الدور المنتظر للعراق في الشرق الأوسط
بقلم: د. عبدالله المدني
منذ وصوله إلى سدة رئاسة الحكومة العراقية في أبريل 2026، قام علي الزيدي بحراك غير مسبوق للملمة الأوضاع الداخلية والسيطرة على الدويلات والميليشيات المنشرة في أرجاء بلاده وإخضاعها لسلطة الدولة. غير أن الجهات المناوئة له والمؤتمره بأوامر الجار الإيراني الشرير أبت إلا وأن تقف عثرة في طريق سعيه لبناء عراق جديد مستقر ومتعاون مع محيطه العربي. وما الأحداث الأخيرة المتمثلة في قيام فصائل عراقية مسلحة بإطلاق مسيرات باتجاه الأراضي السعودية إلا دليل على أن الطريق ما زال طويلا امامه لإنجاز ما يسعى إليه.
أبى الزيدي أن يقوم بزيارته الخارجية الأولى لواشنطن منذ توليه السلطة، قبل أن يقوم بعمل ظل طويلا مطلبا ألحت عليه القوى الداخلية الشريفة المحبة لوطنها، ودعت إليه الدول الخليجية والعربية والولايات المتحدة، وهو إخضاع الميليشيات المسلحة العابثة بأمن العراق لسلطة الدولة المركزية، وذلك كي يثبت للإدارة الأمريكية أنه رجل المرحلة القوي.
ومن هنا استرعت زيارته انتباه العديد من المراقبين الذين علقوا عليها بقولهم أن الضيف نجح في كسب ود مضيفه الذي داعبه أمام الصحفيين بقوله:"لقد كان رئيس الوزراء الزيدي رائعا لأنه فاز في انتخابات لم يتوقعها الكثيرون .. لدينا الآن بطل جديد، ورغم أنه لم يكن الأوفر حظا، لكنهم عندما تعرفوا عليه فاز في النهاية، وسيبقى في منصبه طويلا .. إنه لشرف عظيم أن يكون اليوم بيننا، فلقد كان مناضلا عظيما ومحبا للولايات المتحدة".
ولعل ما جعل المراقبون يحيطون الحدث باهتمام إضافي هو الزيارة التي قام بها الزيدي إلى طهران مباشرة بعد اختتام زيارته لواشنطن، واجتماعه لأول مرة بقادة إيران الجدد، حيث قيل أن بغداد قد تسعى للعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وربما استضافة مفاوضات إيرانية ــ أمريكية.
والحقيقة أن زيارة الزيدي إلى واشنطن جرى التخطيط لها بعناية لتتماشى مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط والمرتكزة على التجارة والاستثمارات والطاقة، بدليل أنها تضمنت اجتماعات رفيعة المستوى مع مسؤولين تنفيذيين في قطاعي التجارة والطاقة الأمريكيين. وهذا تحديدا ما استخدمه بعض المعلقين والمراقبين كمؤشر على احتمال بروز العراق قريبا كحلقة وصل استراتيجية في شرق أوسط جديد تتشكل ملامحه بشكل متزايد من خلال شبكات الطاقة والبنية التحتية والتجارة والاستثمار، خصوصا وأن العراق يتمتع بموقع جغرافي فريد في الشرق الأوسط ويمتلك ثروات نفطية وزراعية ومعدنية هائلة لم تستثمر كما يجب منذ أكثر من ربع قرن بسبب الحروب المتتالية وانفلات الأوضاع الأمنية ومحاولات التخريب والسيطرة الإيرانية.
وبطبيعة الحال، فإن عوامل كثيرة ساهمت في بروز هذا الدور المرتقب للعراق في منطقة الشرق الأوسط. من هذه العوامل أولا: انحسار قوة وتأثير الجماعات الإرهابية (كداعش) في العراق وعموم المنطقة بفضل الضربات الأمريكية الساحقة، وبالتالي تحسن البيئة الأمنية بشكل عام،. وثانيا: سقوط نظام الأسد الموالي لطهران في سوريا المجاورة. وثالثا ضعف النظام الفقهي الإيراني داخليا وخارجيا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضده. لكن العامل الأخير له وجه آخر، فكلما شعرت طهران بأن أياديها مكبلة ولا تقوى على التحرك أمرت وكلائها المسلحين في العراق بالتصرف نيابة عنها، وهو ما حدث في العدوان الجبان الأخير على الأراضي السعودية.
ويبدو أن العراق يحاول أن يعيد تقييم دوره الإقليمي، في وقت يقوم فيه جميع الأطراف الاقليمية الفاعلة والرئيسية الأخرى، بالشيء ذاته، لكن من منطلقات متباينة. حيث تنظر إيران إلى تعزيز انخراطها مع العراق من منطلقات طائفية وعقيدية ممزوجة بمنطلقات الهيمنة والتوسع واستغلال الثروات، خصوصا وأن العراق يشكل لها عازلا استراتيجيا ، بينما تحاول دول الخليج العربية الانخراط مع العراق من منطلقات قومية واستراتيجية بهدف حمايته من التغول الإيراني، والمحافظة على عروبته، وأمنه واستقراره وازدهاره. أما الولايات المتحدة فلم تعد تنظر إلى العراق من منظور مكافحة الإرهاب وتحقيق النفوذ ــ كما كان الحال بعد غزو 2003 ــ وإنما تسعى للإنخراط معه في شراكة اقتصادية متعددة الجوانب، طويلة المدى، ذات فائدة للطرفين وللمنطقة عموما.
وأخيرا، فإن الصين ليست بعيدة عن المشهد كعادتها، فهي الأخرى تدرك أهمية العراق وتسعى للإستفادة الاقتصادية والسياسية والتجارية من أي متغيرات تصب في صالح بروز عراق جديد تتزاحم فيه المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية، ويسعى فيه العراق إلى أن يكون "دولة وسيطة" أي دولة تستمد نفوذها من البقاء على صلة بشبكات سياسية واقتصادية متنافسه والمساهمة في تفاعلها وتشكيل آلياتها.
د. عبدالله المدني
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: أغسطس 2026م




























