علامات استفهام حول حكومة ماليزيا الجديدة


 بقلم: د. عبدالله المدني*

استفاق الماليزيون مؤخرا على خبر تشكيل حكومتهم الجديدة برئاسة السياسي المخضرم أنور إبراهيم، ليجدوا أنفسهم أمام مفاجآت جديدة بعد مفاجأة نتيجة الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أسفرت عن برلمان معلق ومفاجأة تكليف إبراهيم بتشكيل الحكومة الجديدة. فما هي هذه المفآجات الجديدة؟ 

لقد توقع الكثيرون أن ينفذ ابراهيم وعوده التي أطلقها أثناء حملته الانتخابية وخلال مؤتمراته الصحفية، كي يظهر أمام الأمة بمنظر القائد المختلف عن كل أسلافه، فإذا به يخالف كل التوقعات. وآية ذلك أن إبراهيم، الذي وعد بوضع حد للفساد واساءة استخدام السلطة وكرر معارضته لفكرة أن يتولى رئيس الحكومة حقيبة المالية (لأن في ذلك مفسدة ــ بحسب قوله ــ في إشارة ضمنية إلى قضية رئيس الحكومة الأسبق نجيب رزاق المحكوم عليه بالسجن والذي استغل الجمع بين المنصبين في السرقة والإثراء غير المشروع) لم يلتزم بكلامه فاحتفظ بحقيبة المال المهمة لنفسه. والمعروف أن إبراهيم سبق أن تولى حقيبة المال في حكومة مهاتير محمد الأولى، وتحديدا في الفترة من 1991 إلى 1998، أي حينما كانت ماليزيا نمرا آسيويا يتمتع بنمو سريع ملفت للنظر، قبل أن يفقد الحقيبة على خلفية نزاعه مع مهاتير حول كيفية التعامل مع الأزمة المالية الآسيوية في 1997/1998. وهنا قد نجد للرجل مبررا مقنعا لجهة اصراره على استعادة حقيبة المال بعد 25 سنة من خسارته لها واتهامه بالفشل في إدارتها. وهذا المبرر ليس سوى رغبته في أن يتولى شخصيا عملية معالجة التضخم والركود الاقتصادي وتباطيء النمو وإعادة توجيه المال العام نحو الفئات الأقل دخلا من خلال التحكم في الدعم الرسمي للسلع والخدمات.

ولئن كانت هذه هي المفاجأة الأولى في التشكيلة الوزارية الجديدة، فإن المفاجأة الأخرى أثارت استغراب قطاع عريض من أنصاره بصورة أوضح، بل شكلت صدمة للذين صوتوا لأجندته الداعية للحكم الرشيد ومكافحة الفساد. ونعني بذلك اختياره لأحمد زاهد حميدي زعيم "المنظمة الوطنية المتحدة للملايوUMNO" كنائب لرئيس الوزراء. ومبعث الإستغراب هنا هو أن هذا الأخير تطارده جملة من قضايا الفساد ذات الصلة بفضيحة نجيب رزاق، حيث أنه شغل منصب نائب رئيس الحكومة من 2005 إلى 2018 في ظل إدارة رزاق المليئة بالفضائح، الأمر الذي أثار تساؤلات حول جدية إبراهيم في التصدي للفساد والساسة الفاسدين. فما الذي دفع إبراهيم، يا ترى، لهذا الاختيار السيء وهو في بداية مشوار قيادته لماليزيا؟

يمكن القول أن إبراهيم اضطر إلى توزير حميدي لأكثر من سبب، على الرغم من معرفته بفساده وبحقيقة ضعف تمثيله البرلماني (جاء حزبه ثالثا في الانتخابات الأخيرة بحصوله على 30 مقعدا من مجموع مقاعد البرلمان البالغ عددها 222 مقعدا). أول هذه الأسباب أن الأمر الملكي بتكليفه قيادة ماليزيا كان على أساس أن يشكل حكومة وحدة وطنية تضم مختلف أحزاب البلاد وأطيافها السياسية، وبالتالي لم يكن بالإمكان تجاهله كونه زعيم الحزب الأقدم والذي قاد ماليزيا منذ استقلالها وحتى عام 2018 دون انقطاع. والسبب الآخر أن الإئتلاف الذي يقوده إبراهيم تحت اسم " باكاتان هارابان PH"  لا يستحوذ إلا على 82 مقعدا برلمانيا، أي أقل من العدد الذي يضمن له الأغلبية والحكم دون صداع بـ 30 مقعدا، وهو ما دفعه لعقد صفقة مع حميدي الذي لم يتردد في دعمه دون شروط كسبا لصداقته وأملا في رد الجميل حينما تضيق عليه الدوائر. أما السبب الثالث فيمكن وضعه في إطار تبادل الدعم السياسي بين الرجلين. إذ لا يخفى أن ابراهيم استند على دعم حميدي القوي له اثناء المشاورات التي أجراها العاهل الماليزي الملك عبدالله احمد شاه لتشكيل الحكومة الجديدة بعيد ظهور انتخابات الشهر الماضي. فقد زكاه لدى الملك ليس حبا فيه، وإنما من أجل أن يرد له ابراهيم الجميل لاحقا فيتدخل لانقاذه من تهم الفساد.

الأمر الآخر التي ارتفعت معه حواجب الماليزيين دهشة واستغرابا هو أن إبراهيم لم يكتف بتعيين حميدي نائبا له، وإنما منحه فوق ذلك حقيبة التنمية الريفية، وهي لئن بدت حقيبة ثانوية، إلا أنها تعد حقيبة هامة في ماليزيا لأن الممسك بها يستطيع من خلال ميزانيتها كسب ود الماليزيين الريفيين من ذوي العرقية الملايوية الذين يشكلون القاعدة الرئيسية لحزب حميدي (UMNO)، خصوصا  وأن الحزب على موعد مع انتخابات صعبة لتجديد قيادته الداخلية في شهر مايو المقبل.

إلى ذلك، أصيب قطاع كبير من الماليزيين بالدهشة جراء قيام ابراهيم بمنح معظم الحقائب الهامة في حكومته إلى شخصيات تنتمي إلى (UMNO)، بل مقربة من رئيس الحكومة المعتقل نجيب رزاق مثل وزير الداخلية الجديد "سيف الدين ناسوتيون اسماعيل"، ناهيك عن شخصيات مقربة من حميدي مثل وزير الشؤون الاقتصادية الجديد "محمد رافيزي رملي"، ووزير الخارجية الجديد "زامبري عبدالقادر" علاوة على "محمد حسن" نائب حميدي في رئاسة UMNO الذي تولى وزارة الدفاع، ونائب حميدي الآخر "محمد خالد نور الدين" الذي حصل على حقيبة التعليم العالي، ووزير المالية السابق "تنكو ظفر العبدالعزيز" الذي منح حقيبة التجارة والصناعة الدولية.

يتفهم بعض الماليزيين أن زعيمهم الجديد قد دفع ثمنا سياسيا كبيرا لضمان أن يكون لدى ائتلافه الحاكم الأغلبية البرلمانية اللازمة للإستقرار السياسي، لكن البعض الآخر يرى في خطوته مجازفة باهضة الثمن قد تطيح به عاجلا أو آجلا.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: يناير 2023م


CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق