الثلاثاء، 23 يونيو 2026

مذكرة التفاهم الايرانية ــ الأمريكية، هل ستصمد؟


  

بقلم: د. عبدالله المدني*

كتب الكثير عن مذكرة التفاهم التي وقعت مؤخرا عن بعد بين النظام الايراني والولايات المتحدة الأمريكية، بوساطة باكستانية، لإنهاء حرب المائة يوم في الخليج العربي، وسوف تستمر الكتابة طويلا عن ظروفها وخفاياها وملابساتها وبنودها، وسط توقعات البعض بأنها لن تصمد، وستنهار عند أول اختبار حقيقي لها. أما أسباب واحتمالات انهيارها فكثيرة، لعل أولها أن الاتفاقية موقعة بين طرفين، كل منهما لا يثق في الآخر، حيث أن التجارب والسوابق التاريخية علمتنا أن الثقة المتبادلة بين طرفي أي نزاع، شرط أساسي لنجاح أي تسوية بينهما.

وفي الحالة التي أمامنا نجد أن العداء مستحكم بين واشنطن وطهران منذ قيام ما يعرف بجمهورية إيران الإسلامية في عام 1979، لإختلاف وتناقض سياسات وقيم ومباديء كل منهما. ما جعلهما منذ أكثر من أربعة عقود مضت في حالة صراع دائم بأدوات مختلفة، وهواجس وشكوك متبادلة، بل خلق لدى كل منهما نوازع انتقامية، خصوصا وأن النظام الايراني مارس الإرهاب بمختلف ألوانه ضد المصالح الأمريكية في كل مكان، وهو ما اضطرت معه واشنطن للرد عبر ملاحقة اتباعه ورموزه أو عبر تشديد الحصار وتضييق الخناق عليه.

يشتكي الإيرانيون من أن الولايات المتحدة لم تظهر منذ عام 1979 أي نوايا حسنة تجاههم، بل رفعت لواء التهديد والاعتراض ضد نظامهم الجديد منذ اليوم الأول، بينما يشتكي الأمريكيون من أن النظام الفقهي الإيراني خالف كل القوانين والنواميس الدولية المتعارف عليها في العلاقات بين الامم المتحضرة، ولم يثبت قط  إلتزامه بوعوده، وراح بدلا من ذلك يمارس الخداع عبر المناورة والتسويف والدجل والبلطجة وفبركة الأخبار وقلب الحقائق وتأسيس الميليشيات لزعزعة الأمن والسلم ونشر الفتن والقلاقل، استمرارا ومواصلة لسياسة التحريض على أمريكا والغرب والدول الحليفة، المترسخة في العقيدة الايرانية.

يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآن أنه سيحيل ما أتفق عليه مع إيران إلى الكونغرس الأمريكي لمراجعته. وعلى الرغم من صعوبة التكهن بالنتيجة، فإن طرح الاتفاقية للمناقشة أمام المشرعين الأمريكيين المختلفين في مواقفهم من الحرب الترامبية ونتائجها قد يفضي إلى اعتراضهم عليها أو على الأقل الإعتراض على بعض بنودها.

من جانب آخر، تشتد المعارضة الجماهيرية والشارعية في إيران ضد الاتفاقية، مدفوعة ومدعومة من قوى التطرف داخل النظام من تلك التي راحت تخوّن من تفاوض بإسم إيران، وتطالب باستقالته. وهذه الجماهير ــ بطبيعة الحال ــ تنطلق من القيم والخرافات والأساطير الدينية التي تمّ غرسها في رأسها، وفي مقدمتها قيم الرفض والمقاومة حتى الإستشهاد، فداء للمرشد والإمام الغائب.

وهناك إسرائيل التي أعلن رئيس حكومتها "بنيامين نتنياهو" صراحة معارضته الشديدة لأي بند في الاتفاقية ينص على الوقف الدائم لإطلاق النار على جميع الجبهات (بما فيها لبنان)، قائلا: "إن القوات الإسرائيلية سوف تستمر في القتال وستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وغزة وسوريا طالما دعت الحاجة لحماية بلادنا". وهو لئن أذعن صاغرا للمطالب الامريكية بوقف حربه على لبنان، فإن لا شيء يمنعه من معاودة الحرب في حال تحرش حزب الله الإرهابي بالجيش الاسرائيلي.

وإذا افترضنا أن شيئا مما سبق لم يعترض طريق الاتفاق اليوم، وسارت الأمور على مايرام، فإن أشياء أخرى قد تسقطها خلال مهلة الشهرين القادمين اللئين حددا للتفاوض حول القضايا المؤجلة والتي تشمل ملفات جوهرية مثل: برنامج إيران النووي، وصواريخها الباليستية، ومخزونها من اليورانيوم المخصب، وأذرعتها الميليشاوية الاقليمية في الشرق الأوسط.

وهنا يتوقع على نطاق واسع أن يحدث الصدام بين الطرفين المتفاوضين، فواشنطن لن تقبل بأقل من وقف طهران تخصيب اليورانيوم كليا، بينما الأخيرة ستصر على التخصيب كحق من حقوقها السيادية كدولة مستقلة، والشيء ذاته ينطبق على ملف الصواريخ البالستية التي لا يمكن للنظام الايراني التخلي عن صناعتها وتطويرها باعتبارها سلاحا لتخويف وابتزاز دول الجوار. أما برنامج إيران النووي، الذي قيل أن طهران إلتزمت بوقفه كبند متضمن في الاتفاقية الموقعة، فلا يوجد ما يضمن التخلي عنه تماما خصوصا وأن الإيرانيين كثيرا ما نقضوا وعودهم والتزاماتهم.

وفي رأينا ورأي العديد من المراقبين أن الاتفاق الموقع فقط أوقف حربا كشفت عما يمكن لطرفيها أن يفعلا في بعضهما البعض، وأعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري عن إيران، لكنه لم يصل إلى تسوية نهائية للصراع الامريكي الايراني، وإنما انتهى إلى هدنة ستكشف الأيام القادمة مدى صمودها، أو مدى حاجتها إلى هدنات أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م


الأحد، 21 يونيو 2026

إعادة كوريا الشمالية إلى بيت الطاعة الصيني


  بقلم: د. عبدالله المدني

لا تغرك عبارات الصداقة والتعاون والتضامن التي عادة ما تسبق أو تلي اللقاءات الصينية ــ الكورية الشمالية على أي مستوى. فخلفها توجد تعقيدات وتباينات كثيرة وغموض وعتب وحساسية، وإلا لما قام الرئيس الصيني "شي جينبينغ" مؤخرا بزيارة خاطفة ومفاجئة إلى بيونغيانغ لملاقاة نظيره الكوري "كيم جونغ أون"، وهي الزيارة الأولى له إلى العاصمة الكورية الشمالية منذ عام 2019.

لقد اعتاد زعماء الصين منذ زمن المعلم المؤسس "ماو تسي تونغ" ألا يقوموا بأنفسهم بزيارة عواصم حلفائهم الموثوقين، وعند وجود قضية تستدعي لقاء على مستوى القمة، كانوا يستدعون زعماء تلك الدول إلى بلاطهم في بكين. وهم لطالما استخدموا هذا الأسلوب مع الزعيم الكوري الشمالي الحالي "كيم جونغ أون"، ومن قبل مع والده وجده.

صحيح أن الصين شكلت طوال العقود الماضية الرئة التي تتنفس بها كوريا الشمالية، بدليل سيطرة الأولى على 95% من تجارة الثانية الخارجية، وذلك في ظل ما تعانيه بيونغيانغ من عقوبات وعزلة دولية بسبب سياساتها الرعناء ونظامها الحديدي القمعي وتهديد جاراتها بالباليستي والنووي. وصحيح أن الصين كانت سعيدة وراضية بهذا الوضع،  أي دوران كوريا الشمالية في فلكها بالكامل وإبداء الطاعة العمياء لها، مقابل تزويدها بالطعام والكساء والوقود والآلات والمركبات وكل أسباب الحياة والبقاء، تحت شعار "الأخوة الإشتراكية الخالدة". غير أن هذا الأمر يبدو أنه تغير خلال السنوات الأربع الماضية منذ أن بدأت بيونغيانغ التقرب من موسكو عبر تزويدها بالذخيرة وقذائف المدفعية في حرب الأخيرة ضد أوكرانيا، وصولا إلى قرار بيونغيانغ في عام 2024 بنشر ما لايقل عن 11 ألف جندي كوري شمالي للقتال إلى جانب القوات الروسية.

لقد أتاح هذا التطور في العلاقات بين موسكو وبيونغيانغ حصول الأخيرة على مكافأة مالية من الروس بمليارات الدولارات فاقت إجمالي قيمة تجارتها الخارجية لعام 2025 والتي بلغت نحو 3.3 مليار دولار، بل وحصولها ايضا على تكنولوجيا الطائرات المسيّرة المتقدمة، ومعدات الدفاع الجوي، والمساعدات الفضائية، والصواريخ المضادة للطائرات، وأنظمة الحرب الإلكترونية، علاوة على مفاعل نووي لغواصة.


وعلى هامش هذا التطور توثقت علاقات البلدين بقوة، وقام الزعيم الروسي فيلاديمير بوتين في عام 2024 بأول زيارة له إلى بيونغيانغ منذ عام 2000، وهذا بدوره لامس جنون العظمة عند كيم وجعله يعتقد أنه صار أكثر حرية في التصرف، ولعل ما زاده غرورا أنه عومل في بكين على قدم المساواة مع بوتين إبان مشاركتهما في احتفالات عيد يوم النصر الصيني في سبتمبر من العام الماضي.

لقد مثل تصريح كيم بأن مخططات بلاده النووية (المدعومة تكنولوجيا من موسكو) لا رجعة فيها، تحديا صريحا وهيكليا للصين، التي تنشد الإستقرار، ولا تريد سباقا نوويا في محيطها تشترك فيه سيئول وطوكيو، كي تواصل صعودها دون مآزق وانشغالات بملفات ثانوية، خصوصا وأن التصريح جاء قبيل بدء زيارة جينبيغ إلى بيونغيانغ. أما ارتماء كوريا الشمالية في احضان موسكو فقد عُدّ في بكين بمثابة تمرد على بنود معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة الموقعة في عام 1961 بين البلدين، والتي تمّ تجديدها للمرة الثالثة في سنة 2021، علما بأن بندها الأول ينص على تقديم مساعدات عسكرية فورية بكل الوسائل المتاحة في حال تعرض أي من الطرفين لهجوم. ومما لاشك فيه أن هذه المعاهدة جعلت الصين ضامنا وحيدا لكوريا الشمالية، لكن مع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وبيونغيانغ والموقعة في عام 2024 أصبح لدى نظام كيم الحديدي ضامن ثان.

يرى كيم نفسه اليوم غير معزول، ويجد أن بلاده صارت محل تنافس بين القوى العظمى في ظل نظام عالمي متصدع، ويرى في زيارة جينبينغ لعاصمته تجسيدا لحرص الصينيين على صداقته وانعكاسا لمخاوفهم من فقدانه كورقة ضغط ضد خصومهم، لتصبح هذه المخاوف أعظم رصيد يملكه.

يقول المراقبون أن كيم يخدع نفسه بهذه التصورات، لأن استراتيجية الصين الاقليمية تقوم على الاستفادة القصوى من كوريا الشمالية في مشاغبة الولايات المتحدة وحليفاتها الآسيويات، وفي هذا السياق لا مانع عند الصينيين من امتلاك بيونغيانغ لقوة نووية وباليستية متطورة محدودة، شريطة أن تبقى دولة مطيعة عازلة تدور في فلكهم وتأتمر بأوامرهم، دون تطلعات للعب أدوار خارجية أكبر من حجمها، كدورها في الحرب الروسية ــ الأوكرانية. والمفارقة هنا ــ ويالها من مفارقة ــ أن بكين شجعت بسذاجة كوريا الشمالية، في وقت من الاوقات، على نجدة روسيا لمنع انهيارها، فتعمقت الروابط بين بيونغيانغ وموسكو، بشكل بات يهدد نفوذ الصين السياسي في روسيا من جهة، وهيمنة الصين على قرارات كوريا الشمالية من جهة أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م




الثلاثاء، 9 يونيو 2026

تعاظم أهمية تحالف "كواد" الرباعي


 

بقلم: د. عبدالله المدني*

يخطيء من يعتقد أن تحالف "كواد" الرباعي المكون من الولايات المتحدة الأمريكية والهند وأستراليا واليابان قد مات وانتهى أو تقلص دوره وأهميته. وبالمثل يخطيء من يعتقد أن مبرراته قد انتفت بعد القمة الأمريكية ــ الصينية الأخيرة في منتصف مايو الفائت. فهذه القمة لم تثمر عن شيء سوى "مكاسب اقتصادية محدودة وهدنة سياسية هشة مع استمرار التنافس الهيكلي العميق"، بحسب تعبير الزميل حسين شبكشي. 

ثم أن ظهور "كواد" في عام 2007 كحوار أمني رباعي وشراكة استراتيجية غير رسمية بمبادرة من رئيس وزراء اليابان الأسبق "شينزو أبي" كان هدفه الأساسي هو الحفاظ على منطقة المحيطين الهندي والهاديء حرة ومفتوحة، وضمان ازدهارها، في مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد وسياسات بكين للهيمنة والتوسع وعسكرة المياه الدولية. والمعروف أن بكين سارعت بالتعبير عن قلقها من هذا التحالف وقت إطلاقه في 2007 ثم مرة أخرى وقت إحيائه في عام 2017، بل اعتبرته بمثابة "ناتو آسيوي" غرضه محاصرة الصين واستفزازها من خلال تبني عقلية الحرب الباردة، على الرغم من تأكيد أعضاء التحالف أن "كواد" لا يستهدف دولة بعينها، ويركز على التعاون في مجالات الملاحة البحرية ومراقبة الحدود وإلأمن البحري وأمن الطاقة والتكنولوجيات الحيوية.

ومما لا شك فيه أن مبررات وجود تحالف مثل "كواد" كقوة موازنة فعالة قد تضاعفت اليوم في ظل سياسات الإدارة الأمريكية الحالية، وما يجري في المضايق والمياه الدولية من صراعات، الأمر الذي يستدعي ــ من وجهة نظرنا ــ ضرورة تحويله من حوار أمني إلى تحالف رسمي مفتوح أمام دول مؤثرة أخرى.

نستطيع فهم أولئك الذين قالوا بموت "كواد" وانتفاء أهميته، فبعضهم ينطلق من موقف عدائي مطلق ضد واشنطون وسياسات ترامب، والبعض الآخر لا يستطيع إخفاء إعجابه بالنظام الصيني وسياسات الرئيس "شي جينبينغ"، والبعض الثالث بنى فرضيته على حقيقة أن قادة التحالف لم يعقدوا أي قمة منذ قمة ديلاوير بالولايات المتحدة عام 2024، وأن القمة التي كانت مقررة في نيودلهي العام الماضي قد ألغيت (كان السبب تدهور العلاقات الأمريكية ــ الهندية على خلفية حملة الرئيس دونالد ترامب الصارمة على الهجرة، وفرضه تعريفات جمركية عالية على الواردات من الهند، ناهيك عن التوترات الناجمة عن مشتريات الهند من النفط الروسي، والتقارب الأمريكي ــ الباكستاني).

ويبدو لنا أن هذا البعض الثالث غير قادر على استيعاب فكرة أن لكل دولة من دول "كواد" سياساتها الخاصة المستقلة وتتصرف بما يمليها عليها مصالحها الوطنية ولها أجنداتها الخاصة بالحفاظ على نفوذها وتعزيزها، وعليه فقد تختلف لكنها تلتقي عند نقطة مقاومة الطموحات الصينية التي تراها من وجهة نظرها مزعزعة للإستقرار في المحيطين الهندي والهاديء. ولأن الديناميكيات الهيكلية في منطقة المحيطين لم تعد على حالتها القديمة ببروز الصين كقوة اقتصادية وعسكرية وصناعية هائلة، ولأن التحديات الجيوسياسية أمام "كواد" تضاعفت، جاء قرار دول التحالف الأربع في عام 2017 بإعادة الحوار الأمني، بعد توقفه لفترة وجيزة. ومؤخرا عقد وزراء خارجية الدول الأربع اجتماعا في نيودلهي، وهذا وحده يكفي دليلا على حيوية واستمرار "كواد".

ويعتقد على نطاق واسع أن التحالف في طريقه إلى توسيع أهدافه وتعميقها، فمن بعد سنوات من التعاون السيبراني والاستخباراتي، والتدريبات والمناورات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات، وأعمال الإغاثة الانسانية، ومقاومة القرصنة البحرية، برزت اليوم الحاجة إلى التركيز على التعاون في البنية التحتية في المحيطين وفي مجالات الموانيء وكابلات الاتصالات البحرية والمعادن الحيوية النادرة وشبكات الخدمات اللوجستية وأمن المضايق والممرات الدولية.

ومن هنا كان إيلاء وزراء خارجية الدول الأربع اهتماما خاصا بمسائل مثل إنشاء موانيء مشتركة في فيجي ونيكوبار الكبرى، الأمر الذي يشير إلى تحول جيواقتصادي استراتيجي، وعودة الجغرافيا الاقتصادية لتصبح عاملا محوريا في ديناميكيات القوة. فوفقا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية فإن نحو 80% من التجارة العالمية تنقل بحرا عبر مسار يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الهندي فمضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي في المحيط الهاديء، كما يُنقل عبر هذا المسار المائي أكثر من 30% من تجارة النفط الخام العالمية ونحو 40% من شحنات الغاز الطبيعي المسال. والمعروف أن جزر فيجي، التي ادمجها "كواد" الآن في شبكة تحالفاته، تعد نقطة ارتكاز سياسية واقتصادية في جنوب المحيط الهاديء. أما جزيرة نيكوبار الكبرى الهندية فتعد بوابة حيوية للسيطرة على خطوط الملاحة البحرية كونها تقع عند المدخل الاستراتيجي لمضيق ملقا، وبالتالي تمثل نقطة مراقبة طبيعية هامة، تتيح للهند وشريكاتها إغلاق أو مراقبة الممرات الحيوية التي تعتمد عليها الصين في امدادات الطاقة والتجارة.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م




الجمعة، 5 يونيو 2026

الانتشار اللبناني يحشد التأييد الدولي ويدعم بناء الدولة وإرساء السلام


كتب الياس كساب، مي الريحاني، فيليب سالم


5 حزيران 2026


في ظلِّّ التحوّلاتِّ الكبرى التي تشهدها المنطقة، يقفُ لبنانُ أمام فرصةٍ تاريخيّةٍ نادرةٍ لإعادةِّ بناءِّ الدولةِّ واستعادةِّ قرارِّها السياديّ، بعيداً من منطقِّ الحروبِّ بالوكالة والمحاورِّ الإقليميّة. فبعدَ عقودٍ طويلةٍ من تحوّلِّه إلى ساحةِّ نفوذٍ وصراع، يبدو أنّ المجتمعَ الدوليّ، وفي مقدّمهِّ الولاياتُ المتحدة، بدأ يتعاملُ مع لبنانَ باعتباره دولةً يجبُ إنقاذُها واستعادةُ استقلالِّ قرارِّها، لا مجرّدَ ورقةٍ مرتبطةٍ بالتوازناتِّ الإقليميّة. وتبدو المقاربةُ الأميركيّةُ اليوم مختلفةً عن الماضي.

فواشنطن، مدعومةً بتوجّهٍ دوليّ وعربيّ، باتت تنظرُ إلى لبنان كملفٍّ مستقلٍّ يجبُ فصلهُ عن المفاوضاتِّ الإيرانيّةِّ وعن نفوذِّ أيّ قوّةٍ إقليميّة، سواء كانت إيران أو غيرها. وهذه المرّة، لا يبدو الهدفُ إدارةَ النفوذِّ الخارجيّ في لبنان، بل المساعدةُ على إنهاءِّ هذا النفوذ، وإعادةُ تثبيتِّ مفهومِّ الدولةِّ اللبنانيّةِّ السيّدة القادرة على احتكارِّ قرارِّ الحربِّ والسلم.

في هذا السياق، يبرزُ الموقفُ الجريءُ للحكم في لبنان وسطَ كمٍّ هائلٍ من الضغوطِّ الداخليّةِّ والخارجيّة، من أجل إعادةَ تثبيتِّ منطقِّ الدولةِّ والمؤسّسات. فخطابه السياسيّ، القائمُ على دعمِّ الشرعيّة، وتعزيزِّ دورِّ الجيش، وحصرِّ السلاحِّ بيدِّ الدولة، واستعادة قراري الحرب والسلم، والسعيِّ إلى إعادةِّ لبنان إلى الحضنِّ العربيّ والدوليّ، يشكّلُ نقطةَ تحوّلٍ أساسيّةً بعد سنواتٍ طويلةٍ من التردّدِّ والخضوعِّ لمنطقِّ الأمرِّ الواقع. وها نحن اليوم ننتظر الدولة من العبور من صنع القرار الى تنفيذه. ويبرز هنا أيضا دورُ الانتشارِّ اللبنانيِّّ في العالم، الذي شكّلَ عبرَ التاريخِّ امتداداً حيويّا للبنان، وحافظَ على حضورهِّ السياسيّ والثقافيّ والاقتصاديّ في المحافلِّ الدوليّة. فالانتشار، ولا سيّما في الولاياتِّ المتحدة، يمتلكُ اليوم قدرةً متزايدةً على التأثيرِّ في الرأيِّ العامِّّ وصنعِّ القرار، من خلالِّ شخصيّاتٍ أكاديميّةٍ واقتصاديّةٍ وإعلاميّةٍ وسياسيّةٍ بارزة، إضافةً إلى تنامي دورِّ اللوبي اللبنانيّ – الأميركيّ في الدفاعِّ عن فكرةِّ لبنانَ السيّدِّ المستقلّ.

إنّ نجاحَ هذه المرحلةِّ يتطلّبُ التفافَ اللبنانيّين حولَ مشروعِّ الدولة، ودعمَ المؤسّساتِّ الشرعيّة، لأنّ الفرصةَ الحاليةَ قد تكونُ الأهمَّ منذ عقود. فلبنانُ لم يعد يحتملُ أن يبقى منصّةَ رسائلَ عسكريّةٍ بين طهران وواشنطن، أو ساحةَ مواجهةٍ تُستعملُ لتحسينِّ شروطِّ التفاوضِّ الإقليميّ. المطلوبُ اليوم تثبيتُ معادلةٍ جديدة: لبنانُ أوّلاً، والدولةُ اللبنانيّةُ فوقَ كلِّّ المحاور.

وفي قلبِّ هذا التحوّل، تبرزُ أهميّةُ عودةِّ "حزب الله" الى حضن لبنان والمساهمة في بناء الدولة، بعيداً من الارتهانِّ للمشاريعِّ الخارجيّة وبعيدا من تنفيذ اجندة الحرس الثوري التابع لإيران الثورة الاسلامية. فشيعةُ لبنان كانوا دائما جزءاً أصيلاً من الهويّةِّ الوطنيّةِّ اللبنانيّة، وشاركوا في صناعةِّ نهضتِّها الفكريّةِّ والسياسيّةِّ والثقافيّة. ومن جبلِّ عامل خرج العلماءُ والمفكّرون وروّادُ الانفتاحِّ والمعرفة، لا دعاةُ الحروبِّ المفتوحة.

إنّ أيَّ تسويةٍ جديّةٍ اليوم لا يمكنُ أن تقتصرَ على وقفِّ إطلاقِّ النار أو الترتيباتِّ الأمنيّةِّ المحدودة، بل يجبُ أن تؤسّسَ لسلامٍ دائمٍ واستقرارٍ حقيقيّ. وهذا السلامُ لا يمكنُ أن يقومَ إلا على الضمانات الآتية:

أولاً، الضمان الأميركيّ، باعتبارِّ أنّ الولاياتِّ المتحدةَ هي الجهةُ الدوليّةُ الوحيدةُ القادرةُ فعليّا على الضغطِّ لضمانِّ احترامِّ أيِّّ اتفاقٍ أو تسوية، ومنعِّ تكرارِّ الحروبِّ والاعتداءات، كما أنّها الجهةُ الأكثرُ قدرةً على توفيرِّ الدعمِّ السياسيِّّ والعسكريّ والاقتصاديِّّ اللازمِّ لقيامِّ دولةٍ لبنانيّةٍ قويّة. وقد يحتاج ذلك الى ابرام معاهدة دفاع مشتركة بين الولايات المتحدة ولبنان.

ثانيا: ان نزع سلاح "حزب الله" لا يمكن تحقيقه بالقوة وحدها. فهذا يحتاج الى قرار سياسي تتخذه إيران. ومن هذا المنطلق فالانتشار اللبناني يطلب من الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن الإصرار على المفاوض الأميركي لإدراج بند في الاتفاق الأميركي - الإيراني، تتعهد فيه إيران بوقف تدفق المال والسلاح الى "حزب الله" وكل الاذرع العسكرية التي زرعتها في العالم العربي. 

ثالثاً، التطبيقُ الكاملُ للقراراتِّ الدوليّةِّ ذاتِّ الصلة، وفي مقدّمها القرار 1701 ، بما يضمنُ بسطَ سلطةِّ الدولةِّ اللبنانيّةِّ على كاملِّ أراضيها، وضبطَ الحدود، ومنعَ وجودِّ أيِّّ سلاحٍ خارجَ إطارِّ الشرعيّة، وترسيخَ مبدأِّ حصريةِّ قرارِّ الحربِّ والسلم بيدِّ الدولةِّ وحدها.

ومع الحديثِّ المتزايدِّ عن انتهاءِّ دورِّ القوة الدوليّةِّ بصيغتِّها الحاليّة، تبرزُ الحاجةُ إلى مقاربةٍ جديدةٍ أكثرَ فعاليّة. فالمطلوبُ ليس مجرّدَ مراقبةٍ هشّةٍ لوقفِّ النار، بل إنشاءُ قوّةٍ دوليّةٍ متعدّدةِّ الجنسيّة، تعملُ بتفويضٍ واضحٍ من الأممِّ المتحدة، وتساندُ الجيشَ اللبنانيَّ في تنفيذِّ مهمّاتِّه السياديّة، وعلى رأسها بسطُ سلطةِّ الدولة، وحمايةُ الحدود، وضبطها. غير أنّ نجاحَ أيِّّ قوّةٍ دوليّةٍ يبقى مرتبطا بإعادةِّ بناءِّ الجيشِّ اللبنانيّ نفسه. فالجيشُ يحتاجُ إلى تسليحٍ حديث، وتدريبٍ متقدّم، وزيادةٍ كبيرةٍ في عديدِّه وإمكاناتِّه اللوجستيّة، ليصبحَ قادراً فعلاً على تولّي مسؤوليّاتِّ الأمنِّ الوطنيّ كاملةً. فالدولةُ لا تُبنى بالشعارات، بل بمؤسساتٍ قويّةٍ تمتلكُ القرارَ والقدرةَ على تنفيذ القرار معا.

لقد تعبَ اللبنانيّون من الحروبِّ والانقساماتِّ والانهيارات، وهم اليوم أمام لحظةٍ مفصليّة: إمّا العودةُ إلى منطقِّ الدولةِّ والسيادةِّ والسلام، وإمّا البقاءُ أسرى لمشاريعِّ الخارجِّ وصراعاتِّه. وإذا نجحَ اللبنانيّون، ومعهم انتشارُهم الواسعُ في العالم، في التقاطِّ هذه الفرصةِّ التاريخيّة، فقد يكونُ ذلك بدايةَ ولادةِّ لبنان جديد، يستعيدُ سيادتَه، ويعودُ مساحةً للحياةِّ والتعدديّةِّ الحضارية والانفتاح، فيستعيد دوره وطن الرسالة، بدلَ أن يبقى ساحةً لحروبِّ الآخرين .


بين أن نثبت للعالم أنّنا شعبٌ ميؤوسٌ منه، فنستحق الوصايات، أو أنّنا شعبٌ جديرٌ بالحياة، ويستحق السلام. انها ساعة الحقيقة. وأكثر ما يحتاج لبنان في هذه الساعة، القادة.

الأربعاء، 3 يونيو 2026

الذكاء الاصطناعي يقود اقتصادات شمال شرق آسيا


 بقلم: د. عبدالله المدني*

في تايوان واليابان وكوريا الجنوبية تحولات اقتصادية كبرى بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي عالميا، وحماس المستثمرين حول العالم للإستثمار في هذا المجال الواعد (إنفيديا الأمريكية قررت إستثمار 150 مليار دولار سنويا في تايوان مثلا)، وهيمنة شركات هذه الدول الناهضة على كبريات شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية مثل تي إس إم سي (TSMC) التايوانية، وسامسونغ الكورية، ورابيدوس وكوكيا اليابانيتين.

ففي تايوان إرتفعت أسهم شركة (TSMC) هذا العام بنسبة 42% من المؤشر القياسي للبلاد الذي إرتفعت قيمته السوقية اليوم إلى نحو خمسة تريليون دولار أمريكي، وهذا يعني ان موقع تايوان في الصدارة، وأن ازدهارها لا يمكن ايقافه طالما استمر زخم الطلب على الذكاء الإصطناعي، بدليل أن أرقام الصادرات تؤكد ذلك، حيث ارتفع اجمالي الصادرات هذا العام بنسبة بلغت 47.8% عن العام الماضي. ومن ضمنها نمو بنسبة 40.5% في تصدير الرقائق الإلكترونية، ونمو بنسبة 84% في تصدير الآلات والمعدات الكهربائية.

وبعبارة أخرى يمكن القول أن تايوان، الصغيرة مساحة وسكانا، صارت واحدة من أبرز الدول المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، وأصبح نموها وثروتها مرتبطان ارتباطا وثيقة بالطلب العالمي على الرقائق وأجهزة الذكاء الاصطناعي، وهذا بدوره حوّل هذه السلعة إلى قلب نابض لإقتصاد تايوان التي باتت تجني قيمة مضافة في كل مرة يُحسّن فيها العالم قدراته الحاسوبية والرقمية.  إذ حقق إقتصاد تايوان نموا هائلا بنسبة 13.7% في الربع الأول من العام الجاري، وهو أسرع معدل نمو له منذ عام 1987.

وفي كوريا الجنوبية، نجد ديناميكية مماثلة ونموا اقتصاديا مشهودا بدليل ارتفاع مؤشر كوسبي هذا العام ارتفاعا ملحوظا بلغت نسبته 90%، بفضل عملاقي صناعة الرقائق الإلكترونية: شركتا إس كيه هاينكس (SK HYNIX) وسامسونغ إليكترونيكس اللتان حققتا قفزة بنسبة 215% و 149% على التوالي. ومما لاشك فيه أن هذا التطور يمنح رئيس البلاد "لي جاي ميونغ" فرصة طال انتظارها لإنقاذ البلاد من حالة الركود وتنفيذ تعهداته بسياسة مالية توسعية جريئة لدعم الأسر والشركات. ويمكن القول أن أكبر المستفيدين من هذا التطور هو "صندوق المعاشات التقاعدية الوطني".  والمعروف أن أصول هذا الصندوق ارتفع من 805 مليار دولار في عام 2024 إلى 970 مليار دولار في العام الماضي، ووصل اليوم إلى نحو 1.2 تريليون دولار.

أما اليابان، ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين، فقد شهدت هي الآخر انتعاشا ملحوظا بسبب استفادة المصارف وشركات الإليكترونيات ومنتجي الآلات من زخم سوق الذكاء الإصطناعي، بدليل ارتفاع مؤشر نيكاي 225 (المؤشر الرئيسي والأكثر شهرة لسوق الأسهم اليابانية) إلى مستويات قياسية تجاوزت 67000 نقطة. وبعض الفضل في هذا الانتعاش الاقتصادي يُعزى إلى رواج استراتيجية يولو (YOLO) الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقها جيل الشباب، ومحورها إنفاق الدخل على السفر والتمتع بالحياة واكتساب التجارب، ورفض العمل الإضافي المرهق، وتحقيق توازن أفضل بين الحياة والعمل، بدلا من الإدخار والاستثمار في العقارات الذي كان يميز الثقافة اليابانية. ويرى بعض المراقبين أن عدم تأثر سوق الذكاء الاصطناعي في اليابان كثيرا بتداعيات الحرب الإيرانية هو ثمرة سنوات من إصلاحات حوكمة الشركات وتحسين القدرة التنافسية وسياسات التوازن المثالية القائمة على تضخم معتدل وخروج سلس من سياسة أسعار الفائدة السلبية من قبل بنك اليابان المركزي.

يبقى أن نشير، إلى أن بعض المراقبين المتشائمين حذر من مشكلة التفاؤل المفرط، قائلا ما مفاده أن أي سوق لا يرتفع إلى الأبد، ومآله الهبوط، وأن هذا قد ينطبق على سوق الذكاء الإصطناعي المنتعش حاليا. ولإثبات صحة نظريته، أشار هذا البعض إلى ما حدث في أعقاب طفرة الراديو في العشرينات، وجنون الإنترنت في سبعينات القرن العشرين من انهيارات ووصول أسواق الإسهم إلى حافة الهاوية.

ونختتم حديثنا بالقول أن على تايوان واليابان وكوريا الجنوبية أن تستفيد من الزخم الناجم عن نمو الطلب على الذكاء الإصطناعي لجهة تنويع محركات النمو الاقتصادي بعيدا عن الصادرات نحو الطلب المحلي، وهذا يتطلب، بطبيعة الحال، تنشيط إصلاحاتها وإعادة هيكلة نماذجها الاقتصادية، وذلك تفاديا لأي خلل في سلاسل التوريد العالمية جراء أحداث سياسية فجائية مثل الحروب وتعطيل حركة الملاحة الدولية من جهة، وبالنتجة تفاديا لأي تباطؤا في قطاع الذكاء الإصطناعي قد تنهار معه التقييمات الحالية فيتسابق جراءه المستثمرون إلى بيع أسهمهم للعودة إلى الأوضاع الاقتصادية السابقة من جهة أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م


الأربعاء، 20 مايو 2026

مودي يعزز قبضته على الهند بالفوز بولاية البنغال


بقلم: د. عبدالله المدني

جرت مؤخرا انتخابات تشريعية محلية في خمس ولايات هندية، تمخض عنها فوز ساحق وغير مسبوق لرئيس الوزراء الحالي "ناريندرا مودي" وحزبه الهندوسي القومي الحاكم (بهاراتيا جاناتا)، ولاسيما في ولاية البنغال الغربية ذات المائة مليون نسمة، والتي ظلت طويلا عصية عليه وفي عهدة المعارضة ممثلة في حزب ترينامول الإقليمي بقيادة السياسية العجوز "ماماتا بنيرجي" منذ عام 2011. إذ تم الإعلان في الرابع من مايو الجاري عن فوز "بهاراتيا جاناتا" بـ 206 مقاعد من أصل 294 في المجلس التشريعي للولاية، مسجلا أول نصر انتخابي له على الإطلاق في ولاية البنغال الغربية، ومسيطرا لأول مرة على معاقل المعارضة في شرق البلاد.

في الوقت نفسه، احتفظ حزب مودي بسيطرته على ولاية آسام الشمالية الشرقية للمرة الثالثة على التوالي، وكذا على إقليم بودوتشيري الساحلي الصغير. وأما في ولاية "تاميل نادو" في أقصى جنوب الهند، فقد تمكن حزبها الاقليمي الجديد (تاميلغا ويتريك كالاغام) بقيادة الممثل السابق جوزيف فيجاي من الفوز، بينما حل بهاراتيا جاناتا ثانيا في الترتيب. وفي ولاية كيرالا الجنوبية تمكن حزب المؤتمر الهندي بقيادة راهول غاندي من ازاحة الحزب الشيوعي الحاكم والحلول مكانه، ليخسر شيوعيو وماركسيو الهند آخر معاقلهم.

بهذه النتائج يكون مودي و(حزبه) قد نجح في الإمساك بوسط الهند وشرقها وغربها وشمالها وبعض جنوبها، وبالتالي نجح في تعزيز قبضته على عموم الهند، وهو ما يقوي موقفه في الانتخابات العامة المقررة سنة 2029، ويثبت أنه لا يزال زعيما قويا دون منافس بعد ثلاث فترات انتخابية متتالية في السلطة منذ عام 2014. 

ولعل ما يزيد من سعادة مودي هو أن فوز حزبه في الانتخابات المحلية الأخيرة قد تحقق على الرغم من سلسلة إجراءات صعبه وغير شعبية اتخذتها حكومته لمواجهة الضغوطات والتحديات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأمريكية ــ الإيرانية في الخليج في ظل اعتماد الهند على امدادات الطاقة من دول الشرق الأوسط، حيث تسبب انقطاع واردات الطاقة عبر مضيق هرمز إلى نقص في غاز الطهي وارتفاع أسعار البنزين وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض تحويلات العمالة الهندية في دول الخليج، ناهيك عن حدوث انخفاض قياسي في سعر الروبية الهندية.

اعتبر مودي فوز حزبه بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي لولاية البنغال الغربية، نصرا سيظل عالقا في الأذهان إلى الأبد، ووصفه بانتصار "قوة الشعب وسياسة حزب بهاراتيا جاناتا القائمة على الحكم الرشيد" طبقا لتدوينته على وسائل التواصل الإجتماعي، كيف لا وقد انتصر في ولاية أكثر من ربع سكانها من الأقلية المسلمة التي يقال أن مودي يعاديها ويهضم حقوقها. لكن زعيمة حزب ترينامول الخاسرــ ومثلما يفعل الخاسرون في أي انتخابات ــ راحت تزعم بعصبية حدوث خروقات وتعديات وتواطيء من جانب مفوضية الانتخابات، متوعدة بهاراتيا جاناتا بالانتقام في الانتخابات القادمة، علما بأنها خسرت حتى مقعدها الانتخابي في دائرة "بهابانيبور" بفارق 15 ألف صوت لصالح مرشح من بهاراتيا جاناتا. ويعكس تشكيك بنيرجي بنزاهة الانتخابات، في الواقع، حالة احتقان سياسي، واحباط حقيقي داخل صفوف المعارضة.

لكن كيف نجح مودي في تحقيق هذه الانتصارات، التي ستعزز حتما صورته كزعيم قادر على تحقيق اختراقات سياسية حتى في أصعب المناطق والظروف، بعد أن كانت المعارضة تتوقع خسارته، عطفا على فقدان بهاراتيا جاناتا الأغلبية في الانتخابات العامة السابقة التي جرت في يونيو 2024. يمكن اختصار الإجابة في عبارتين هما: "التنظيم الميداني الجيد" و"الروح القتالية لمرشحي بهاراتيا جاناتا".

إن ما حدث لن يعيد رسم موازين القوى السياسية داخليا لسنوات قادمة، وإنما هو أيضا مؤشر جديد على مدى تراجع قوى المعارضة التقليدية، ولاسيما حزب المؤتمر، أمام زخم التيار القومي الزعفراني. 

ونختتم بالإشارة إلى بعض الآراء التي برزت في اعقاب ظهور نتائج هذه الانتخابات. فبعض المراقبين رأي فيها دليلا إضافيا على إستقرار الهند سياسيا ومناعة ديمقراطيتها التعددية، وبالتالي تعزز فرص جذب الاستثمارات الاجنبية التي عادة ما تبحث عن الدول المستقرة سياسيا، بينما تحدث البعض الآخر عن احتمالات أن يؤدي تضاعف قوة بهاراتيا جاناتا وسيطرتها على المشهد السياسي إلى تغولها في قراراتها الداخلية والمضي بعيدا في سياساتها القومية الهندوسية، وبالتالي إثارة مخاوف اجتماعية وخلق توترات عرقية ودينية وثقافية. أما البعض الثالث فقد قال أن استقرار الهند تحت قيادة مودي سيعزز موقع الهند دوليا، لكنه يضع البلاد تحت مجهر المجتمع الدولي لجهة حقوق الاقليات التي ما برحت تشتكي من غياب العدالة بسبب سطوة الاغلبية الهندوسية.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: مايو 2026م

الثلاثاء، 12 مايو 2026

تداعيات انسحاب الامارات من أوبك على آسيا


 

بقلم: د. عبدالله المدني

قرار دولة الإمارات بالانسحاب من منظمة أوبك وتحالف أوبك +، والذي دخل حيز التنفيذ في الأول من مايو الجاري أثار الكثير من التساؤلات حول تداعيات هذه الخطوة السيادية على الدول التي تعتمد في وارداتها من الطاقة على الإمارات، ولاسيما الدول الآسيوية التي يذهب إليها أكثر من 90% من صادرات النفط الإماراتية. فطبقا لبيانات عام 2024 تصدرت اليابان قائمة المستوردين الآسيويين للنفط الإماراتي بواردات تجاوزت 790 ألف برميل يوميا، تلتها الصين بمتوسط يزيد عن 600 ألف برميل يوميا، ثم الهند بمتوسط يزيد عن 360 ألف برميل يوميا، فكل من تايلاند وكوريا الجنوبية اللتين استوردت كل منهما في المتوسط  نحو 250 ألف برميل يوميا.

والمعروف أن دولة الإمارات انضمت إلى منظمة أوبك في عام 1967، أي بعد سبع سنوات من تأسيس المنظمة، ومذاك لعبت دورا فاعلا مع بقية الاعضاء من موقعها كأحد كبار منتجي الطاقة وكصاحبة احتياطات ضخمة تقدر بنحو 120 مليار برميل من الخام. كما أنها انضمت في نوفمبر 2016 إلى تحالف أوبك + الذي تأسس من 23 دولة بهدف خفض انتاج البترول سعيا وراء تحسين اسعاره واعادة التوازن الى السوق، فكان لها دور محوري كمنتج رئيسي وموثوق في تحقيق الهدف.

والحقيقة أن قرار دولة الامارات لم يكن موجها ضد أحد، وكان قرارا استراتيجيا محضا أملته طموحاتها الإنتاجية غير المتوافقة مع قيود أوبك، ورؤيتها الاقتصادية طويلة الأمد وظروف قطاعها النفطي المتنامي ومصالحها الوطنية والأحوال الجيوسياسية الراهنة في المنطقة والتداعيات الاقتصادية للعدوان الإيراني الآثم عليها. إذ تطلب العلاج أن تكون لدى الدولة المرونة الكافية لجهة الانتاج والتصدير والتوسع في استثمارات الطاقة، ولم يكن هذا متاحا لها في ظل قيود أوبك الشديدة، وبالتالي كان الانسحاب ضروريا كي تصبح الدولة حرة في تحديد انتاجها ووجهة صادراتها وأسعار البيع، وبما تتحدد معه مكانتها في المشهد العالمي للطاقة.

ويمكن تلخيص النتائج المترتبة على خروج الإمارات من قيود أوبك وأوبك + في أربع نقاط:

أولا: ستتمكن الإمارات من تعظيم استفادتها من قدراتها الانتاجية بضخ المزيد من النفط في الأسواق العالمية، وهو ما سيضع الدول الآسيوية المستهلكة أمام وفرة  في الإمدادات ويخلق أمامها خيارات أوسع لجهة الحصول على الطاقة بأسعار تنافسية.

ثانيا: إن وفرة المعروض الإماراتي ستساهم في انخفاض الأسعار وإستقراراها عند حد معين، وهذا سيخدم اقتصادات الدول الآسيوية ذات الاعتماد الكبير على الخام المستودر. إذ يقلل من فاتورة مدفوعاتها ويخفف من معدلات التضخم وضغوطاته.

ثالثا: سوف تتاح الفرصة أمام دولة الإمارات الدخول في صفقات نفطية ثنائية طويلة ومباشرة مع كبار المستهلكين الآسيويين كاليابان والصين والهند وكوريا الجنوبية، الأمر الذي يحقق لهذه الدول أمن الطاقة.

رابعا: تستطيع الدول الآسيوية المستوردة للنفط  الإماراتي الحصول على شحناتها مباشرة من ميناء الفجيرة على بحر العرب، أي دون مرورها بمضيق هرمز وبالتالي انتفاء المخاوف من احتمال تعرضها للتعطيل أو القرصنة.

من ناحية أخرى تناول بعض المراقبين والمحللين القرار الإماراتي من زاوية تداعياته النقدية، فبشروا بعهد البترويوان، بدلا من البترودولار، قائلين أنه إذا كانت عضوية منظمة أوبك قد أسست لنظام العقود النفطية المقومة بالدولار الأمريكي وإعادة تدوير فوائض الحسابات والتجارة مع المستهلكين بالدولار، ومنع الأعضاء من استخدام عملات تسوية بديلة، فإن خروج الإمارات من عضوية أوبك بعد ستة عقود متواصلة يعني زوال هذا العائق أمام الإمارات وامكانية تسوية معاملاتها بعملات أخرى كاليوان الصيني أو حتى الروبل الروسي.

غير أن مثل هذه التوقعات تبدو، من وجهة نظرنا، مبكرة ومتسرعة لأسباب عدة أهمها هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي وتحكم الولايات المتحدة الأمريكية في آليات التحويلات المالية العالمية، وعدم تمتع العملة الصينية حتى الآن بما تتمتع به العملة الأمريكية الخضراء من ثقة في دوائر المال العالمية وقبول كوني واسع. نقول هذا على الرغم من وجود ثمة حقائق وتطورات تساعد الإمارات على تبني فكرة تسوية معاملاتها النفطية بعملات بديلة عن الدولار الأمريكي.

من هذه الحقائق أن شركة أدنوك النفطية الإماراتية بدأت منذ عام 2020 في إدراج عقود خام مربان الآجلة في بورصة انتركونتيننتال آيس فيوتشرز، وهو ما أدى إلى نشوء معيار نفطي إقليمي مستقل عن خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط، ومنها انضمام الإمارات في يناير عام 2024 إلى مجموعة بريكس وبالتالي حصولها على امكانية تسوية معاملاتها التجارية مع الدول الأعضاء المؤسسة كالهند والصين وروسيا بعملات هذه الدول. هذا ناهيك عن أمر هام آخر هو أن الإمارات أضحت شريكا مؤسسا في مشروع  (mBridge) وهو منصة عملات رقمية متعددة البنوك المركزية تعمل تحت اشراف بنك التسويات الدولية، وتتيح التسوية الفورية السريعة والآمنة عبر الحدود بين البنوك المركزية في الصين وهونغ كونغ وتايلاند والامارات.

وهكذا، فإن كون الإمارات لم تعد ملزمة بنظام الحصص، يمكن لمصافي النفط الصينية أن تتفاوض على عقود باليوان بكميات كبيرة وعلى نطاق واسع، ليس كاستثناء لتسعير الدولار وإنما كبنية تسعيرية موازية، خصوصا وأن نفط مربان يمثل حصة كبيرة من الخام المستورد للمصافي الصينية. ويمكن للهند واليابان وكوريا الجنوبية، وحتى إندونيسيا أن تفعل الشيء نفسه.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: مايو 2026م


الأحد، 10 مايو 2026

هانسون ليست الحل


كتب عباس علي مراد

جرت السبت الماضي الانتخابات الفرعية عن مقعد فارير الفيدرالي في جنوب ولاية نيو سوث ويلز، والذي شغر بعد إستقالة زعيمة حزب الأحرار السابقة  سوزان لي من مجلس النواب، بعد أطاحتها من زعامة الحزب لصالح زعيم الحزب  الحالي آنغس تايلر وكانت قد شغلت المقعد لمدة 25 عاماً.

ستدخل هذه الانتخابات التاريخ السياسي الأسترالي من بابه العريض لأسباب عدة منها:

لأول مرة يدخل حزب أمة واحدة الى مجلس النواب، حيث كان تمثيله يقتصرعلى عضوية المجلس التشريعي (السينت) منذ دخول بولين هانسون الندوة البرلمانية عام 1996، بعد أن كانت مرشحة على لأئحة حزب الأحرار الذي طردها من صفوفه بسبب تصريحاتها العنصرية ضد الجالية الصينية.

لأول مرة يخسر الائتلاف (الأحرار- الوطني) المقعد منذ 77 عاماً.

لأول مرة في تاريخ الإنتخابات سواء كانت انتخابات فرعية اوعامة لا ياتي احد الحزبين الكبيرين (الأحرار- العمال) بالمرتبة الثانية، حيث حلت المرشحة المستقلة ميشيل ميلثورب ثانية، هذا مع العلم ان حزب العمال لم يشارك بمرشح في هذه الانتخابات.

يتجه ديفيد فارلي مرشح حزب امة واحدة  للفوز بأكثر من 40% من الأصوات الأولية، متقدمًا على ميشيل 

ميلثورب التي حصلت على حوالي 28%. بينما كافح الائتلاف (أحرار- وطني) للوصول إلى نسبة 20% من الأصوات الأولية.


بعد هذا الفوز الساحق، أعلنت بولين هانسون أن حزب "أمة واحدة" سيعمل للفوز بمقاعد الائتلاف وحزب العمال في مختلف أنحاء أستراليا، مؤكدةً أن أنصارها يريدون "استعادة زمام الأمور في البلاد" بعد فوزهم الساحق في الانتخابات الفرعية التي جرت يوم السبت في دائرة فارير. وهاجمت الاحزاب الكبرى بعنف وقالت أن سياستها اتسمت بالغطرسة لفترة طويلة، متجاهلةً الناخبين، وغير محترمةً لهم، ومستغلةً ثقتهم، ومدركةً أنها تُدمر البلاد.

وتعهدت هانسون بالكشف عن سياسة حزبها الخاصة بالطاقة والتي  ستركز على زيادة عائدات صادرات الغاز، مع ضمان حصول دافعي الضرائب على حصص في الشركات التي تستخرج تلك الموارد.

زعيم المعارضة  الفيدرالية آنغس تايلر قال: إن حزب الأحرار سيستخلص "دروسًا قاسية" من هذه النتيجة، التي عزاها جزئيًا إلى الانقسام الذي حصل مرتين في أقل من 12 شهراً بين حزبي الائتلاف و"الابتعاد" عن القيم التقليدية. وأضاف "لقد كنا لفترة طويلة حزبًا يتعامل مع القضايا السياسية كفرص لا حزبًا قائمًا على قناعات راسخة، ويجب أن تتغير هذه المقاربة.

وقد أثارت الهزيمة شكوكًا لدى بعض النواب المعتدلين حول قيادة  تايلور وتوجه الحزب تحت قيادته، وقد عنونت صحيفة الغارديان أن الفوز التاريخي لحزب أمة واحدة في دائرة فارير في الانتخابات الفرعية يُثير استياءً داخلياً حول قيادة الائتلاف.

حيث يبدو أن تايلر يركز على وقف نزيف مؤيدي الأحرار الذين يلتحقون بحزب "أمة واحدة" بدلًا من إعادة تموضع الحزب واتباع سياسة وسطية، ويخشى معظم نواب الأحرار  أن يكون الحزب قد أصبح "متفاعلًا" مع أجندة "أمة واحدة"، بما في ذلك ملف الهجرة.

الزعيمة السابقة للحزب سوزان لي  أصدرت بيانًا لاذعًا مساء السبت، أشارت فيه إلى أن الائتلاف الحاكم بات في وضع أسوأ مما كان عليه حين أطاح بها تايلور. وأردفت ان الزعيم الجديد قال إن الحزب بحاجة إلى التغيير أو الزوال وأشارت لي الى ان نتيجة انتخابات فارير أن هذا القول أصدق اليوم مما كان عليه حين أطاح بها تايلر.

المرشحة المستقلة ميشيل ميلثورب شكرت مؤيديها، وحذرت الأحزاب الكبرى من أن مجتمعات مثل فارير سئمت من استغلالها، وسئموا الوضع، لذلك صوتوا لحزب أمة واحدة، وهذا حقهم، وتابعت لكن العامان المقبلان سيكونان اختبارًا حقيقيًا لحزب أمة واحدة.

وقد علق حزب العمال على نتائج الانتخابات في مقعد فارير فوصف وزير الخزانة، جيم تشالمرز، فوز أمة واحدة بأنه "هزيمة ساحقة" للائتلاف، مما يثير الشكوك حول مستقبل تايلور.

وقال تشالمرز لشبكة سكاي نيوز: "لقد ركز أنغوس تايلور على الانقسام، وخسر خسارة فادحة". وأضاف تشالمرز أن النتيجة أظهرت أن الائتلاف سيحتاج إلى توحيد قواه مع حزب "أمة واحدة" إذا أراد العودة إلى السلطة، مما يجعل حزب العمال الحزب الوحيد المتبقي في "وسط السياسة الأسترالية المعتدل.


لوك مانسيلو، استاذ مادة العلوم السياسة بجامعة سيدني، قال: ان ملامح المشهد السياسي

والنظام الحزبي الأسترالي يشهد تحولاً جذرياً، إذ بدأ ينتقل من الصراع السياسي المستقر بين مصالح الطبقات الاجتماعية ومصالح المناطق الحضرية والريفية، والذي ساد في معظمه منذ عام 1910.

إذن، وكما قال لوك مانسيلوإن النتيجة ستعيد رسم ملامح المشهد السياسي، لكن السؤال البديهي هو هل حزب بولين هانسون "أمة واحدة" هو الحل؟

الجواب بكل بساطة لا، والسبب أن التصويت الأحتجاجي يعتبر رسائل سياسة من الناخبين للأحزاب الكبيرة لتأخذ بعين الإعتبار مشاكل الناس من غلاء كلفة المعيشة، وارتفاع أسعار الفائدة، وحل مسألة الأسكان ومقاربة قضية الهجرة مقاربة علمية بعيداً عن التجاذب السياسي، مع العلم ان معظم هذه القضايا لا يملك حزب أمة واحدة أجوبة عليها ألا الخطاب العنصري الذي يغذي الانقسام على حساب التناغم الأجتماعي حيث برزت تصريحاتها العنصرية ضد المسلمين الأستراليين واحتفاظها بنظرتها للمواطنين الأستراليين من أصول صينية.

حزب الأحرار الذي يعاني سياسياً وتدهور وضعه الانتخابي في المدن وخسر العديد من المقاعد الآمنة فيجولتي الانتخابات الفيدرالية السابقتين عامي(2022 و2025) لصالح النواب المستقلين بسبب غياب سياسة واضحة للطاقة والتغيير المناخي، واليوم يواجه تحدياً آخر لا يقل أهمية عن ذلك في المناطق الريفية كما حصل في مقعد فارير الأسبوع الماضي.

أمر آخر لا بد من أخذه بعين الإعتبار، وهو من يمول حزب أمة واحدة ودور المال السياسي، وقد بدى واضحاً أن قطب المناجم جينا رينهارت لعبت دوراً رئيسياً في فوز هانسون، وهي الني كانت قد اوعزت لصديقها بارنبي جويس بالاستقالة من الحزب الوطني والألتحاق بحب أمة واحدة،  ومؤخراً كدليل على دعمها المادي غير المحدود لهانسون فقد اشترت لها طائرة لتسهيل تنقلاتها حول أستراليا للترويج لسياساتها.

السؤال الأخير، هل على حزب العمال الخشية من ارتفاع شعبية هانسون؟

 بالطبع نعم، ولكن العمال اليوم في وضع سياسي مريح ويملكون أكثرية غير مسبوقة من 94 نائباً في مجلس النواب، وما دام اليمين السياسي في البلاد مشرذماً كما قال وزير الخزينة، إذا لم يتحالف الأحرار والوطني مع حزب أمة واحدة فلا يمكنهم الفوز بالانتخابات القادمة ، وهذا ما صرحت به بريدجيت ماكنزي، العضو البارز في حزب الوطنيين، بعد فوز هانسون الأسبوع الماضي  حول إمكانية تعاون الائتلاف مع حزب "أمة واحدة" لتشكيل الحكومة في المستقبل.

الجمعة، 8 مايو 2026

عدم جدوى القوة العسكرية للولايات المتحدة في التعامل مع إيران: إليكم كيف ستبدو المفاوضات الواقعية


من الغارديان الأسترالية الجمعة 8 مايو/أيار 2026

ترجمة: عباس علي مراد

الكاتب : كريستوفر إس تشيفيس 


يعني التوصل إلى اتفاق أن تجد الولايات المتحدة موقفًا لا يُهدد بقاء النظام الإيراني. البديل هو جمودٌ طويل الأمد ومُضر.


بعد أشهر من الحرب، بذلت الولايات المتحدة جهودًا مضنية لإجبار إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، فضلًا عن قبول مطالب واشنطن الأساسية ومنها: التخلي عن البرنامج النووي الإيراني، وتفكيك قواتها الصاروخية، وإلتخلي عن شبكاتها الإقليمية. 


يعاني الجيش الإيراني من ضعف شديد، ونظامه من الاضطراب، ولكنه لا يزال حتى اليوم يمنع معظم الدول من شحن النفط والغاز والأسمدة والهيليوم عبر المضيق. الاقتصاد العالمي في خطر، وشعبية دونالد ترامب تتراجع محليًا، وروسيا تجني الأرباح، والجاهزية العسكرية الأمريكية  لا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ  تتراجع.


تتفوق الولايات المتحدة على إيران في كل معيار من معايير القوة الوطنية المهمة. فهي تمتلك  قوات عسكرية هائلة، وأكبر اقتصاد في العالم، والقدرة على عزل الدول عن الأسواق العالمية بقوة الدولار. فلماذا استطاعت إيران إحباط مخططات الولايات المتحدة بهذا الشكل؟


تكمن المشكلة الأساسية في أن ترامب، رغم ادعائه التفاوض، اعتمد عمليًا بشكل شبه كامل على الضغط العسكري والاقتصادي بدلًا من الأخذ والعطاء الذي تتطلبه الدبلوماسية الحقيقية. ويتمثل النهج الأكثر جدوى في تقديم ضمانات وحوافز كافية لطهران تجعل مخاطر توقيع اتفاق مع واشنطن جديرة بالتحمل، مع احترام الخطوط الحمراء التي أظهر النظام أنه لن يتنازل عنها.


يُعدّ نهج ترامب شكلًا من أشكال الدبلوماسية القسرية، وهي دبلوماسية قد تُجدي نفعًا، وقد نجحت في الماضي، لكنها تتطلب تقديم مطالب يستطيع الخصم تلبيتها دون المساس ببقائه. كان هذا، على سبيل المثال، المنطق الكامن وراء الدبلوماسية القسرية التي دفعت الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش إلى طاولة المفاوضات بشأن البوسنة عام ١٩٩٥، وإلى التوصل إلى اتفاق بشأن كوسوفو عام ١٩٩٩.


أما مع إيران اليوم، فقد اقتربت مطالب واشنطن من الدعوة إلى نزع سلاح أحادي الجانب. بالنسبة لطهران، فإن قبول هذه المطالب يعني التخلي عن الدفاعات التي يعتقد النظام أنها تحميه من السقوط. ومن المفارقات، أنه كلما زادت واشنطن من ضغوطها العسكرية، زاد احتمال استنتاج طهران أن تعزيز قدرات الردع ، بما في ذلك الحفاظ على قدر من السيطرة على المضيق  أمر ضروري لبقاء النظام. وفي الوقت نفسه، يؤكد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٨ لطهران أن واشنطن قد تستغل أي تنازلات وتعود إلى الأعمال العدائية.


كما أن إيران اليوم لديها قدرة أكبر على استيعاب الضغوط مقارنة بمعظم الدول التي استهدفتها الدبلوماسية القسرية في الماضي. تُمكّن الطائرات المسيّرة والصواريخ والأدوات السيبرانية وعمليات المعلومات إيران من مضايقة وتهديد الأصول الإقليمية الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة وحركة الشحن التجاري العالمية. والأهم من ذلك، أن إيران تحظى بدعم خارجي قوي. فالصين تُقدّم دعمًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا بالغ الأهمية، بينما تُواصل روسيا تقديم الدعم العسكري والسياسي.


لذا، فإن كسر الجمود يتطلب موقفًا تفاوضيًا أكثر واقعية يُقرّ بأن الخط الأحمر الأمريكي لا يمكن أن يكون نزع السلاح الإيراني الفعال. لا يُمكن لأي حكومة إيرانية الموافقة على ذلك وتتوقع البقاء. وكما أشار مفاوضون أوروبيون سابقون، فإن أي اتفاق جوهري بشأن القضايا الأساسية سيتطلب على الأرجح تخفيفًا قريبًا للعقوبات المفروضة على إيران، تخفيفًا كافيًا يجعل المخاطر السياسية للتنازلات جديرة بالاهتمام بالنسبة لطهران. أخيرًا، ستحتاج إيران إلى بعض الأمل في أن تلتزم واشنطن بالاتفاق الذي ستوقعه بدلًا من العودة إلى تغيير النظام. ومن شأن مشاركة أطراف ثالثة - الصين وأوروبا، وربما دول الخليج - أن تُساعد في تحقيق ذلك.


مع ذلك، سيكون من الصعب الحصول على مزيد من المرونة في الموقف الأمريكي، لا سيما وأن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة سيقاومون تخفيف العقوبات ما لم تُقدّم إيران تنازلات كبيرة على الصعيدين النووي والصاروخي. لكن البديل هو استمرار حالة الجمود التي تستفيد منها روسيا، وتتزايد فيها قوة الصين، ويشاهد فيها الحلفاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ الموارد الأمريكية تُستنزف في حرب أخرى في الشرق الأوسط، ويُهدد الاقتصاد العالمي بالركود.


إذا ثبت استحالة التفاوض بشأن القضايا الرئيسية، فإن الحد الأدنى الواقعي هو التفاوض على عودة حرية الملاحة عبر المضيق إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وتجميد أي تصعيد عسكري إضافي. قد يكون هذا هو المسار الذي تسلكه الإدارة الأمريكية، استنادًا إلى التقارير الصحفية الأخيرة. يمكن لترامب أن يحاول تسويق الضرر الذي لحق بالبنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية على أنه انتصار للمصالح الأمريكية. في الواقع، بالطبع، لن ينجح هذا. لكنه سيوقف تآكل النفوذ الأمريكي الذي تسببت فيه هذه الحرب.


إن مأزق ترامب في إيران هو النتيجة المتوقعة للوهم القائل بأن القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة يمكن أن تحل محل الرغبة في التوصل إلى حلول وسط. وهو وهمٌ لطالما تسبب في خيبة أمل استراتيجية للقوى الكبرى طوال حقبة ما بعد الحرب الباردة  من العراق إلى أوكرانيا، مما يثبت مرة أخرى أن القوة العسكرية ليست بديلاً عن الدبلوماسية الحقيقية.


كريستوفر إس تشيفيس، مدير برنامج السياسة الأمريكية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.


عنوان المقال بالانكليزية

Military force has got the US nowhere with Iran – here is what a realistic negotiation would look like


الثلاثاء، 5 مايو 2026

كيف تأثرت آسيا بالحرب الأمريكية ــ الإيرانية



بقلم: د. عبدالله المدني

مما لا شك فيه أن كل الأقطار الآسيوية دون إستثناء تأثرت سلبا بالأحداث الأخيرة في بحر الخليج العربي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لاسيما وأن ما نسبته 84% من النفط العابر لمضيق هرمز يتجه إليها. لكن تأثرها كان بدرجات متفاوتة تبعا لمدى اعتمادها على واردات الطاقة من دول الخليج، وحجم مخزونها النفطي الاستراتيجي. 

فدول جنوب آسيا كالهند وباكستان وبنغلاديش عانت أكثر من غيرها لأسباب كثيرة منها: الكثافة السكانية العالية، وارتفاع الطلب الصناعي والمنزلي على الكهرباء ووقود الطهي والمركبات، وضعف حجم الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية للبعض منها، واعتماد قطاعها الزراعي على امدادات الاسمدة من الخليج العربية، وانخفاض تحويلات عمالتها الكثيفة الموجودة في الخليج، والتي تحول مليارات الدولار سنويا من العملة الصعبة التي تساهم في إستقرار  سعر صرف العملة المحلية. وغني عن البيان أن هذه الدول واجهت هذه التحديات بجملة من الإجراءات شملت تطبيق إجراءات صارمة لترشيد استهلاك الوقود وصلت إلى حد تقنينه في بعض المناطق. كما لوحظ أن الهند، التي كونت على مدى السنوات الماضية احتياطيات نفطية استراتيجية ضخمة من خلال شراء النفط الروسي الرخيص، سعت لإستيراد النفط السعودي عبر البحر الأحمر، على الرغم من احتمالات تعرض شحناتها للخطر على أيدي الحوثيين التابعين لإيران، في حال حدوث تصعيد إيراني.

ولم تختلف الأوضاع والتحديات في دول جنوب شرق آسيا عنها في دول جنوب القارة، فمعظم دول مجموعة آسيان الجنوب شرق آسيوية تضررت جراء الحرب في الخليج، وانقطاع أو تأخر وارداتها من النفط والغاز والبتروكيماويات، ولعل ما زاد الطين بلة وتسبب في اضرار لحركة الطيران والسياحة في بعض هذه الدول هو توقف كل من الصين وتايلاند عن امدادها بالوقود المستخدم في الطائرات. وعليه لوحظ مثلا اضطرار آلاف محطات الوقود في كمبوديا إلى الإغلاق، وارتفاع أسعار بيع الأسمدة وتباطؤ انتاجها في ماليزيا، وإعلان حالة الطواريء الوطنية في مجال الطاقة بالفلبين التي شجعت موظفي الحكومة على العمل من المنزل يوما واحدا في الأسبوع من أجل توفير الوقود. ويفيد أحد التقارير التي اطلعنا عليها أن من نتائج هذه التطورات المفاجئة تزايد الضغوط على دول جنوب شرق آسيا للتحول إلى الطاقة المتجددة، وهي عملية بدأتها دول مثل لاوس وكمبوديا وفيتنام في السنوات القليلة الماضية عبر مشاريع الطاقة الكهرومائية في حوض نهر الميكونغ، لكنها أثارت جدلا واسعا بسبب آثارها السلبية على منسوب تدفق النهر وبالتالي تعريض معيشة المزارعين والصيادين للخطر.

وإذا ما تحدثنا عن الدول الآسيوية الصناعية في الشرق الأقصى، نجد أن كوريا الجنوبية تبرز ضمن المتضررين الكبار من الحرب الإيرانية ــ الأمريكية، خصوصا وأن 70% من وارداتها النفطية و50% من وارداتها البتروكيماوية المستخدمة في صناعة البلاستيك لقطاعي السيارات والالكترونيات تصلها عبر مضيق هرمز. ولم تتردد الحكومة إزاء هذا المأزق في فرض أول سقف لأسعار الوقود منذ نحو 3 عقود. ومن جانب آخر تخشى سيئول أن يورطها الحليف الأمريكي في الحرب من خلال إجبارها على المشاركة العسكرية في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهي أمر لا تقوى سيئول على رفضه بسبب روابطها الاستراتيجية والتحالفية القديمة وعلاقاتها التجارية المثمرة مع واشنطن، ووجود نحو 30 ألف جندي أمريكي فوق أراضيها.

أما اليابان، فليست أحسن حالا من كوريا الجنوبية، بل يمكن القول أن ظروفها أكثر تعقيدا بسبب اعتمادها على 90% من النفط القادم عبر مضيق هرمز من السعودية والامارات، غير أن ما يساعد اليابان هو انها تعلمت الدرس من صدمة النفط عام 1973، فسارعت إلى بناء احتياطي نفطي استراتيجي ضخم يمكنه تلبية احتياجات البلاد لمدة 254 يوما دون استيراد. وتفيد الانباء أن رئيسة الحكومة ساناي تاكائيتشي أمرت باستخدامه مؤخرا، كما أعلنت عن خطط لشراء وتخزين كميات من النفط الأمريكي كحل مؤقت، على الرغم من تكاليف نقله الباهظة وعدم توافقه مع المصافي اليابانية.

وكما هو الحال في كوريا الجنوبية تسود اليابان مخاوف سياسية من جرها إلى المساهمة العسكرية في فتح مضيق هرمز وحماية الملاحة والتجارة عبره بطلب من الحليف الأمريكي. وهنا يمكن لطوكيو أن تتحجج بدستورها الذي يحظر نشر قوات الدفاع الذاتية اليابانية خارج البلاد، والإعلان فقط عن استعدادها لتقديم مساهمات غير عسكرية مثل ارسال كاسحات الألغام ودوريات المراقبة والرصد والمطاردة. وفي رأي آخر يمكن لرئيسة الوزراء الحالية القوية تاكائيسي أن تستجيب لأي طلب أمريكي كنوع من التضامن مع واشنطن، وتشجيعا للرئيس ترامب على عدم إهمال مصالح اليابان في اي صفقة امريكية ــ صينية خلال قمته المؤجلة مع نظيره الصيني شي جينبينغ.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أبريل 2026





السبت، 2 مايو 2026

التوتر الإعلامي والانفلات في بعض المنابر يشكل خطرا مباشرا على السلم الأهلي



رأى رئيس "جمعية محترف راشيا" شوقي دلال، في بيان اليوم، أن "ما يشهده لبنان في هذه المرحلة الدقيقة من توتر إعلامي وانفلات في بعض المنابر، يشكّل خطراً مباشراً على السلم الأهلي ووحدة المجتمع".

وإذ شجب "كل خطاب طائفي أو تحريضي صادر عن أي جهة كانت، سياسية أو إعلامية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، شدد على أن "لبنان لا يقوم إلا بوحدة أبنائه وتكاتفهم وأي محاولة لبث الفتنة أو إعادة إحياء الانقسامات لن تؤدي إلا إلى تقويض ما تبقى من مقومات الدولة".

وأشار إلى أن "حرية التعبير، على قدسيتها، لا يمكن أن تكون غطاءً للفوضى أو منصة للتحريض والكراهية"، معتبراً أن "التمادي في هذا النهج يضع البلاد على حافة الانفجار الاجتماعي ويهدد بنسف أسس العيش المشترك التي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة للحفاظ عليها".

ودعا وزارة الإعلام إلى "التدخل الفوري والحازم، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق جميع المخالفين من محطات تلفزيونية أو منصات إعلامية أو أفراد من دون استثناء أو تمييز، وملاحقتهم أمام القضاء المختص حفاظاً على الاستقرار الوطني".

وختم دلال مؤكدا أن "السكوت أو التردد تحت أي ذريعة لم يعد مقبولًا، وبقاء المسؤولين في موقع المتفرج على هذا الانحدار الخطير يرقى إلى مستوى التقصير في حماية الوطن. فلبنان اليوم بحاجة إلى موقف مسؤول وشجاع يعيد الاعتبار للكلمة المسؤولة، ويصون وحدة شعبه في وجه كل دعوات الفتنة".

الثلاثاء، 28 أبريل 2026

اليابان تسمح بتصدير الأسلحة، وتودع سياستها السلمية



   

بقلم: د. عبدالله المدني*

في مقال سابق في الشأن الياباني توقعنا أن تشهد اليابان في ظل قيادة السيدة القوية "ساناي تاكائيتشي" تغييرات، منها ما سيطال سياساتها الخارجية، ومنها ما سيطرأ على صورتها الدولية السلمية. وهاهي تاكائيتشي، بعد أن عززت سلطتها بتحقيق حزبها "الليبرالي الديمقراطي" انتصارا ساحقا في الانتخابات العامة التي جرت في فبراير المنصرم بحصوله على 316 مقعدا من أصل 465 مقعدا من مقاعد مجلس النواب، تقدم على خطوة غير مسبوقة منذ هزيمة بلادها في الحرب العالمية الثانية ورضوخها لأحكام منصوص عليها في الدستور حول تقييد حقها في تصدير السلاح إلى الخارج أو المشاركة في أعمال قتالية خارج الحدود.

ففي 21 أبريل الجاري، صرح الناطق باسم الحكومة اليابانية "مينورو كيهارا" في مؤتمر صحفي بأن بلاده سوف تسمح بنقل وتصدير الأسلحة والمعدات والتكنولوجيات الدفاعية ذات المنشأ المحلي، بما فيها المنتجات النهائية. وقد بررت تاكائيتشي القرار في تغريدة كتبتها في حسابها على منصة "إكس"، بـ "ضرورات تعزيز الدفاع الوطني وتعزيز قطاع صناعة الاسلحة المحلي بوصفه محركا للنمو الاقتصادي".

وهذه الخطوة، بطبيعة الحال، ستدمج اليابان في سلسلة التوريدات الدفاعية العالمية، وتعزز مكانتها مع شريكاتها وحليفاتها، كما أنها ستعجل وتسهل وترسخ تعاونها الصناعي الحربي مع بريطانيا وإيطاليا، للمرة الأولى في تاريخها بهدف تطوير مقاتلة أسرع من الصوت من الجيل السادس بحلول عام 2035، وذلك في إطار "برنامج القتال الجوي العالمي" المعروف إختصار بـ  . GCAP

ومن ناحية أخرى فإن الخطوة ستقلل حتما من هواجس طوكيو حول بيئة استراتيجية يسودها عدم اليقين، واحتمالات قيام حرب في الجوار بين الصين وتايوان، ومخاوف من التعاون العسكري المضطرد بين موسكو وبكين وحماقات النظام الكوري الشمالي الأهوج.

قوبل القرار بمعارضة من قبل شريحة صغيرة من الرأي العام الياباني، معظمهم من معارضي تاكا ئيتشي وحزبها، بحجة أنه يشوه ويدمر الصورة السلمية للأمة، فجاءهم الرد من المراقبين والمحللين المؤيدين للحكومة الذين قالوا أنه من حيث المبدأ ستظل اليابان ضد تصدير السلاح إلى الدول المنخرطة في نزاعات دموية إلا في حالات استثنائية تجيزها ضرورات الأمن القومي. وأضاف هؤلاء أنه يجب التمييز بين معدات مصنعة كأسلحة تستخدم في القتل والتدمير والإبادة، وأخرى مدرجة في خانة غير خانة الأسلحة مثل السترات الواقية من الرصاص والمناظير الليلية ومنظمومات الرادار، فالأولى لن تصدر إلا إلى الدول التي تربطها باليابان معاهدات واتفاقيات صداقة وتعاون مشترك، أما الثانية فهي متاحة أما جميع الدول. كما أكدوا على أن  بقاء الحظر على تصدير السلاح الياباني للخارج لن يستفيد منه سوى الدول المعادية لليابان مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وأعادو التذكير بأنه لولا قيام اليابان بانتاج الذخائر والألغام والقذائف وتزويد القوات الأمريكية وقوات الأمم المتحدة بها إبان الحرب الكورية في الخمسينات لما امكن التصدي بنجاح لعدوان كوريا الشمالية ضد كوريا الجنوبية والذي كان سيمتد لإبتلاع اليابان.

ومما يجدر بنا الإشارة إليه في هذا السياق أن التمييز المذكور في السطور السابقة حول ما يسمح بتصديره ومالا يسمح ورد في خطة أعدها رئيس الوزراء الأسبق "شينزو أبي" في عام 2014 واستفادت منه الفلبين بحصولها على منظمومة رادار متطورة يابانية المنشأ.

وإذا ما عدنا لصفحات التاريخ نجد أن اللوائح المستمدة من الطابع السلمي لدستور يابان ما بعد الحرب قيدت تحريك المعدات العسكرية إلى خارج البلاد لأغراض القتال، واستثنت الأغراض غير القتالية مثل الانقاذ والنقل والانذار والمراقبة وازالة الألغام. وفي عام 1967 حظرت طوكيو تصدير ونقل السلاح المنتج محليا إلى كافة الدول الشيوعية ولاسيما دول الكتلة السوفيتية، وذلك في وقت كانت تزود فيه حكومة فيتنام الجنوبية بالكثير من المعدات القنالية في حربها ضد قوات الفييتكونغ الشيوعية، غير أن حكومة رئيس الوزراء تاكيو ميكو أصدرت في عام 1976 قرارا بحظر التصدير إلى كافة دول العالم. وفي عام 2023 سهلت حكومة رئيس الوزراء السابق "فوميو كيشيدا" عملية بيع صواريخ منتجة محلية بموجب ترخيص أمريكي إلى الولايات المتحدة وهي الصواريخ التي سلمتها الأخيرة لأوكرانيا لإستخدامها ضد الروس.

خارجيا، قوبل القرار الياباني بالامتعاض والقلق والتنديد من قبل النظام الشيوعي في بكين. فالصين تخشى أن يفتح هذا القرار الباب أمام تزويد تايوان بالسلاح الياباني المتطور وآخر التكنولوجيات الحربية. كما تتخوف بكين من تزود دول أخرى بينها وبين الصين خلافات مثل أندونيسيا والفلبين والهند وفيتنام بالسلاح الياباني الحديث. وبالمثل فإن روسيا أيضا لا بد وأن تكون قلقة خشية قيام تعاون دفاعي بين طوكيو وكييف، خصوصا وأن الأخيرة حاولت أكثر من مرة منذ عام 2022 الحصول على السلاح الياباني.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أبريل 2026




الأربعاء، 22 أبريل 2026

شواهد القبور العسكريّة في القرى الدرزيّة لم تكن مرّة صكّ عبور نحو رفع الإجحاف المؤسّساتي بحقّ الدروز


الحركة التقدّمية للتواصل- درب المعلّم

بيان صحافي

أثارت كلمة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزيّة في إسرائيل في "يوم الذكرى" للجنود الدروز الذي سقطوا ضحايا الحروب الإسرائيليّة، ردود فعل لافتة على المستوى المحلّي والإقليمي. فنقلت وسائل الإعلام عنه أهم ما جاء في كلمته واصفاً سياسة الدولة تجاه القرى الدرزية بــ "المجحفة"، مضيفًا: "إنّ شواهد هذه القبور يجب أن تُقابل بحقوق مدنية كاملة، لا بسياسات التهميش. آلاف المنازل الدرزية لا تزال محرومة من الربط بشبكة الكهرباء القطرية. الحكومة ترسل أبناءنا لحماية الدولة، وفي الوقت ذاته ترسل "أوامر هدم" للمنازل التي تأويهم. نطالب بالانتقال فوراً من مرحلة الوعود الشفهية إلى التنفيذ الفعلي على الأرض وتحقيق المساواة."

وأمّا شعارات المحتجّين في مقاطعة كلمة ممثّل الحكومة فجاءت صاخبة ثاقبة: " إنّ التهديدات بهدم بيوتنا تأتي من أذرع الدولة وليس من الصواريخ الإيرانيّة... وإنّ الحكومة ترسل أبناء الطائفة لأداء الخدمة العسكرية في جيش الاحتياط لحماية الدولة، وفي الوقت ذاته ترسل إلينا أوامر هدم لمنازلهم التي تأويهم... نريد أرضًا لبيوتنا لا قبورنا..."، وبغضّ النظر الحركة تبيّن:

أوّلا: شواهد القبور العسكريّة في القرى الدرزيّة لم تكن مرّة ولن تكون صكّ عبور نحو رفع الإجحاف المؤسّساتي بحقّ الدروز، فحقوقهم يجب أن تكون من كونهم مواطنين بغضّ النظر عن الخدمة العسكريّة الإجباريّة من عدمها، ولنا في حقوق اليهود "الحريديم" المثال وليسوا هم بأفضل من الدروز!

ثانيًا: الإجحاف المشار إليه اللاحق بالدروز وببقيّة العرب في البلاد هو ثمرة لسياسة تمييز منهجيّة وأدواتها المتمّثلة في القوانين العنصريّة؛ بدءًا بقوانين مصادرة الأراضي - علمّا أنّ ما صودر من الدروز وصل إلى 83% في بعض قراهم -، مرورًا بقوانين التنظيم والبناء – كامينِتس وانتهاءً بـِ "دُرّتها" قانون القوميّة.

ثالثًا: دون التقليل من أهميّة أقوال الشيخ وقد "شهد شاهد من أهله"، نؤكّد أنّ الحقوق لا تُحصّل لا بالرجاء ولا بالخُطب، الحقوق تؤخذ بالنضالات المثابرة الدائمة، وهذا ما ينقُص القيادات التقليديّة في الطائفة؛ المذهبيّة والسياسيّة. وتعاني من غيابها القوى الوطنيّة، والتقدّميّة على اختلاف مشاربها السياسيّة، بتشظّيها غير المبرّر.

عماد دغش – سكرتير 4030870-050

فوّاز سويد، فوّاز حسين (عامر)، سامي مهنّا، صلاح حلبي، خير الدين عبد الله، خالد خلد، يامن زيدان، عماد سرحان، نفّاع نفّاع، عماد فرّو، وضّاح القاسم، وسعيد نفّاع 


الأربعاء، 15 أبريل 2026

صهاينة متدينون يقودون حركة راديكالية تجتاح إسرائيل

 


ترجمة عباس علي مراد


من ذي سدني مورننغ هيرالد الاسترالية نقلاً عن صحيفة التلغراف البريطانية

للكاتبين : بول نوكي ونضال حمدونة

أبريل/نيسان 202612 

مع تركيز الاهتمام الدولي على إيران، يتجه تركيز "رواد" الحركة الصهيونية الدينية في إسرائيل نحو غزة.

في موقع للتنزه ونصب تذكاري للجنود الإسرائيليين القتلى، على بُعد بضع مئات من الأمتار من حدود غزة، يخطط رواد إسرائيل الجدد لتوسيع الحدود والاستيلاء على أراض جديدة.

خلال الحرب الإيرانية التي استمرت ستة أسابيع، غاب الاهتمام الدولي عن غزة. لكن بالنسبة لهؤلاء المستوطنين المحتملين، ظلت غزة محط أنظارهم.

يتم توزيع منشورات على الزوار تحمل شعار "غزتنا"، توضح كيف يعتزمون استيطان القطاع بأكمله، وإنشاء مستوطنات في شمال ووسط وجنوب الأراضي الفلسطينية بين الممرات العسكرية الالتفافية التي شقها الجيش الإسرائيلي هناك.

يقول نيري أبراهام، شابٌ فصيحٌ يبلغ من العمر 19 عامًا، ذو شعرٍ مجعّدٍ وقبعةٍ صوفيةٍ محبوكة، وهو يشير بيده عبر الحقول إلى سياج غزة والأنقاض التي تقع خلفه: "سكان غزة عمومًا إرهابيون أو مؤيدون للإرهاب، ولا يستحقون العيش هناك."

ويضيف: "بإمكان الصالحين البقاء إن أرادوا والعيش بسلام تحت الحكم الإسرائيلي، أما الباقون فيجب أن يذهبوا إلى مصر. والإرهابيون؟ حسنًا، هم إرهابيون، ولا يهمني ما يحدث لهم."

أبراهام وزملاؤه "صهاينة متدينون"، وهم طليعة حركةٍ اجتماعيةٍ جديدةٍ وجذريةٍ تجتاح السياسة الإسرائيلية ومؤسساتها.

إنهم ملتزمون بإنشاء إسرائيل الكبرى، التي لا تشمل غزة والضفة الغربية فحسب، بل تشمل أيضًا مرتفعات الجولان وأجزاءً من جنوب لبنان.

وبفضل النظامٍ السياسيٍّ الذي منح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتامار بن غفير سلطةً ونفوذًا هائلين، أصبحوا القوة السياسية والثقافية التي لا يُستهان بها ولها ثقلها في إسرائيل.

يُتقن رجال هذه الجماعة استخدام الأسلحة كما يبرعون في إستخدام التوراة، وهم الآن يُهيمنون على قطاعات واسعة من الجيش الإسرائيلي، ويُشكلون كوادر أساسية في العديد من وحدات الكوماندوز والقوات الخاصة في الخطوط الأمامية.

يقول أفيتشي غودمان، 34 عامًا، وهو ضابط في الجيش الإسرائيلي وحاخام، انتقل والده إلى إسرائيل قبل 40 عامًا، إن نجاح هذه المجموعة يُعزى إلى استعدادها للعمل والخدمة.

وهو، كغيره من المُجتمعين قرب السياج، يُجسد روح الريادة التي ميزت سكان الكيبوتسات القديمة في البلاد، إلى جانب التدين الذي يُميز اليهود الأرثوذكس المتشددين ذوي الملابس السوداء.

يقول غودمان: "عندما تُطلب المساعدة، من يُلبي النداء؟ الصهاينة المتدينون."

تتسم رؤية الجماعة وأيديولوجيتها بالوضوح والنمطية، وتُستخدم العديد من الحجج نفسها مرارًا وتكرارًا. إنها حجج جاهزة تُستخدم لدحض أي رأي مُخالف.

يذكّر غودمان، وشخصان آخران، صحيفة التلغراف اللندنية بمقولة لرئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير حول الأسلحة: "لو ألقى العرب أسلحتهم اليوم، لانتهى العنف. ولو ألقى اليهود أسلحتهم اليوم، فستزول إسرائيل من الوجود."

ولهؤلاء  المستوطنين المحتملين منطقهم الخاص والاناني بقدر ما هو جذاب.

يقول غودمان: "لقد تعلمنا أن في الحرب ثنائية واحدة، إما النصر أو الهزيمة. من يختار طريق الوسط، يُلقى عليه اللوم."

"علينا أن نُعلّم أهل غزة أنهم خسروا الحرب. كيف نفعل ذلك؟ يجب أن نأخذ هذه الأرض منهم."

"نريد تحقيق نصرًا مطلقاً الآن لمنع نشوب حروب مستقبلية. نريد إنهاء جميع الحروب الآن."


على الجانب الآخر من السياج في غزة، يقول الناس: "لا حرب ولا سلام."

عند الاقتراب تنشط الحركة على الطرقات ، مع أن آثار الدبابات التي هرعت إليها في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023  لا تزال ماثلة للعيان، لكن القصف المدفعي شبه المتواصل الذي استمر لأكثر من عامين توقف مع دخول وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.

وبالرغم من وقف إطلاق النار ، قُتل أكثر من 720 شخصًا في غزة خلال تلك الفترة على يد القوات الإسرائيلية، ولا تزال الأوضاع داخل القطاع، رغم تحسنها، مزرية.

يقول أبو سعيد البراوي، وهو مزارع يبلغ من العمر 57 عامًا، إن عائلته وعائلات أخرى تعيش كقطط تنقل صغارها من مكان إلى آخر" بحثًا عن الأمان والغذاء والمأوى."

ويضيف: "أنا مزارع، لكن أرضي التي كنت أزرعها تقع خلف الخط الأصفر الذي تسيطر عليه إسرائيل. كنت أحلم بالعودة إليها بعد إعلان وقف إطلاق النار، لكن لم يتغير شيء ولم نسطيع العودة."

وصف عابد الهادي قهمن، البالغ من العمر 40 عامًا، من شمال غزة، الشتاء الذي انقضى مؤخرًا بأنه "جحيم."

قال: "اقتلعت الرياح خيمتنا عدة مرات، وابتلت أمتعتنا، وكنا نكافح لحماية أطفالنا من البرد القارس.

أصبحت الضروريات الأساسية للحياة معدومة. لا يذهب أطفالنا إلى المدرسة؛ لا حقوق لنا، ولا نشعر بالأمان، ولا نشعر أن الحرب قد انتهت. أخشى بشدة أن أُهجّر مرة أخرى، وأعيش في خوف دائم من عودة المجاعة."

ومن المعجزات أن وقف إطلاق النار في غزة  الذي أشرف عليه فريق عسكري أمريكي أرسله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي، صمد على مدى الأسابيع الخمسة الماضية، وتستمر عملية السلام ببطء.

وقد شُكّل مجلس تكنوقراطي من الفلسطينيين لإدارة قطاع غزة، ويرفع تقاريره إلى مجلس السلام التابع لترامب ومجلسه التنفيذي، الذي يضم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

رغم ندرة التغطية الإعلامية، نُشرت الشهر الماضي خطة لنزع سلاح حماس، وتنص الخطة على تسليم الأسلحة تدريجيًا على مدى ثمانية أشهر، وانسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل بعد "التأكد من خلو غزة من الأسلحة." وستُشرف لجنة التحقق من جمع الأسلحة، التي سيُنشئها نيكولاي ملادينوف، السياسي والدبلوماسي البلغاري وعضو مجلس السلام، على عملية نزع السلاح.

وافقت  "الجماعة الإرهابية" حماس مبدئيًا على نزع السلاح، ولديها مهلة حتى نهاية الأسبوع لقبول المقترح، مع ترجيح استمرار المفاوضات.

وتُعرب الحركة عن استيائها من عدم التزام إسرائيل بجميع بنود المرحلة الأولى من خطة السلام، مشيرةً إلى انخفاض عدد شاحنات المساعدات التي دخلت غزة عن العدد المُعلن، والضربات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، والتضييق الأخير على الخط الأصفر الذي تسيطر عليه إسرائيل.

يوجد تأييد لخطة نزع السلاح داخل غزة، لكن الأمل ضئيل في تنفيذها سريعًا، وهي شروط أساسية للانسحاب الإسرائيلي وبدء عملية إعادة الإعمار.

قال حمزة ك، وهو شاب من غزة يبلغ من العمر 32 عامًا، الأسبوع الماضي: "أنا أؤيد نزع سلاح حماس لأن أسلحتها لم تجلب لنا أي أمن، ولم تحمنا من صواريخ الاحتلال؛ بل كانت ذريعةً وسببًا لقتل أهل غزة."

وأضاف: "أخشى أن تتراجع حماس عن الاتفاق الذي وقّعته، ما يدفع إسرائيل للعودة إلى الحرب تحت هذه الذريعة."

تتجه إسرائيل نحو انتخابات عامة في أكتوبر/تشرين الأول، وسيبحث الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو عن أي ذريعة لتقويض عملية السلام في غزة.

ومثل وقف إطلاق النار مع إيران، يُنظر إلى هذا الاتفاق على أنه مفروض على إسرائيل من قِبل الولايات المتحدة، ويرى العديد من الإسرائيليين - كالصهاينة المتدينين أن الضم خيار أفضل.


رؤية استفزازية

في حفل افتتاح مستوطنة جديدة في الضفة الغربية هذا الأسبوع، طرح سموتريتش رؤية استفزازية لإسرائيل الكبرى. وخاطب المجتمعين قائلاً:

"سنتوسع في غزة وسنوسع حدودنا داخل لبنان، وصولاً إلى الليطاني، وفي سوريا، سنضم جبل الشيخ، وأجزاء من الشمال والجنوب والشرق".

لم يعد هذا رأيًا هامشيًا في إسرائيل. إذ يُعرّف نحو 22% من السكان اليهود في إسرائيل أنفسهم بالحركة الصهيونية الدينية ويدعمون طموحاتها الاستيطانية.

ليس جميعهم متطرفين، لكن بعضهم كذلك، وقد بلغ العنف في الضفة الغربية مستويات غير مسبوقة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.

سجلت الأمم المتحدة نحو 1800 حادثة عنف من قبل المستوطنين بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و16 ديسمبر/كانون الأول 2024، بمعدل أربع حوادث يوميًا، وقُتل أكثر من 1000 فلسطيني، بينهم 233 طفلاً على الأقل، على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين خلال هذه الفترة.

وفي رسالة وقّعها 21 من كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين السابقين الأسبوع الماضي، أن "الإرهاب اليهودي" مستعر في الضفة الغربية وبدعم من الدولة الإسرائيلية.

وذكرت الرسالة، التي وقّعها رؤساء سابقون للموساد والشاباك والجيش الإسرائيلي، أن عنف المستوطنين تحوّل إلى إرهاب، ويهدد بإسقاط الدولة اليهودية.

وقالوا: "يرفرف علم أسود فوق العلم الإسرائيلي الأزرق والأبيض". وأضافت الرسالة: "إن الإرهاب اليهودي المستعر في يهودا والسامرة [الضفة الغربية]، بتسامح  أو الأسوأ من ذلك، بدعم  من السلطات الحكومية، لا يُمثّل فقط فشلاً أخلاقياً فادحاً، بل تهديداً استراتيجياً خطيراً لأمن إسرائيل، لا سيما في زمن الحرب."

على حدود غزة، لم يُبدِ أيٌّ من المستوطنين الذين تحدثت إليهم صحيفة التلغراف أيّ اقتراح للعنف أو أيّ عمل غير قانوني آخر. لكنهم كانوا على يقين بأنهم "يحملون الحقيقة"، وعازمون على فعل ما يعتقدون أن الله أمرهم به.

"نريد فقط أن تعود غزة يهودية كما كانت"، هكذا قالت هدات برهاي، وهي أم لتسعة أطفال تبلغ من العمر 36 عامًا، ومسؤولة محلية في الحركة."

""لا أفهم لماذا لا يزال هؤلاء الغزيون البائسون موجودين هناك بعد عامين ونصف

يجب على العالم أن يفتح لهم أبوابه ويسمح لهم بالرحيل. إنهم لا يستحقون حماس، ولكن لا يمكننا العيش معهم أيضًا."

  عنوان النص بالانكليزية

Religious Zionists spearheading a radical movement sweeping Israel


الثلاثاء، 14 أبريل 2026

قلق في تايوان من مجريات الحرب في الخليج



بقلم د. عبدالله المدني

بينما يتابع العالم أجمع بقلق مجريات الحرب المشتعلة في منطقة الخليج بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، نظرا لتأثيراتها السلبية على الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد العالمية وأسواق الطاقة، تنشغل تايوان بأمر آخر يشكل قلقا بالغا بالنسبة لها، هو مدى إلتزام واشنطن بالدفاع عنها في حال قيام بكين بغزوها، وكيفية تصرف الأمريكيين عسكريا. 

وبعبارة أخرى، فبدلا من أن تتعامل تايبيه مع ما يجري في الخليج كحدث بعيد جغرافيا، راحت تنظر إليه عن كثب كمؤشر آني على كيفية تعامل واشنطن مع الضغوط الاستراتيجية. حيث انشغل ساسة تايوان واعلامها بهذه المسألة كثيرا إلى درجة أنها طغت على أخبار قبول زعيمة المعارضة ورئيسة حزب الكومينتانغ السيدة "تشنغ لي وون" الدعوة التي تلقتها من الرئيس الصيني "شي جينبينغ" لزيارة بكين في شهر إبريل الجاري.

والحقيقة أن قادة تايوان السياسيين والعسكريين قد لا يشغلهم كثيرا سؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ستتحرك في المحيطين الهادي والهندي في حال اندلاع صراع بينها وبين الصين، وإنما ما يشغلهم اليوم هو كيف ستتصرف واشنطن مع تزايد الضغوط عليها في حال انفجار أزمات متعددة في آن واحد. فمثلا كيف ستواصل معركتها الحربية الحالية مع إيران، لو انفجرت الاوضاع فجأة في الشرق الأقصى جراء عمل عسكري صيني ضد تايوان، أو إحدى حليفات واشنطون الأخريات في المنطقة مثل اليابان أو كوريا الجنوبية؟

والسؤال السابق يقود إلى أسئلة أخرى مثل "هل تملك الولايات المتحدة من الأعتدة الحربية ما يمكنها من إدارة حربين كبيرتين في منطقتين جغرافيتين تبعد كل واحدة منهما عن الأخرى آلاف الكيلومترات بالتزامن. وبطبيعة الحال فإن هذا السؤال أفرزته تقارير تحدثت مؤخرا عن أن مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الإعتراضية آخذة في النفاذ، وأن الجيش الأمريكي أضطر إلى نقل بعض صواريخ ثاد الاعتراضية من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، هذا ناهيك عن الأخبار التي تحدثت عن تشجيع القيادة الأمريكية لأوكرانيا لتزويد دول الخليج العربية بمنتجاتها من المسيرات الاعتراضية التي أثبتت فعاليتها في الحرب الأوكرانية لجهة الفتك بالمسيرات الروسية وتحييد مخاطرها.

إلى ما سبق برز سؤال آخر عما إذا كانت الولايات المتحدة وحليفاتها الآسيويات قادرات على الصمود طويلا في مواجهة خطط عسكرية صينية تستهدف استنزاف الموارد، شبيهة بخطط النظام الإيراني.

ومن الأمور الأخرى المقلقة لدى صانع القرار التايواني هو أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب تحركت بسرعة ضد إيران، ودون تشاور أو تنسيق مسبق مع الحلفاء، ومن غير أخذ رأيهم في التوقيت أو الأولويات أو مسار المعركة. وهذا بطبيعة الحال، لا يزيد من حالة عدم اليقين لدى الحليف التايواني فحسب وإنما أيضا يقلق الحلفاء الآخرين في طوكيو وسيئول، لجهة مخاطر نقص التواصل والتشاور حول أي تحرك محتمل تجاه الصين ولصالح تايوان.

وسط كل هذه الأسئلة وغيرها، يبرز موضوع تغير معايير استخدام القوة، بمعنى هل استخدامه مجرد إجراء وقائي يهدف إلى أبطال تهديد مستقبلي أو ــ على الأقل ــ التخفيف من حدته؟، أو أن استخدام القوة عمل يستهدف إزالة تهديد وشيك وخطر مؤكد؟. ثم ماهي العوامل والإشارات التي تحدد استخدام القوة في الحالتين؟ ذلك أنه في الحالة التايوانية، وطبقا لمخاوف وهواجس صناع القرار في تايبيه، قد تلجأ بكين إلى عنصر المفاجأة لغزو تايوان، وتوقيت عمليتها في ذروة انخراط الجيش الأمريكي في معارك عسكرية في أماكن بعيدة جغرافيا من أجل تحقيق نصر عسكري سريع وحاسم. غير أن هذا يخالف ويصطدم بآراء وتوقعات بعض المراقبين الذين ما برحوا يشيرون إلى أن بكين سوف تنجح في مساعيها لإستعادة تايوان عبر الضغط المتواصل من خلال سلسلة من القرارات الصغيرة والتكتيكات التصعيدية المتدرجة والقيود البحرية الخانقة والعمليات السيبرانية الدقيقة.

 ولهذا فإن هؤلاء المراقبين حولوا بوصلة نقاشاتهم ومتابعاتهم مؤخرا إلى الأزمة الحالية في مضيق هرمز، من أجل معرفة وتقييم أثر تعطيل هذا الممر المائي الاستراتيجي على العالم، واسقاط ذلك على ديناميكيات مماثلة في مضيق تايوان، الذي يعد هو الآخر ممرا مائيا إستراتيجيا وتمر عبره السفن من وإلى موانيء شمال شرق آسيا، ناهيك عن أنه مضيق حيوي بالنسبة للولايات المتحدة لإحتواء الصين وحماية حلفائها في المنطقة.

 الأمر الآخر الذي آثار أسئلة كثيرة في تايوان يتعلق بفشل الولايات المتحدة في منع امتداد الحرب إلى دول الخليج العربية المجاورة ودول عربية وغير عربية أخرى، حيث كان السؤال هو: في حالة حدوث صراع مسلح في مضيق تايوان بين الصين والولايات المتحدة، هل ستقدم الصين على قصف اليابان وكوريا الجنوبية انتقاما، فتوسع بذلك نطاق الحرب؟



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: أبريل 2026م