مودي يعزز قبضته على الهند بالفوز بولاية البنغال
بقلم: د. عبدالله المدني
جرت مؤخرا انتخابات تشريعية محلية في خمس ولايات هندية، تمخض عنها فوز ساحق وغير مسبوق لرئيس الوزراء الحالي "ناريندرا مودي" وحزبه الهندوسي القومي الحاكم (بهاراتيا جاناتا)، ولاسيما في ولاية البنغال الغربية ذات المائة مليون نسمة، والتي ظلت طويلا عصية عليه وفي عهدة المعارضة ممثلة في حزب ترينامول الإقليمي بقيادة السياسية العجوز "ماماتا بنيرجي" منذ عام 2011. إذ تم الإعلان في الرابع من مايو الجاري عن فوز "بهاراتيا جاناتا" بـ 206 مقاعد من أصل 294 في المجلس التشريعي للولاية، مسجلا أول نصر انتخابي له على الإطلاق في ولاية البنغال الغربية، ومسيطرا لأول مرة على معاقل المعارضة في شرق البلاد.
في الوقت نفسه، احتفظ حزب مودي بسيطرته على ولاية آسام الشمالية الشرقية للمرة الثالثة على التوالي، وكذا على إقليم بودوتشيري الساحلي الصغير. وأما في ولاية "تاميل نادو" في أقصى جنوب الهند، فقد تمكن حزبها الاقليمي الجديد (تاميلغا ويتريك كالاغام) بقيادة الممثل السابق جوزيف فيجاي من الفوز، بينما حل بهاراتيا جاناتا ثانيا في الترتيب. وفي ولاية كيرالا الجنوبية تمكن حزب المؤتمر الهندي بقيادة راهول غاندي من ازاحة الحزب الشيوعي الحاكم والحلول مكانه، ليخسر شيوعيو وماركسيو الهند آخر معاقلهم.
بهذه النتائج يكون مودي و(حزبه) قد نجح في الإمساك بوسط الهند وشرقها وغربها وشمالها وبعض جنوبها، وبالتالي نجح في تعزيز قبضته على عموم الهند، وهو ما يقوي موقفه في الانتخابات العامة المقررة سنة 2029، ويثبت أنه لا يزال زعيما قويا دون منافس بعد ثلاث فترات انتخابية متتالية في السلطة منذ عام 2014.
ولعل ما يزيد من سعادة مودي هو أن فوز حزبه في الانتخابات المحلية الأخيرة قد تحقق على الرغم من سلسلة إجراءات صعبه وغير شعبية اتخذتها حكومته لمواجهة الضغوطات والتحديات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأمريكية ــ الإيرانية في الخليج في ظل اعتماد الهند على امدادات الطاقة من دول الشرق الأوسط، حيث تسبب انقطاع واردات الطاقة عبر مضيق هرمز إلى نقص في غاز الطهي وارتفاع أسعار البنزين وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض تحويلات العمالة الهندية في دول الخليج، ناهيك عن حدوث انخفاض قياسي في سعر الروبية الهندية.
اعتبر مودي فوز حزبه بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي لولاية البنغال الغربية، نصرا سيظل عالقا في الأذهان إلى الأبد، ووصفه بانتصار "قوة الشعب وسياسة حزب بهاراتيا جاناتا القائمة على الحكم الرشيد" طبقا لتدوينته على وسائل التواصل الإجتماعي، كيف لا وقد انتصر في ولاية أكثر من ربع سكانها من الأقلية المسلمة التي يقال أن مودي يعاديها ويهضم حقوقها. لكن زعيمة حزب ترينامول الخاسرــ ومثلما يفعل الخاسرون في أي انتخابات ــ راحت تزعم بعصبية حدوث خروقات وتعديات وتواطيء من جانب مفوضية الانتخابات، متوعدة بهاراتيا جاناتا بالانتقام في الانتخابات القادمة، علما بأنها خسرت حتى مقعدها الانتخابي في دائرة "بهابانيبور" بفارق 15 ألف صوت لصالح مرشح من بهاراتيا جاناتا. ويعكس تشكيك بنيرجي بنزاهة الانتخابات، في الواقع، حالة احتقان سياسي، واحباط حقيقي داخل صفوف المعارضة.
لكن كيف نجح مودي في تحقيق هذه الانتصارات، التي ستعزز حتما صورته كزعيم قادر على تحقيق اختراقات سياسية حتى في أصعب المناطق والظروف، بعد أن كانت المعارضة تتوقع خسارته، عطفا على فقدان بهاراتيا جاناتا الأغلبية في الانتخابات العامة السابقة التي جرت في يونيو 2024. يمكن اختصار الإجابة في عبارتين هما: "التنظيم الميداني الجيد" و"الروح القتالية لمرشحي بهاراتيا جاناتا".
إن ما حدث لن يعيد رسم موازين القوى السياسية داخليا لسنوات قادمة، وإنما هو أيضا مؤشر جديد على مدى تراجع قوى المعارضة التقليدية، ولاسيما حزب المؤتمر، أمام زخم التيار القومي الزعفراني.
ونختتم بالإشارة إلى بعض الآراء التي برزت في اعقاب ظهور نتائج هذه الانتخابات. فبعض المراقبين رأي فيها دليلا إضافيا على إستقرار الهند سياسيا ومناعة ديمقراطيتها التعددية، وبالتالي تعزز فرص جذب الاستثمارات الاجنبية التي عادة ما تبحث عن الدول المستقرة سياسيا، بينما تحدث البعض الآخر عن احتمالات أن يؤدي تضاعف قوة بهاراتيا جاناتا وسيطرتها على المشهد السياسي إلى تغولها في قراراتها الداخلية والمضي بعيدا في سياساتها القومية الهندوسية، وبالتالي إثارة مخاوف اجتماعية وخلق توترات عرقية ودينية وثقافية. أما البعض الثالث فقد قال أن استقرار الهند تحت قيادة مودي سيعزز موقع الهند دوليا، لكنه يضع البلاد تحت مجهر المجتمع الدولي لجهة حقوق الاقليات التي ما برحت تشتكي من غياب العدالة بسبب سطوة الاغلبية الهندوسية.
د. عبدالله المدني
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: مايو 2026م
































