نتائج تدخل بيونغيانغ في الحرب الأوكرانية
بقلم: د. عبدالله المدني*
بانتهاء عام 2025 يكون قد مرّ أكثر من عام على إرسال كوريا الشمالية الآلاف من جنودها إلى روسيا للقتال إلى جانب القوات الروسية في حربها ضد أوكرانيا، وذلك في خطوة هي الأولى من نوعها لجهة التدخل الواسع في صراع عسكري خارجي منذ انتهاء الحرب الكورية سنة 1953م. هذا إذا ما استثنينا مشاركة بيونغيانغ الخجولة في حرب فيتنام في ستينات القرن الماضي.
الخطوة الكورية تلك، والتي جوبهت بتنديد عالمي وأممي خوفا من توسعة رقعة الحرب الأوكرانية، اكتنفها الكثير من الغموض حول مسائل عديدة مثل العدد الفعلي للجنود المرسلين، وطبيعة عملهم، وأماكن تمركزهم، ووسائل نقلهم، وكيفية تفاهمهم واندماجهم مع زملائهم الروس، وذلك كنتيجة طبيعية للصمت الذي إلتزمت به موسكو وبيونغيانغ حيال الموضوع، بل نفي العاصمتين للخبر جملة وتفصيلا لمدة طويلة، قبل أن تترشح الأنباء وتظهر الأدلة وتنتشر المعلومات عن التواجد الكوري الشمالي في ساحات القتال الروسية ــ الأوكرانية من مصادر أوكرانية وأوروبية وأمريكية، علاوة على مصادر مخابراتية في كوريا الجنوبية، التي راحت تتقصى الأمر مبكرا وتطرح الكثير من الأسئلة حول الأسباب والمآلات والنتائج، معطوفة على جملة من الفرضيات والاحتمالات الخاصة بوقوع جنود بيونغيانغ في الأسر، وكيفية التعامل معهم بموجب القانون الدولي، وكيفية تلبية رغباتهم في حال رفضهم العودة إلى ديارهم وتفضيلهم الإستقرار في كوريا الجنوبية.
والحقيقة أن سيئول كانت أولى العواصم التي تحدثت عن هذا الموضوع، وهي التي قدرت مخابراتها عدد الجنود المرسلين إلى روسيا بنحو 11 ألف عنصر، وهي من أشارت إلى أن وجودهم على الأراضي الروسية ليس سوى تفعيل للمادة الرابعة من اتفاقية الشراكة الإستراتيجية والدفاع المشترك الموقعة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الكوري الشمالي في بيونغيانغ في يونيو 2024. علما بأنه سبق هذه الاتفاقية قيام موسكو في عام 2014 بشطب 90% (11 مليار دولار) من ديون كوريا الشمالية لروسيا المستحقة من الحقبة السوفيتية.
أما اهتمام سيئول بالأمر، والتقصي عن تفاصيله، ومتابعة مستجداته الميدانية يوما بيوم، فهو نابع من رغبتها في التعرف على الطرق والتكتيكات وأساليب القتال والعقيدة الحربية التي تم غرسها في الجندي الكوري في الكليات العسكرية الشيوعية في الشطر الشمالي. وعلى الرغم من مخاوفها من احتمال أن يخرج الجنود الكوريون الشماليون من مشاركهم في الحرب الأوكرانية بدروس عملية تشجعهم على خوض الحروب ضد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، إلا أن الأمر بدا لسيئول وكأنه ساحة لإختبار المواهب القتالية لقوات الخصم، ومدى جاهزيتها وصمودها.
وقد صدقت توقعات المراقبين من أن قوات بيونغيانغ لا تملك جاهزية القتال خارج حدودها، وفي ظل أوضاع وظروف بيئية غريبة عليها، وبالاشتراك مع قوات أجنبية لا تجمعهم بها لغة تفاهم مشتركة، بدليل سقوط 3000 مقاتل كوري ما بين قتيل ومصاب حتى الآن، ولا سيما في معركة منطقة كورسك (غرب روسيا) التي استولت عليها القوات الأوكرانية في عملية مفاجئة سنة 2024، وكان الكوريون الشماليون حطبها.
من جانب آخر، تحدثت المصادر الكورية الجنوبية وتمنت أن يستغل جنود بيونغيانغ فرصة تواجدهم خارج بلادهم للإنشقاق على نظام آل كيم الحديدي، حماية لأرواحهم وتخلصا من حياة الفاقة والإذلال وسعيا لمستقبل أفضل. ومن أجل هذا أعلنت سيئول أنها ترحب بالجنود المنشقين وستتفاهم مع كييف حول سبل نقلهم إلى كوريا الجنوبية في حال وقوعهم أسرى في يد الجيش الأوكراني، مع التعهد بعدم كشف هوياتهم كي لا يتعرض ذووهم للإعتقال والايذاء في كوريا الشمالية. وقد كشفت الأحداث والتطورات اللاحقة، من واقع من انشقوا بالهروب من الجبهة وتسليم أنفسهم للقوات الأوكرانية، أو من واقع من تم أسرهم أحياء، أن بعض الجنود الكوريين أبدوا رغبتهم فعلا في الانتقال إلى كوريا الجنوبية لبدء حياة جديدة هناك، وأن البعض الآخر فضل الإقامة في أوكرانيا بدلا من العودة إلى بلده حيث تنتظره تهمة الخيانة ومخالفة تعليمات "قائد الأمة العظيم المبجل" كيم جونغ أون، وعقوبتها الإعدام رميا بالرصاص. إلى ذلك لوحظت حالات الانتحار في صفوف الجنود الكوريين بمجرد شعورهم بقرب وقوعهم في الأسر، وذلك تطبيقا لتعليمات متطرفة تم تلقينها لهم، وامتثالا لمبدأ التضحية بالنفس فداء لقائد الأمة العظيم الرفيق كيم جونغ أون.
ففي حادثة وقعت في 2024، وبينما كان الجنود الأوكرانيون يواصلون فحص الجثث، اكتشفوا جنديا كوريا شماليا ما زال على قيد الحياة، وعندما اقتربوا منه فجر نفسه بقنبلة يدوية كان يخفيها. وطبقا لأحد الجنود الكوريين الشماليين المنشقين لدى أوكرانيا فإن الموت بهذه الطريقة هو "الخيار الأفضل لحماية الشرف والعائلة بدلا من العودة إلى الوطن حيث ينتظر الواحد منا مصيرا أسوأ من الموت".
د. عبدالله المدني
*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: يناير 2026م







.jpg)





















