مقارنة بين العملاقين الصيني والكوري الجنوبي
بقلم: د. عبدالله المدني*
المعروف أن الصين وكوريا الجنوبية من أبرز دول الشرق الآسيوي اقتصاديا وصناعيا على المستويين الاقليمي والعالمي، لكن الإختلافات والفروقات بين البلدين كبيرة، وتشمل عدد السكان والمساحة والمناخ وشكل النظام السياسي الحاكم، والموقع الاقتصادي في العالم، ونمط الثقافة، والقوى الناعمة، والطاقة، وغيرها.
فجغرافيا، تعتبر الصين ثالث أكبر دول العالم بمساحة تفارب 9.6 مليون كم مربع، وبعدد سكان يزيد عن 1.4 مليار نسمة، بينما تبلغ مساحة كوريا الجنوبية مائة ألف كم مربع ويسكنها حوالي 52 مليون نسمة فقط، واقتصاديا، تعد الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، ويعتمد اقتصادها على التصنيع والتصدير الكثيف إلى الخارج بينما تحتل كوريا الجنوبية الموقع العاشر بين اقتصادات العالم ويرتكز اقتصادها على التصنيع الحديث المدار من قبل تكتلات صناعية ضخمة كشركتي سامسونغ وهيونداي العملاقتين اللتين تصل قيمة كل منها إلى عشرات المليارات من الدولار، حيث تبلغ القيمة السوقية لشركة هيونداي مثلا 83 مليار دولار، بينما بلغت قيمة شركة سامسونغ في عام 2026 نحو 1.32 ترليون دولار.
وعلى حين حققت الصين نهضتها الاقتصادية في ظل نظام شيوعي شمولي وسلطة مركزية صارمة، نجحت كوريا في تحقيق صعود مذهل من خلال نظام ديمقراطي برلماني قائم على التعددية الحزبية والانتخابات. أما لجهة النظام التعليمي، فإن الصين تتبع نظاما تعليميا صارما وموجها مع التركيز على الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، في حين جعلت كوريا الجنوبية من التعليم مدى الحياة أساسا للمجتمع، وهو ما أثمر جيلا من الطلبة والكوادر المتميزة بعلمها وتدريبها الحديث البعيد عن الأيديولوجيا.
وإذا ما قارنا بين البلدين من الناحية التكنولوجية، نجد أن الصين حققت تقدما كبيرا في مجالات الذكاء الإصطناعي والريبوتات وشبكات الإتصالات والأقمار الصناعية، معتمدة على ابتكارات أبنائها أو استنساخ المنتج الغربي والياباني، بينما تعد كوريا الجنوبية اليوم من بين أكثر دول العالم تقدما في تكنولوجيات السلع الإلكترونية وأجهزة الهواتف والانترنت وصناعة السيارات والسفن والبناء.
أما في مجالات العلاقات الدولية، فإن الصين تسعى للتوسع والنفوذ والهيمنة، وتعتمد استراتيجية التودد إلى دول العالم من خلال سياسة برغماتية ووسائل الإغراء بالقروض والمساعدات التي تجسدها مبادرتها المعروفة بإسم "الحزام والطريق" المثيرة للجدل، في حين تحتفظ كوريا الجنوبية على علاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب، وتحاول أن توازن بها الصعود والتغول الصيني. وأما في مجال القوى الناعمة كالفن والسينما والرياضة، فإننا نجد أن مختلف الفنون في الصين، وعلى رأسها المسرح والسينما، تخضع لرقابة صارمة تحد من حيويتها وإبداعاتها، بينما حققت كوريا الجنوبية، بفضل مناخها الديمقراطي الحر، شهرة عالمية واسعة في الدراما والموسيقى والسينما خلال العقود الأخيرة.
ولا يكتمل الحديث عند عقد مقارنة بين البلدين دون الإشارة إلى مسألتي الطاقة والرعاية الصحية، فكلا البلدين يعتمدان بكثافة على الطاقة المستوردة من دول الشرق الأوسط النفطية، وتسعيان إلى تكوين مخزون نفطي ضخم للإستخدام وقت انقطاع سلاسل التوريد لأسباب سياسية، مع ملاحظة أن الصين تعاني من تلوث بيئي خطير، فيما تقوم كوريا الجنوبية بالتوسع في استخدام الطاقة النووية النظيفة. وفي مجال الرعاية الصحية نجد أن كوريا متفوقة على الصين بأشواط، ففي الأخيرة يوجد تفاوت كبير لجهة جودة الرعاية الصحية بين المدن والأرياف، بينما تتميز كوريا الجنوبية بنظام صحي متطور وحديث يمتد من المدن إلى الأرياف، ويعد ضمن الأفضل على المستويين الإقليمي والعالمي من حيث الكفاءة والخدمة، باعتراف منظمة الصحة العالمية.
ونختتم بالإشارة إلى أن بعض هذه الإختلافات قد يكون سببها تاريخ البلدين، وما شهداه من أحداث وتقلبات سياسية. فالصين عانت كثيرا من التغيير السياسي الذي حدث في عام 1949 مع نجاح ثورة "ماو تسي تونغ" الشيوعية، وما تلاها من مغامرات أيديولوجية قضت على خيرة المفكرين والكوادر الوطنية المتعلمة في معسكرات إعادة التأهيل، كما عانت من التطبيقات الإشتراكية المتشددة التي عصفت بالطبقات الثرية وأصحاب رؤوس الأموال الذين جعلوا ذات يوم مدنا مثل شنغهاي أرقى من نيويورك وباريس فخامة وتألقا. في مقابل هذا نجد أن تاريخ كوريا الجنوبية مرتبط بكوريا الموحدة التي تسببت الحرب الأهلية (1950 ــ 1953) في ظل الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في تقسيمها إلى شطرين، ليبدأ الشطر الجنوبي بعد انفصاله نهضة اقتصادية وصناعية سريعة ولتدهش العالم بتقديم نفسها كنموذج حضاري تكنولوجي عصري مسالم.
د. عبدالله المدني
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: أكتوبر 2026م





0 comments:
إرسال تعليق