بقلم: د. عبدالله المدني*
القاريء لتاريخ باكستان السياسي المعاصر سيخرج بنتيجة مفادها ان هذه البلاد لم تنعم منذ قيامها في سنة 1947 باستقرار سياسي طويل، باستثناء شيء من الاستقرار السياسي النسبي في عهد دكتاتورها العسكري الماريشال محمد أيوب خان ما بين عامي 1958 و1969. كانت تلك أطول فترة مرت على باكستان دون انقلابات أو اضطرابات، وإنْ شهدت نهاياتها تغييرا كبيرا في السلطة، برحيل أيوب خان وحلول الجنرال يحيى خان مكانه، ثم مجيء الرئيس المدني ذوالفقار علي بوتو عبر صناديق الانتخاب. أما ما عدا ذلك فتاريخ البلاد مثقل بإنقلابات عسكرية تطيح بحكومات مدنية منتخبة في انتخابات يشوبها الكثير من الفوضى والانتقادات وتهم التزوير، أوحكومات ديمقراطية قصيرة الأجل يُطاح بها لفسادها أو تقصيرها من قبل الشارع والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وهكذا دواليك.
كما سيجد القاريء أمامه حقيقة أخرى هي أن الولايات المتحدة لعبت على مدى سنوات طويلة، خلال حقبة الحرب الباردة وما بعدها، دورا محوريا في تغيير المشهد السياسي الباكستاني بحسب ما تتطلبه مصالحها واستراتيجياتها الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية، خصوصا وأن باكستان وضعت نفسها، منذ تأسيسها، في الخندق الأمريكي الغربي، وانضمت إلى تحالفاته العسكرية والامنية، مقابل حصولها على مساعدات عسكرية وتنموية بمليارات الدولارات.
أما مناسبة هذا الحديث، فهي أن أوضاع باكستان الداخلية اليوم شبيهة، من حيث التوتر والاحتقان السياسي، بحالات كثيرة سابقة انتهت بسقوط الحكومة المدنية لصالح جنرالات المؤسسة العسكرية النافذة. ولذا كان التساؤل عما إذا كانت باكستان ستشهد تغييرا سياسيا يؤدي إلى رحيل الحكومة الحالية المنتخبة بقيادة شهباز شريف، وحلول قائد الجيش الجنرال عاصم منير مكانه على رأس حكومة عسكرية، سواء عبر انقلاب عسكري أو تفاهمات سياسية.
والمعروف أن حكومة إسلام آباد أقدمت في الحادي عشر من اكتوبر المنصرم على إقالة وحبس "سهيل أفريدي" رئيس حكومة ولاية "خيبر باختونخوا" الشمالية الغربية المنتمي إلى حزب "تحريك انصاف" الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق عمران خان المعتقل حاليا. كما قام رئيس الجمهورية آصف علي زرداري، بموجب الصلاحيات الدستورية المخولة له، بفرض حالة الطواري على الولاية وإقالة حكومتها المنتخبة، ونشر قوات الامن في مختلف ارجائها، واغلاق كافة الطرق في عاصمتها بيشاور. وقد بررت الحكومة هذه الاجراءات بأنها اتخذت بسبب تدهور الوضع العام في الولاية، و"اللامبالاة المتعمدة من جانب حكومة الولاية في مكافحة الارهاب" في إشارة لمزاعمها حول اخفاق حكومة أفريدي المحلية في كبح جماح جماعات مسلحة متشددة في هذه الولاية المتاخمة لافغانستان. غير ان المراقبين يرون ان تحرك الحكومة المركزية لا يرتبط بمشكلة الارهاب وانما بقلاقل اجتماعية وسياسية تفجرت بسبب استمرار حبس عمران خان منذ عام 2023 وطريقة معاملته السيئة على خلفية اتهامات بالفساد والخيانة والتحريض على العنف، يصفها الكثيرون بأنها ملفقة وكيدية بإيعاز من الجيش وضغوط من واشنطن.
بالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترامب، فإن باكستان مهمة في استراتيجياتها ومخططاتها لأسباب كثيرة، مما يبرر لواشنطن أن تحتفظ بها كحليفة وكدولة تنعم بالإستقرار. من هذه الاسباب: موقعها الجغرافي الفريد كحلقة وصل بين جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وتطلع واشنطن إلى سحبها من مخلب التنين الصيني صاحب النفوذ الهائل في البلاد، وأهميتها الاستراتيجية لإدارة الأمن في منطقة عريضة تمتد من الخليج العربي إلى حدود أفغانستان.
والمعروف أن ترامب يحتفظ بعلاقات قوية مع قائد الجيش الباكستاني الحالي الفيلد ماريشال عاصم منير، بل كال له ترامب مديحا لم ينله أي من أسلافه في أكثر من مناسبة ووصفه بأنه شخصية مهمة جدا ورجل استثنائي، و"ماريشالي المفضل". ويبدو أن الثناء لم يكن فقط على خلفية المساعي التي بذلها الجنرال لحل المأزق الأمريكي ـ الإيراني الراهن، وإنما أيضا على خلفية دوره في ايقاف وتسليم المدعو "محمد شريف الله" العقل المدبر للهجوم الانتحاري بمطار كابول سنة 2021 والذي أودى بحياة 13 جنديا أمريكيا.
ومن هنا يرى بعض المراقبين أن الماريشال منير هو رجل واشنطن المفضل لقيادة باكستان في المرحلة المقبلة، وأن وصوله إلى السلطة في اسلام آباد مسألة وقت، خصوصا وأن مرحلة ما بعد زوال النظام الايراني الحالي، ستشهد تغييرات كثيرة في المنطقة تحتم وجود شخصية قوية مثله تمسك بزمام الأمور في بلد هش مثل باكستان، وتمنع انزلاقه نحو الفوضى. وبعبارة اخرى، ربما تتكرر السيناريوهات التي جاءت بالجنرال ضياء الحق إلى السلطة في مستهل حرب الجهاد الافغانية، أو تلك التي أتت بالجنرال برويز مشرف في عز الحملة الامريكية على الارهاب، قبل أن ينتهي دورهما فيقتل الأول حرقا في حادثة المروحية المعروفة سنة 1988، ويطاح بالثاني بضغوط أمريكية في عام 2008.
د. عبدالله المدني
* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي
تاريخ المادة: نوفمبر 2026م




0 comments:
إرسال تعليق