"طارق رحمن" .. الوجه الجديد في عالم التوريث السياسي



بقلم: د. عبدالله المدني*


قلنا في مقال سابق أن "طارق ضياء رحمن" فاز في الانتخابات العامة التي جرت مؤخرا في بنغلاديش فوزا كاسحا، بحصول حزبه (حزب بنغلاديش الوطني) على 212 مقعدا من أصل مقاعد البرلمان البالغ عددها 300 مقعدا، وبالتالي صار يحكم البلاد بتخويل شعبي غير مسبوق، وبما يتيح له تنفيذ أجنداته السياسية والاقتصادية دون صداع أو معارضة برلمانية مؤثرة. لكن كيف نجح الرجل في تحقيق هذا النصر الكاسح؟

بداية لا بد من التعرف على هذا الوجه الجديد في سدة الزعامة في بنغلاديش التي لم تهنا بإستقرار سياسي طويل منذ انفصالها عن باكستان في كيان مستقل سنة 1971، بل الوجه الجديد المجسد لظاهرة التوريث السياسي المعروفة في عموم آسيا وخصوصا في جنوبها، حيث كلما غاب الآباء أو الأزواج لأي سبب انتقلت زعامتهم السياسية وميراثهم السياسي إلى زوجاتهم أو أبنائهم، كما شهدنا في سريلانكا ثم الهند وباكستان وبنغلاديش واندونيسيا وميانمار والفلبين. وعادة ما يلعب الورثة في هذه البلاد على الوتر العاطفي للجماهير، ولاسيما حينما  يكون الموروث صاحب شرعية مستمدة من انجاز مشهود كتحقيق الاستقلال عن المستعمر الاجنبي  أو الارتقاء بالبلاد تنمويا مثلا. وبطبيعة الحال تسهل مهمة الوريث إذا كان غياب الموروث بفعل حادثة اغتيال مدبرة أو كنتيجة إقصاء ظالم.

ولد "طارق ضياء الرحمن" في 1965 إبنا أكبر لوالده الجنرال ضياء الرحمن، الذي أسس "حزب بنغلاديش الوطني" اليميني سنة 1978 وتولى قيادة بنغلاديش من عام 1977 إلى يوم اغتياله في انقلاب عسكري سنة 1981، وإبنا لوالدته خالدة ضياء التي تولت زعامة البلاد ثلاث مرات ودخلت المعتقلات لسنوات طويلة قبل أن تتوفي في ديسمبر الماضي. عاش رحمن طفولته في ظل حرب الاستقلال عن باكستان، وخلالها اعتقل مع والدته وشقيقه ولم يفرج عنه الا بعد تحقيق النصر في الحرب سنة 1971.

تلقى تعليمه بكلية شاهين التابعة لسلاح الجو في دكا، ثم درس العلاقات الدولية بجامعة دكا خلال ثمانينيات القرن العشرين (لم يكمل تعليمه الجامعي وانصرف إلى العمل في قطاع الشحن وصناعة الملابس)، قبل أن ينخرط في عالم السياسة في نهاية الثمانينات من خلال مشاركته لوالدته في الحركة المقاومة لنظام الجنرال محمد حسين ايرشاد، ومن خلال المشاركة في توسيع قاعدة حزب والديه والترويج للديمقراطية، ثم انضم رسميا لحزب ينغلاديش الوطني في 1988. وبعد فوز والدته بقيادة البلاد في انتخابات 1991 برز اسمه بقوة وتمت ترقيته في 2002 لمنصب قيادي حزبي في خطوة أثارت الجدل في أوساط قادة حزبيين أقدم منه.

وخلال حكم الشيخة حسينة واجد، غريمة والدته اللدودة، ما بين عامي 2009 و2024، وجهت إليه اتهامات بالفساد واساءة استغلال النفوذ ومحاولة التخريب المسلح، فصدر ضده عددا من الأحكام الغيابية التي وصفها بأنها ذات دوافع سياسية، لكنها لم تنفذ لأنه كان قد غادر بنغلاديش للإقامة في بريطانيا بعد أن أمضى 18 شهرا في المعتقل  في 2007 إبان فترة حكومة تصريف أعمال مدعومة من الجيش. وبعد اعتقال والدته سنة 2018، راح يدير شؤون حزبها من المنفى باعتباره رئيسا للحزب بالنيابة.

عاد إلى دكا في ديسمبر 2025، اي بعد الإطاحة بنظام حسينة واجد في ثورة شعبية، وبعد أيام قليلة من وفاة والدته، ليتولى قيادة حزب بنغلاديش الوطني ويخوض على رأسه الانتخابات العامة الأخيرة ويفوز ويصبح زعيما جديدا لبلاده يواجه تحديات جمة، على رأسها إعادة الاستقرارين السياسي والاقتصادي لبنغلاديش بعد سنوات من الاضطرابات، واستعادة ثقة المستثمرين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإدارة علاقات متوازنة مع الهند والصين وباكستان وعلاقات قوية مع واشنطن.

ساهمت عوامل كثيرة في وصوله إلى سدة الزعامة. فعلاوة على اللعب على الوتر العاطفي للجماهير عبراستغلال ميراثه السياسي وتاريخه العائلي، استغل الحكم الصادر بمنع أكبر أحزاب البلاد (حزب عوامي الوطني) من المشاركة في الانتخابات ليبرز نفسه كمنقد وحيد، خصوصا مع ضعف قوة حزب الجماعة الاسلامية ذي التوجهات الإخوانية المتشددة، الذي شارك في السباق الانتخابي وهو منهك ويفتقد التنظيم والاعداد الجيد، بسبب ضربات تعرض لها في عهد حسينة واجد. 

من العوامل الأخرى أن حزب بنغلاديش الوطني كان قد بدأ، تحت قيادته تنظيم نفسه وتحشيد أنصاره لإستعادة السلطة مبكرا أي بمجرد الإطاحة بالعهد السابق سنة 2024، كما أنه استخدم خلال حملاته الانتخابية وعودا وتعهدات دغدغت مشاعر الناخبين الطامحين لمستقبل أفضل، وروّج لشعارات تفيد وقوفه على مسافة واحدة من مواطني بنغلاديش المسلمين والمسيحيين والهندوس والبوذيين. ومن ناحية أخرى ساهم التصويت عبر البريد الإلكتروبي لأول مرة، في تسهيل تصويت ما لا يقل عن 15 مليون ناخب في الخارج.



د. عبدالله المدني

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: فبراير 2026م

CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق