بقلم: د. عبدالله المدني
أثناء مطالعاتي الصباحية للصحف الصادرة في شرق آسيا باللغة الانجليزية، وقع نظري على خبر تداولته تلك الصحف، بينما لم أجد له أثرا في صحافتنا العربية، ولو بصورة مقتضبة.
الخبر يتعلق بتصريح أدلت به النائبة اليابانية المعارضة "تشيكاجي كوغا" في منتصف يونيو المنصرم، خلال جلسة للغرفة العليا للبرلمان الياباني، وقالت فيه مامعناه أن "قوات الدفاع الذاتي" اليابانية تتألف في معظمها من أبناء الأسر المتعثرة، لأن أبناء الأسر الميسورة لا يلتحقون بها.
أثار هذا التصريح، الذي يشيء بوجود خلل معياري داخل المؤسسة الدفاعية اليابانية لجهة التجنيد، موجة من التعليقات المضادة. إذ سارع وزير الدفاع الياباني "شينجيرو كويزومي" إلى رفضه جملة وتفصيلا، خصوصا وأن صاحبته لم تقدم دليلا على مزاعمها. وهو ما دفع النائبة "كوغا" إلى سحب تصريحها والاعتذار للأمة. كما أن حزبها الدستوري الديمقراطي أصدر توبيخا بحقها.
الحدث وما تلاه من ردود أفعال فتح باب النقاش على مصراعيه، خصوصا وأن البلاد تمر بتحولات في سياساتها الدفاعية منذ مجيء رئيسة الحكومة الحالية "ساناي تاكائيتشي" إلى السلطة بتخويل شعبي كاسح، وببرنامج طموح للتغيير داخليا وخارجيا.
صحيح أن اليابان اوقفت التجنيد الالزامي، بل وألغته رسميا منذ مايو 1947، تمشيا مع دستورها السلمي الجديد لحقبة ما بعد الحرب، فأصبح الانضمام إلى جيش الدفاع الذاتي تطوعيا بالكامل لمن يبلغون سن 18 عاما. وصحيح أن البلاد تعاني اليوم من مشكلة سكانية تتمثل في انخفاض أعداد المواليد وارتفاع أعداد المسنين، وهو ما خلق بدورة مشكلة في جيش الدفاع الذاتي لجهة تجنيد العناصر. لكن الصحيح أيضا أن ما زعمته النائبة المعارضة حول التجنيد القائم على الفقر عار عن الصحة.
إن فكرة "التجنيد القائم على الفقر" قد تكون صحيحة في الولايات المتحدة ــ كما يقول "بيتر تشاي" الباحث المشارك في كلية العلوم السياسية والاقتصادية بجامعة واسيدا بطوكيو في أحد مقالاته ــ فالجيش الأمريكي يستقطب في صفوفه الكثيرين من الشباب المفتقرين إلى خيارات أخرى، لاسيما وأن العمل العسكري يحقق لهم الوجاهة الاجتماعية ويمنحهم مزايا اقتصادية كالتأمين الصحي الشامل وتمويلات التعليم والسكن المريح. أما في اليابان فلا ينطبق هذا الطرح لأسباب كثيرة منها أن البلاد تتمتع بمعدلات توظيف شاملة للخريجين من الشباب الذين ينهون دراستهم، بمعنى أنه يمكنهم الاختيار من بين قائمة طويلة من الخيارات المدنية المتنوعة، ومنها أيضا وجود نظام رعاية صحية شاملة ونظام تعليم مجاني راق ونظام إسكان متقدم، فلا يحتاج الفرد الياباني للإلتحاق بالجيش من أجل هذه المزايا. وتشير الإحصائيات المتوفرة إلى أنه في عام 2023 توفرت 3.5 فرصة عمل لكل باحث عن وظيفة من المتخرجين الجدد من المرحلة الثانوية في اليابان وبالتالي لا دليل على أن جيش الدفاع الياباني كان الملجأ الرئيسي المتاح أمام الشباب الأقل حظا من الناحيتين التعليمية والاقتصادية.
يقودنا الحديث السابق إلى سرد بعض مما أورده الباحث بيتر تشاي في بحثه المشار إليه آنفا حول نظرة اليابانيين إلى "قوات الدفاع اليابانية" منذ العقود الأولى لتأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. ففي العقود الأولى التي تلت الحرب مباشرة كانوا ينظرون إليها بعين الشك والريبة، لاسيما وأنها كانت وقتذاك محل نقاشات شعبية حول دستوريتها. تلك النظرة السلبية النافرة تحولت تدريجيا في العقود اللاحقة إلى نظرة إيجابية داعمة، خصوصا في أعقاب انخراطها في أنشطة إنسانية داخليا وخارجيا، كأعمال الإغاثة والانقاذ ونزع الألغام، والمشاركة في قوات حفظ السلام الدولية.
وهناك ثمة مفارقة تسترعي الانتباه. فعلى الرغم من أن نتائج استطلاع للرأي أجري في يناير المنصرم كشف أن 90% من الشعب الياباني معجب بأداء جيش الدفاع الذاتي، غير أنهم لا يترجمون هذا الإعجاب بالانخراط في صفوفه، بدليل أن 9% منهم فقط (طبقا لإستطلاع أجري عام 2024) مستعدون للإلتحاق بالجيش للدفاع عن اليابان.
مما لاشك فيه أن 9%، نسبة ضئيلة جدا، بل واحدة من أدنى النسب المسجلة بين دول العالم. وهنا نتوقف لنقول أن الفجوة الكبيرة بين الإعجاب بالجيش ورفض خدمته تكتسب أهمية بالغة في هذا المنعطف من تاريخ اليابان، والذي تحاول فيه رئيسة الحكومة تاكائيتشي دفع البلاد نحو استراتيجية دفاعية طموحة، تشمل زيادة الانفاق الدفاعي ليصبح 2% من الناتج المحلي الاجمالي، وتزويد الجيش بأسلحة متطورة بعيد المدى، وتعديل بنود الدستور الحائلة دون انخراط البلاد في الأعمال القتالية الخارجية من أجل الأمن والسلام، والإضطلاع بدور أمني إقليمي أكثر نشاطا واستجابة لمتطلبات الاستقرار في شرق آسيا. وبطبيعة الحال فإن طموحات تاكائيتشي لا يمكن تحقيقها برفع كفاءة السلاح دون رفع أعداد المجندين.
د. عبدالله المدني
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: يوليو 2026م




0 comments:
إرسال تعليق