كيف صارت باكستان وسيطا في الحرب؟
بقلم: د. عبدالله المدني*
تساءلت وتساءل معي مراقبون كثر عن أسباب اختيار باكستان وسيطا في الحرب المشتعلة اليوم في الخليج بين إيران والولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل، في الوقت الذي تخوض فيه إسلام آباد عملية "غضب الحق" العسكرية ضد حركة طالبان الأفغانية، وتدير وقفا هشا لإطلاق النار مع الهند، وتعالج اقتصادا مريضا ومكبلا بألف قيد وقيد.
وسواء أكان اختيارها وسيطا ومكانا لجولة مفاوضات حاسمة بين طهران وواشنطون تم باقتراح أمريكي وموافقة إيرانية، أو كان بروزها باقتراح من باكستان نفسها بهدف تحقيق مكاسب سياسية تحلم بتحقيقها، او كان موافقتها على الوساطة بدعم من حليفتها الصينية كخدمة للنظام الإيراني، ومنعا لسقوطه الذي سيلحق حتما أضرارا بأجندة بكين الشرق أوسطية، فإن الأمر مؤكد الآن هو أن باكستان رسمت لنفسها لأول مرة منذ عقود دورا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي لطالما طمحت إليه، من أجل أن تمحو عن نفسها صورة الدولة الفاشلة سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا، على الأقل مقارنة بغريمتها الهندية.
في هذا السياق، يبرز دور قائد جيشها الحالي الجنرال عاصم منير، الذي تمكن بنجاح من إرساء علاقات شخصية وودية مع سيد البيت الأبيض الحالي دونالد ترمب، إبان الحرب الباكستانية الهندية الأخيرة في مايو 2025، التي انتهت بوقف لإطلاق النار، زعم الأمريكيون أنه تحقق بفعل مساعيهم مع إسلام آباد ونيودلهي.
لكن السؤال الذي يبقى قائما هو ماذا رأت الأطراف المتنازعة في باكستان كي تختارها وسيطا ومكانا لتسوية أكبر نزاع عسكري من نوعه في العالم منذ الحرب العالمية الثانية؟
الحقيقة هي أن باكستان مهيئة للعب دور الوسيط أكثر من قطر وسلطنة عمان اللتين كانتا على مدى سنوات من محطات الوساطة الهامة بين طهران وواشنطن، بل أكثر حتى من تركيا التي دخلت على الخط مؤخرا. فهي ــ اي باكستان ــ دولة إسلامية وليست دولة عربية يُخشى من انحيازها ضد إيران، دعك من احتضانها نحو 40 مليون مسلم من الشيعة الذين يدعي النظام الإيراني تمثيلهم في العالم. ثم أنها مجاورة جغرافيا لإيران، وبما يجعل الوصول إليها أسرع وأسهل. وهي بهذه الصفات أقرب إلى قلب المفاوض الإيراني. ومن جانب آخر، فإن باكستان، باعتبارها قوة نووية اقليمية، ربما تستطيع من وجهة نظر إيرانية، التوفيق بين إيران الطامحة لإمتلاك قدرات نووية وبين الولايات المتحدة، الدولة الأكبر والأقوى نوويا.
أما الحماس الباكستاني على هذا الصعيد، فيمكن تفسيره على أنه خطوة على طريق تقديم نفسها كلاعب إقليمي ذي مصداقية في أوقات الأزمات، خصوصا بعد أن تدهورت مصداقيتها لدى دول الخليج العربية، على الأقل، بعد أن ثبت فعليا أن شعاراتها وخطابها الرسمي حول التضامن مع السعودية وشقيقاتها الخليجيات والدفاع عنها ضد أي عدوان كان مجرد كلام ينقصه الفعل. كما يمكن تفسيره على أنه محاولة لجني مكاسب مالية واقتصادية لاحقا من أطراف النزاع، من خلال الإدعاء بأن جهودها الدبلوماسية ونفوذها الاقليمي هما اللذان أنقذا المنطقة برمتها من خطر داهم كان يحيق بها.
وأخيرا فأن تلعب باكستان دور الوسيط وتقدم أراضيها كمسرح لمفاوضات معقدة، فإنها بذلك تخدم مصالحها الإستراتيجية الذاتية وتعزز أمنها القومي، حيث أن أي انهيار للنظام الحالي في إيران يحمل معه مخاطر تفتيت إيران كوحدة جغرافية سياسية، وبالتالي احتمال انفصال إقليم بلوشستان في كيان مستقل. ولا حاجة لنا للقول أن هذا هو أكثر ما يخشاه ساسة وعسكر الدولة الباكستانية لأن سيغري وسيشجع بلوش باكستان على الاقتداء بأخوتهم من بلوش إيران، لاسيما وأن إسلام آباد عانت وتعاني من هجمات مسلحة يقوم بها ما يسمي بـ "حركة جيش تحرير بلوشستان" (BLA).
بعيدا عما سبق، فإن نجاح إسلام آباد في وساطتها، إن تحقق، سوف يصب في صالح الصين التي تعد شريان الحياة الأكبر بالنسبة لطهران، والمستثمر الأضخم في البنية التحية لباكستان، لكنه إنْ لم يتحقق لأي سبب من الأسباب، فإنه سيلحق الضرر حتما بصورة باكستان وسيحرجها دبلوماسيا، وسوف يمتد الأثر ايضا إلى الصين المتطلعة إلى بقاء النظام الإيراني صامدا وقويا خدمة لمصالحها.
د. عبدالله المدني
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: مارس 2026م













.jpg)



.jpg)
















