مذكرة التفاهم الايرانية ــ الأمريكية، هل ستصمد؟


  

بقلم: د. عبدالله المدني*

كتب الكثير عن مذكرة التفاهم التي وقعت مؤخرا عن بعد بين النظام الايراني والولايات المتحدة الأمريكية، بوساطة باكستانية، لإنهاء حرب المائة يوم في الخليج العربي، وسوف تستمر الكتابة طويلا عن ظروفها وخفاياها وملابساتها وبنودها، وسط توقعات البعض بأنها لن تصمد، وستنهار عند أول اختبار حقيقي لها. أما أسباب واحتمالات انهيارها فكثيرة، لعل أولها أن الاتفاقية موقعة بين طرفين، كل منهما لا يثق في الآخر، حيث أن التجارب والسوابق التاريخية علمتنا أن الثقة المتبادلة بين طرفي أي نزاع، شرط أساسي لنجاح أي تسوية بينهما.

وفي الحالة التي أمامنا نجد أن العداء مستحكم بين واشنطن وطهران منذ قيام ما يعرف بجمهورية إيران الإسلامية في عام 1979، لإختلاف وتناقض سياسات وقيم ومباديء كل منهما. ما جعلهما منذ أكثر من أربعة عقود مضت في حالة صراع دائم بأدوات مختلفة، وهواجس وشكوك متبادلة، بل خلق لدى كل منهما نوازع انتقامية، خصوصا وأن النظام الايراني مارس الإرهاب بمختلف ألوانه ضد المصالح الأمريكية في كل مكان، وهو ما اضطرت معه واشنطن للرد عبر ملاحقة اتباعه ورموزه أو عبر تشديد الحصار وتضييق الخناق عليه.

يشتكي الإيرانيون من أن الولايات المتحدة لم تظهر منذ عام 1979 أي نوايا حسنة تجاههم، بل رفعت لواء التهديد والاعتراض ضد نظامهم الجديد منذ اليوم الأول، بينما يشتكي الأمريكيون من أن النظام الفقهي الإيراني خالف كل القوانين والنواميس الدولية المتعارف عليها في العلاقات بين الامم المتحضرة، ولم يثبت قط  إلتزامه بوعوده، وراح بدلا من ذلك يمارس الخداع عبر المناورة والتسويف والدجل والبلطجة وفبركة الأخبار وقلب الحقائق وتأسيس الميليشيات لزعزعة الأمن والسلم ونشر الفتن والقلاقل، استمرارا ومواصلة لسياسة التحريض على أمريكا والغرب والدول الحليفة، المترسخة في العقيدة الايرانية.

يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآن أنه سيحيل ما أتفق عليه مع إيران إلى الكونغرس الأمريكي لمراجعته. وعلى الرغم من صعوبة التكهن بالنتيجة، فإن طرح الاتفاقية للمناقشة أمام المشرعين الأمريكيين المختلفين في مواقفهم من الحرب الترامبية ونتائجها قد يفضي إلى اعتراضهم عليها أو على الأقل الإعتراض على بعض بنودها.

من جانب آخر، تشتد المعارضة الجماهيرية والشارعية في إيران ضد الاتفاقية، مدفوعة ومدعومة من قوى التطرف داخل النظام من تلك التي راحت تخوّن من تفاوض بإسم إيران، وتطالب باستقالته. وهذه الجماهير ــ بطبيعة الحال ــ تنطلق من القيم والخرافات والأساطير الدينية التي تمّ غرسها في رأسها، وفي مقدمتها قيم الرفض والمقاومة حتى الإستشهاد، فداء للمرشد والإمام الغائب.

وهناك إسرائيل التي أعلن رئيس حكومتها "بنيامين نتنياهو" صراحة معارضته الشديدة لأي بند في الاتفاقية ينص على الوقف الدائم لإطلاق النار على جميع الجبهات (بما فيها لبنان)، قائلا: "إن القوات الإسرائيلية سوف تستمر في القتال وستبقى في المناطق الأمنية في لبنان وغزة وسوريا طالما دعت الحاجة لحماية بلادنا". وهو لئن أذعن صاغرا للمطالب الامريكية بوقف حربه على لبنان، فإن لا شيء يمنعه من معاودة الحرب في حال تحرش حزب الله الإرهابي بالجيش الاسرائيلي.

وإذا افترضنا أن شيئا مما سبق لم يعترض طريق الاتفاق اليوم، وسارت الأمور على مايرام، فإن أشياء أخرى قد تسقطها خلال مهلة الشهرين القادمين اللئين حددا للتفاوض حول القضايا المؤجلة والتي تشمل ملفات جوهرية مثل: برنامج إيران النووي، وصواريخها الباليستية، ومخزونها من اليورانيوم المخصب، وأذرعتها الميليشاوية الاقليمية في الشرق الأوسط.

وهنا يتوقع على نطاق واسع أن يحدث الصدام بين الطرفين المتفاوضين، فواشنطن لن تقبل بأقل من وقف طهران تخصيب اليورانيوم كليا، بينما الأخيرة ستصر على التخصيب كحق من حقوقها السيادية كدولة مستقلة، والشيء ذاته ينطبق على ملف الصواريخ البالستية التي لا يمكن للنظام الايراني التخلي عن صناعتها وتطويرها باعتبارها سلاحا لتخويف وابتزاز دول الجوار. أما برنامج إيران النووي، الذي قيل أن طهران إلتزمت بوقفه كبند متضمن في الاتفاقية الموقعة، فلا يوجد ما يضمن التخلي عنه تماما خصوصا وأن الإيرانيين كثيرا ما نقضوا وعودهم والتزاماتهم.

وفي رأينا ورأي العديد من المراقبين أن الاتفاق الموقع فقط أوقف حربا كشفت عما يمكن لطرفيها أن يفعلا في بعضهما البعض، وأعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري عن إيران، لكنه لم يصل إلى تسوية نهائية للصراع الامريكي الايراني، وإنما انتهى إلى هدنة ستكشف الأيام القادمة مدى صمودها، أو مدى حاجتها إلى هدنات أخرى.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يونيو 2026م


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق