لماذا يريد دونالد ترامب الاستيلاء على جزيرة جرينلاند؟


بقلم د زهير الخويلدي


مقدمة

في سياق السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة، يبرز اقتراح الرئيس دونالد ترامب بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند كواحد من أبرز التحديات الجيوسياسية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تتبع إدارياً مملكة الدنمارك مع درجة عالية من الحكم الذاتي، وتمثل نقطة تقاطع حاسمة بين الجوانب الأمنية، الاقتصادية، والتوسعية. منذ إعادة انتخاب ترامب في 2024، تصاعدت مطالبه بشراء أو الاستحواذ القسري على الجزيرة، وصولاً إلى تهديدات علنية بالقوة العسكرية في يناير 2026، بعد نجاح عملية عسكرية أمريكية في فنزويلا. هذه الرغبة ليست مجرد نزوة شخصية، بل تعكس رؤية استراتيجية تندرج تحت شعار "أمريكا أولاً"، حيث يرى ترامب في جرينلاند أداة لتعزيز الهيمنة الأمريكية في القطب الشمالي. ستستعرض هذه الدراسة الأسباب الرئيسية لهذه الرغبة، مستندة إلى التحليلات الجيوسياسية والتاريخية، مع التركيز على التداعيات المحتملة على العلاقات الدولية.


الخلفية التاريخية للاهتمام الأمريكي بجرينلاند

يمتد الاهتمام الأمريكي بجرينلاند إلى عقود مضت، مما يجعل اقتراح ترامب جزءاً من تقليد توسعي أمريكي. في القرن التاسع عشر، اقترح وزير الخارجية ويليام سيوارد شراء الجزيرة كامتداد لصفقة ألاسكا في 1867. خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت جرينلاند قاعدة حيوية للقوات الأمريكية، وفي 1946، عرض الرئيس هاري ترومان شراءها بـ100 مليون دولار ذهبياً، لكن الدنمارك رفضت. تم تجديد الاقتراحات في 1955 و2019، وأصبحت أكثر إلحاحاً في 2025 بعد إعادة انتخاب ترامب.في 2019، أثار ترامب الجدل بوصفه جرينلاند "صفقة عقارية كبيرة"، مما أدى إلى رفض دنماركي قاطع. بعد 2024، أعاد طرح الفكرة بقوة، معلناً أن "الملكية والسيطرة على جرينلاند ضرورة مطلقة للأمن القومي والحرية العالمية". في يناير 2026، بعد النجاح في فنزويلا، صعد ترامب من لهجته، مهدداً بـ"الطريقة السهلة أو الصعبة"، مشيراً إلى أن روسيا والصين قد يستوليان عليها إن لم تفعل الولايات المتحدة ذلك. هذا التصعيد يعكس تحولاً من الاقتراحات الدبلوماسية إلى التهديدات العسكرية، مما يهدد بانهيار حلف الناتو إذا تم تنفيذه.



الأسباب الاستراتيجية العسكرية

يُعتبر الأمن القومي الدافع الأبرز لترامب. تقع جرينلاند في موقع جيوستراتيجي حاسم بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، مما يجعلها نقطة مراقبة مثالية للنشاط الروسي والصيني. مع ذوبان الجليد الناتج عن تغير المناخ، تفتح طرق بحرية جديدة مثل ممر الشمال الغربي، مما يزيد من أهميتها العسكرية. يؤكد ترامب أن "جرينلاند محاطة بسفن روسية وصينية"، وأن السيطرة عليها ضرورية لمنع تهديدات محتملة. بموجب اتفاق دفاعي أمريكي-دنماركي من 1951، تمتلك الولايات المتحدة حق الوصول غير المحدود إلى قاعدة ثول الجوية، التي تستخدم للكشف عن الصواريخ والمراقبة الفضائية. ومع ذلك، يرى ترامب أن الملكية الكاملة ضرورية لتجنب الاعتماد على الدنمارك، خاصة مع تزايد النشاط الروسي في المنطقة. ذوبان الجليد يفتح آفاقاً لنشر صواريخ دفاعية إضافية، مما يعزز القدرات الأمريكية في مواجهة التهديدات من كوريا الشمالية أو إيران. هذا الجانب يجعل جرينلاند جزءاً أساسياً من استراتيجية الولايات المتحدة للسيطرة على القطب الشمالي، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ.


الأسباب الاقتصادية والموارد الطبيعية

تكمن جاذبية جرينلاند أيضاً في ثرواتها الطبيعية الهائلة، التي تقدر بتريليونات الدولارات. الجزيرة غنية بالمعادن النادرة مثل الليثيوم والنيوديميوم، بالإضافة إلى اليورانيوم، النفط، والغاز. مع ذوبان الجليد، تصبح هذه الموارد أكثر سهولة الوصول، مما يجعلها حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية. يرى ترامب، كرجل أعمال سابق، في جرينلاند فرصة اقتصادية هائلة، حيث يمكن للولايات المتحدة تقليل اعتمادها على الصين، التي تسيطر على 74% من إنتاج المعادن النادرة العالمي.


في سياق التنافس العالمي، تسعى روسيا والصين للاستثمار في المنطقة، مما يدفع ترامب إلى الإسراع في السيطرة. اقتراحات مثل دفع مكافآت مالية لسكان جرينلاند (حوالي 57 ألف نسمة) بقيمة تصل إلى 100 ألف دولار لكل فرد لدعم الانفصال عن الدنمارك تعكس الجانب الاقتصادي لهذه الاستراتيجية. هذا النهج يجمع بين الضغط الاقتصادي والسياسي، محاولاً تحويل الجزيرة إلى أصل أمريكي يعزز الاستقلال الطاقي والتكنولوجي.


التأثير الجيوسياسي والتنافس الدولي

يندرج اهتمام ترامب بجرينلاند ضمن سياسة مواجهة روسيا والصين في القطب الشمالي. يحذر من أن "إذا لم نفعل ذلك، فسوف تستولي روسيا أو الصين عليها"، معتبراً الجزيرة جزءاً من "النصف الغربي" الذي يجب أن يخضع للسيطرة الأمريكية. هذا الرأي يعكس رؤية إمبريالية، حيث يرى ترامب في الاستحواذ فرصة لتعزيز النفوذ الأمريكي، خاصة مع الاتفاقات العسكرية الحالية التي تمنح الولايات المتحدة حضوراً قوياً.ومع ذلك، يثير هذا الاقتراح مخاوف دولية واسعة. رفضت جرينلاند والدنمارك الفكرة بشكل قاطع، محذرين من أن أي استيلاء عسكري سيؤدي إلى نهاية الناتو، حيث ينتهك مبادئ السيادة والتحالف. قادة أوروبيون يرون في ذلك تهديداً للنظام الدولي، مقارنينه بغزوات روسية سابقة. كما أن الضغط على سكان جرينلاند، الذين يميلون نحو الاستقلال لكن يعتمدون على الدعم الدنماركي، قد يؤجج التوترات الداخلية. في النهاية، يمثل هذا النهج تحولاً في السياسة الأمريكية نحو التوسع الإقليمي، مما قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للقطب الشمالي.


خاتمة

رغبة دونالد ترامب في الاستيلاء على جرينلاند تجمع بين الدوافع العسكرية، الاقتصادية، والجيوسياسية، مستمدة من تاريخ أمريكي طويل في النظر إلى الجزيرة كأصل استراتيجي. في ظل تغير المناخ والتنافس الدولي المتزايد، أصبحت جرينلاند أكثر أهمية، لكن اقتراح ترامب يحمل مخاطر كبيرة، بما في ذلك تفكك الناتو وانتهاك السيادة الدولية. على الرغم من الاتفاقات الحالية التي توفر وصولاً عسكرياً، إلا أن ترامب يصر على الملكية الكاملة كـ"ضرورة نفسية واقتصادية". هذا النهج قد يعزز النفوذ الأمريكي قصير الأمد، لكنه يهدد بالتصعيد الدولي طويل الأمد، مما يطرح تساؤلاً حاسماً: هل ستكون جرينلاند خطوة نحو هيمنة أمريكية جديدة، أم مصدراً لصراع عالمي؟


كاتب فلسفي 

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق