جاكرتا وبكين ... تعاون فضائي أم عمل تجسسي؟


 بقلم: د. عبدالله المدني*

على الرغم من حاجة اندونيسيا للصين لجهة الاستفادة من مساعداتها الاقتصادية والتنموية والاستثمارية والتكنولوجية، وحاجة الأخيرة للأسواق الاندونيسية الواسعة لتصريف منتجاتها، وعلى الرغم أيضا من الزيارات الكثيرة المتبادلة على أعلى المستويات بين البلدين، وتعاونهما كأعضاء في 19 منظمة دولية وإقليمية، ووجود توأمة بين عشر مدن صينية وأندونيسية، وانحدار جزء كبير من الشعب الأندونيسي من أصول صينية، إلا أن العلاقات بينهما يخيم عليها الشكوك والهواجس، وتبدو فاقدة لعنصر الثقة المتبادلة. بل حتى على المستوى الشعبي، هناك ما لا يقل عن 30% من الأندونيسيين (أي نحو 85 مليون نسمة) لديهم نظرة سلبية تجاه الصين والصينيين، طبقا لإستطلاع أجرته شبكة البي بي سي. 

والأسباب عديدة، بعضها قديم توارثته الأجيال منذ واقعة الانقلاب الدموي الفاشل الذي دبرتها الصين الماوية سنة 1965 للإستيلاء على السلطة وتحويل إندونيسيا من بلد مسلم محايد إلى دولة ذات نظام شيوعي شمولي موالي لبكين وتعاليم المعلم ماو تسي تونغ (بلغ عدد ضحايا الانقلاب ما بين 500 ألف ومليون قتيل)، والبعض الآخر حديث مرتبط بالمخاوف من النزعة التوسعية للصين وسياسات فخ الديون وإغراق الأسواق التي تتبعها بكين، علاوة على مسائل السيادة البحرية وحقوق الصيد واستغلال الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. 

وباختصار شديد، يمكن وصف علاقات الطرفين بأنها نموذج لشراكة اقتصادية تهيمن عليها الهواجس وتتخللها توترات وتحديات استراتيجية عميقة، خصوصا في ظل اصرار جاكرتا على الحفاظ على علاقات ودية متشعبة مع واشنطن.

نتحدث اليوم عن طبيعة العلاقات الاندونيسية الصينية على ضوء قيام الصين مؤخرا ببناء قمر صناعي لصالح أندونيسيا وإطلاقه بواسطة صاروخ من سواحلها. أطلقت إندونيسيا على القمر إسم "لامبونغ 1"، تيمنا باسم مقاطعة لامبونغ الواقعة بجزيرة سومطرة، وقالت أنه سيساعد المقاطعة في مراقبة مزارعها ومحاصيلها وسواحلها من الفضاء، بينما قالت الشركة الصينية التي قامت بصناعة القمر  بالتعاون مع حكومة مقاطعة لامبونغ وإحدى الجامعات الصينية والهيئة الوطنية للأبحاث في أندونيسيا أن القمر يتمتع بقدرة على إلتقاط  صور عالية الدقة للمزارع، والكشف عما إذا كانت المحاصيل سليمة أم تالفة، أو عما إذا كانت المياه نظيفة أم ملوثة، مضيفة أن القمر يحمل حاسوبا قويا يقوم بتحليل الصور في الفضاء وارسال النتائج مبسطة مع تعليق مثل "هذا الحقل يحتاج إلى ماء أكثر أو أقل" بدلا من الاكتفاء بإرسال الصور الخام.

هذا الحدث أثار مجددا إلعديد من الأسئلة التي أثيرت من قبل، ومنها مدى الحذر الواجب على جاكرتا وقت قبولها العروض والمساعدات التكنولوجية، لاسيما حينما يكون العرض المقدم حول انظمة وتقنيات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري، ومن الأسئلة أيضا كيف يضمن الاندونيسيون حصولهم على نتائج أبحاث قمرهم الصناعي دون مرورها أولا على الصينيين الذين قد يحاولون تغييرها. غير أن السؤال الأهم كان "ما الذي يمنع بكين من استخدام القمر الاندونيسي في التجسس وجمع البيانات حول حركة السفن والقطع البحرية في مضيق سوندا الاندونيسي وربما أيضا في مضيق لومبوك الاستراتيجي الذي يعد ممرا اقتصاديا وعسكريا يربط المحيطين الهندي والهادي، ومسارا حيويا للقوات الاسترالية او القوات الحليفة للعبور نحو بحر الصين الجنوبي ومناطق التوتر المحتملة كتايوان.

إن صفقة بناء القمر بدت جدا مغرية، حيث لم تنفق حكومة مقاطعة لامبونغ أي أموال من ميزانيتها، وتكفل الصينيون بكل شيء ابتداء من صناعة القمر وإطلاقه، وانتهاء بتدريب الاندونيسيين على كيفية استخدام بيانات القمر وتحليلها. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الحكومة الصينية دأبت منذ فترة طويلة على تشجيع إبرام مثل هذه الصفقات بعيدا عن الحكومتين المركزيتين، بمعنى أن تبرم الصفقة بين حكومة مقاطعة محلية صينية ونظيرتها في الدولة الاجنبية أو بين حكومة مدينة وتوأمتها في الدولة الأخرى. وهذا الأسلوب، بطبيعة الحال، مفيد لأنه يمضي بوتيرة أسرع، ويقطع شوطا بعيدا في التنفيذ قبل أن يتنبه المشرعون والاعلاميون والنشطاء في الدولة الأجنبية إلى الجوانب السلبية للعرض الصيني ويقفون في وجهه.

ويمكن القول أن ما حدا بالبعض إلى التساؤل حول ما إذا كان "لامبونغ 1" مشروعا صينيا بريئا أم عملا تجسسيا هو أن السلطات الأندونيسية عثرت قبل فترة وجيزة على عوامة استشعار ضخمة على هيئة سفينة مثبته في قاع البحر عند سواحل مضيق لومبوك لرصد الغواصات. وعلى الرغم من الفشل في تحديد هوية الجسم، إلا أن أصابع الإتهام وجهت إلى الصين كونها الجهة الوحيدة المستفيدة من هكذا عمل، ناهيك عن وجود تحركات صينية مشبوهة دائمة في المنطقة، ولا سيما في أعقاب إتفاقية (AUKUS) التي أبرمتها استراليا مع الولايات المتحدة وبريطانيا للحصول على غواصات تعمل بالطاقة النووية.



د. عبدالله المدني

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

تاريخ المادة: سبتمبر 2026م




CONVERSATION

0 comments:

إرسال تعليق