كيف تأثرت آسيا بالحرب الأمريكية ــ الإيرانية
بقلم: د. عبدالله المدني
مما لا شك فيه أن كل الأقطار الآسيوية دون إستثناء تأثرت سلبا بالأحداث الأخيرة في بحر الخليج العربي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لاسيما وأن ما نسبته 84% من النفط العابر لمضيق هرمز يتجه إليها. لكن تأثرها كان بدرجات متفاوتة تبعا لمدى اعتمادها على واردات الطاقة من دول الخليج، وحجم مخزونها النفطي الاستراتيجي.
فدول جنوب آسيا كالهند وباكستان وبنغلاديش عانت أكثر من غيرها لأسباب كثيرة منها: الكثافة السكانية العالية، وارتفاع الطلب الصناعي والمنزلي على الكهرباء ووقود الطهي والمركبات، وضعف حجم الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية للبعض منها، واعتماد قطاعها الزراعي على امدادات الاسمدة من الخليج العربية، وانخفاض تحويلات عمالتها الكثيفة الموجودة في الخليج، والتي تحول مليارات الدولار سنويا من العملة الصعبة التي تساهم في إستقرار سعر صرف العملة المحلية. وغني عن البيان أن هذه الدول واجهت هذه التحديات بجملة من الإجراءات شملت تطبيق إجراءات صارمة لترشيد استهلاك الوقود وصلت إلى حد تقنينه في بعض المناطق. كما لوحظ أن الهند، التي كونت على مدى السنوات الماضية احتياطيات نفطية استراتيجية ضخمة من خلال شراء النفط الروسي الرخيص، سعت لإستيراد النفط السعودي عبر البحر الأحمر، على الرغم من احتمالات تعرض شحناتها للخطر على أيدي الحوثيين التابعين لإيران، في حال حدوث تصعيد إيراني.
ولم تختلف الأوضاع والتحديات في دول جنوب شرق آسيا عنها في دول جنوب القارة، فمعظم دول مجموعة آسيان الجنوب شرق آسيوية تضررت جراء الحرب في الخليج، وانقطاع أو تأخر وارداتها من النفط والغاز والبتروكيماويات، ولعل ما زاد الطين بلة وتسبب في اضرار لحركة الطيران والسياحة في بعض هذه الدول هو توقف كل من الصين وتايلاند عن امدادها بالوقود المستخدم في الطائرات. وعليه لوحظ مثلا اضطرار آلاف محطات الوقود في كمبوديا إلى الإغلاق، وارتفاع أسعار بيع الأسمدة وتباطؤ انتاجها في ماليزيا، وإعلان حالة الطواريء الوطنية في مجال الطاقة بالفلبين التي شجعت موظفي الحكومة على العمل من المنزل يوما واحدا في الأسبوع من أجل توفير الوقود. ويفيد أحد التقارير التي اطلعنا عليها أن من نتائج هذه التطورات المفاجئة تزايد الضغوط على دول جنوب شرق آسيا للتحول إلى الطاقة المتجددة، وهي عملية بدأتها دول مثل لاوس وكمبوديا وفيتنام في السنوات القليلة الماضية عبر مشاريع الطاقة الكهرومائية في حوض نهر الميكونغ، لكنها أثارت جدلا واسعا بسبب آثارها السلبية على منسوب تدفق النهر وبالتالي تعريض معيشة المزارعين والصيادين للخطر.
وإذا ما تحدثنا عن الدول الآسيوية الصناعية في الشرق الأقصى، نجد أن كوريا الجنوبية تبرز ضمن المتضررين الكبار من الحرب الإيرانية ــ الأمريكية، خصوصا وأن 70% من وارداتها النفطية و50% من وارداتها البتروكيماوية المستخدمة في صناعة البلاستيك لقطاعي السيارات والالكترونيات تصلها عبر مضيق هرمز. ولم تتردد الحكومة إزاء هذا المأزق في فرض أول سقف لأسعار الوقود منذ نحو 3 عقود. ومن جانب آخر تخشى سيئول أن يورطها الحليف الأمريكي في الحرب من خلال إجبارها على المشاركة العسكرية في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهي أمر لا تقوى سيئول على رفضه بسبب روابطها الاستراتيجية والتحالفية القديمة وعلاقاتها التجارية المثمرة مع واشنطن، ووجود نحو 30 ألف جندي أمريكي فوق أراضيها.
أما اليابان، فليست أحسن حالا من كوريا الجنوبية، بل يمكن القول أن ظروفها أكثر تعقيدا بسبب اعتمادها على 90% من النفط القادم عبر مضيق هرمز من السعودية والامارات، غير أن ما يساعد اليابان هو انها تعلمت الدرس من صدمة النفط عام 1973، فسارعت إلى بناء احتياطي نفطي استراتيجي ضخم يمكنه تلبية احتياجات البلاد لمدة 254 يوما دون استيراد. وتفيد الانباء أن رئيسة الحكومة ساناي تاكائيتشي أمرت باستخدامه مؤخرا، كما أعلنت عن خطط لشراء وتخزين كميات من النفط الأمريكي كحل مؤقت، على الرغم من تكاليف نقله الباهظة وعدم توافقه مع المصافي اليابانية.
وكما هو الحال في كوريا الجنوبية تسود اليابان مخاوف سياسية من جرها إلى المساهمة العسكرية في فتح مضيق هرمز وحماية الملاحة والتجارة عبره بطلب من الحليف الأمريكي. وهنا يمكن لطوكيو أن تتحجج بدستورها الذي يحظر نشر قوات الدفاع الذاتية اليابانية خارج البلاد، والإعلان فقط عن استعدادها لتقديم مساهمات غير عسكرية مثل ارسال كاسحات الألغام ودوريات المراقبة والرصد والمطاردة. وفي رأي آخر يمكن لرئيسة الوزراء الحالية القوية تاكائيسي أن تستجيب لأي طلب أمريكي كنوع من التضامن مع واشنطن، وتشجيعا للرئيس ترامب على عدم إهمال مصالح اليابان في اي صفقة امريكية ــ صينية خلال قمته المؤجلة مع نظيره الصيني شي جينبينغ.
د. عبدالله المدني
*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: أبريل 2026


























.jpg)





