الخلافية بين مانيلا وبكين إلى عام 2013 حينما طلبت الفلبين في عهد زعيمها السابق المثير للجدل "رودريغو دو تيرتي" من محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي البت في الحقوق التاريخية والمطالبات البحرية للفلبين في بحر الصين الجنوبي، وأيضا البت في مدى قانونية السلوك الصيني في المنطقة. كان رد فعل بكين هو رفض إرسال ممثلين عنها إلى جلسات التحكيم، بل ورفض قبول الخطابات التي أرسلها قضاة المحكمة إليها. على أن هذا الرفض لم يمنع المحكمة من القيام بمهامها وإجراءاتها القانونية لأن المادة التاسعة من الملحق السابق لإتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي وقعت الصين عليه، ينص بشكل واضح على أن غياب أحد أطراف النزاع أو امتناعه عن الدفاع عن قضيته لا يشكل عائقا أمام سير إجراءات التحكيم.

وهكذا قضت المحكمة بتاريخ 12 يوليو 2016م، وفقا للأصول القانونية المتبعة، بأن عدم مشاركة الصين لا يمكن استخدامه للإنتقاص من حق الفلبين في التحكيم الدولي، ثم أصدرت حكمها لصالح الفلبين والذي تضمن رفض المحكمة لإدعاءات الصين بامتلاك حقوق تاريخية للسيطرة على الموارد داخل "خط النقاط التسع" باعتبار هذا الخط باطلا لتعارضه مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وإدانة المحكمة تصرفات الصين كونها تنتهك الحقوق السيادية لجمهورية الفلبين داخل منطقتها الاقتصادية الخالصة، بما فيها أعمال التنقيب عن النفط والصيد وإعاقة السفن الفلبينية. كما حملت المحكمة الصين مسؤولية التسبب في أضرار جسيمة للبيئة البحرية لأنها قامت ببناء الجزر الإصطناعية ومارست أنشطة حصاد الشعب المرجانية دون وجه حق.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أغسطس 2026م