بقلم: د. عبدالله المدني*
مما لا شك فيه أن تنافسا متصاعدا بين الولايات المتحدة والصين يجري على جميع الأصعدة وفي مختلف الاتجاهات منذ سنوات. ولئن ظل مسرح التنافس بعيدا عن منطقتنا في الماضي، فإنه اليوم في قلبها بسبب سياسات النظام الايراني الحمقاء وألاعيبها الشيطانية الهوجاء التي جرت القطبين الأمريكي والصيني إلى مياه الخليج.
والمعروف أن بكين بذلت جهودا مضنية ومتكررة لدخول المنطقة وإيجاد موطيء قدم استراتيجي فيها منذ ستينات القرن الماضي، لكنها فشلت مرارا وتكرارا بسبب طبيعة نظامها الشيوعي وسياساتها الثورية القديمة، وبعد أن غيرت جلدها واعتمدت سياسة الانفتاح الاقتصادي نجحت في اقامة علاقات وروابط دبلوماسية واقتصادية مع مختلف دول الخليج، وبات حضورها بارزا في منطقة تعتبر تاريخيا من مناطق النفوذ الاستراتيجي لواشنطن والغرب. ووجدت بكين في إيران، ما بعد الشاه، مدخلا مناسبا لمزاحمة النفوذ الغربي في الخليج، مستغلة العداء الإيراني ــ الإمريكي المتفاقم منذ عام 1979 من جهة، وتواجدها القوي في باكستان المجاورة لإيران من جهة أخرى.
واليوم، وبعد كل الذي حدث في بحر الخليج، تبدو الصورة للمراقب أن بكين لا تحبذ اشتباكا مباشرا مع واشنطن في الخليج حفاظا على مصالحها وتجارتها ووارداتها النفطية، لكن خلف هذه الصورة هناك صراع بأدوات مختلفة قد لا تبدو ظاهرة للعيان. والادارة الأمريكية الحالية ليست من الغباء كي تقتتنع أن بكين لا تشارك سرا في إطالة الحرب ضد عدوتها الايرانية، وانقاذ النظام الإيراني من الهلاك المحتم. فهي تراقب ولديها من الامكانيات والأعين الراصدة اكتشاف كل ما يجري خلف ظهرها، وإنْ إدعت بكين أنها على الحياد وملتزمة بالعقوبات المفروضة على طهران، وترغب في بقاء مضيق هرمز مفتوحا، وتعارض عسكرة المضيق.
تعلم واشنطن أن هناك روابط سياسية واقتصادية وتكنولوجية وعسكرية ونفطية وطيدة ومباشرة بين بكين وطهران، كان أحد شواهدها مناورات بحرية مشتركة، ومشتريات من النفط الايراني المهرب، وتسهيلات لحصول الإيرانيين على سلع صينية ذات استخدام مزدوج، الأمر الذي يجعل من خطط واشنطن واستراتيجياتها أكثر تعقيدا. أما ما جرى مؤخرا، خلال القمة الاحتفالية التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جينبينغ، من تبادل عبارات الإشادة والود والتفاهم والاتفاق، فهي لا تعدو كونها دبلوماسية لتأخير الضرر وإرجاء الخطر، وترحيل الحسم إلى وقت آخر. حيث أن موضوع اسقاط النظام الإيراني ومنعه من امتلاك قدرات نووية بات من الأمور التي لا تراجع فيها بالنسبة للبيت الأبيض على ما يبدو، وأن عودة الصين إلى ممارسة الإحتيال في زمن الحرب، وهي التي شكلت، خلال الصراع الأخير، شريان الحياة الاقتصادية لطهران ووفرت عمليات الشراء والنقل خرقا للعقوبات، وساهمت في جعل مصافيها المستقلة تلعب دورا محوريا وكبيرا في الشراء لكونها أقل عرضة لتأثيرات النظام المالي الغربي مقارنة بشركات النفط المملوكة للدولة الصينية، لن تمر مرور الكرام.
حتى الآن ردت واشنطن بجملة إجراءات مثل توسيع نطاق العقوبات المفروضة على الشركات والتجار وشبكات الخدمات اللوجستية الصينية المرتبطة بالنفط الإيراني، وعلى التقنيات الحساسة وعلى شبكات توريد السلع الصينية، ولاسيما تلك المرتبطة بالأبحاث النووية وتطوير الصواريخ، وذلك بناء على تقارير استخباراتية أفادت بأن موردين صينيين زودوا الإيرانيين بشحنات من المكونات ذات الاستخدام المزدوج تشمل الإلكترونيات ومواد أخرى من شأنها دعم الانظمة العسكرية وعمليات تصنيع وتطوير الطائرات المسيرة، هذا ناهيك عن تقارير أخرى أفادت بأن كيانات صينية قدمت لطهران صورا التقطتها الأقمار الصناعية الصينية لمنشآت عسكرية أمريكية وغربية في الأردن ودول الخليج. كل هذا وأكثر تعلمه واشنطن، لكنها تحاول جاهدة ألا تقدم على عمل مضاد يدفع الصينيين للتورط أكثر فأكثر مع النظام الإيراني.
صحيح أن الصين والولايات المتحدة لا تتواجهان عسكريا في الخليج في الوقت الراهن، لكن الصحيح أيضا هو أن المنطقة صارت، شئنا أم أبينا، ساحة تختبر فيها الدولتان قدرتهما على توجيه الأحداث وصياغة المعادلات خارج حدودهما، في ظل توجه أمريكي يعتمد سياسة العقوبات والضغطين الاقتصادي والعسكري على الخصم، مقابل توجه صيني يعتمد على تقوية نفوذه من خلال دعم عدو خصمها دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا.
وعليه نقول أن عدم كف بكين عن محاولاتها للإبقاء على النظام الارهابي الإيراني، والإستمرار في سياسة نفي التهم الثابتة عن نفسها، سوف يزيد من توتر علاقاتها مع واشنطن، وقد يصل التوتر إلى إشتباك لا مفر منه ولايريده أحد في مياه الخليج بين القطبين الكبيرين.
د. عبدالله المدني
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: أكتوبر 2026م




0 comments:
إرسال تعليق